هوامش على مسار الانتخابات السويدية


عبدالله عطية شناوة
2026 / 9 / 6 - 02:52     

الديمقراطيون الاجتماعيون مع اليمين ضد اليسار!

أسوأ ما في حملة الحزب الديمقراطي الإجتماعي في السويد (S) الانتخابية انه يخوضها ضد اليسار وليس ضد اليمين، ولا يكف أنصاره عن تخويف الناخبين من التصويت لحزب اليسار (V) زاعمين أن التصويت له سيؤدي الى خسارة (S) وبقاء اليمين في الحكم، ليستفيدوا في نهاية المطاف من إضعاف اليسار، بما يتيح لهم بناء إئتلاف عابر للكتل، يضمهم مع حزب الوسط (C) والحزب المسيحي الديمقراطي (KD) وربما حتى مع المحافظين (M) بدعوى ضعف اليسار وانتفاء امكانية تشكيل أغلبية معه.
وهذا إيغال في الإبتعاد عن أرث الحزب الديمقراطي الأجتماعي الذي بنى النموذج السويدي، نموذج الرفاه الأجتماعي، نموذج أولف بالمه وآنّا ليند ومنى سالين، وهرولة باتجاه المعسكر المضاد، المعسكر الرامي إلى تقويض النموذج السويدي واعتماد نظام تحكم رأسالمال المطعم بعنصرية ترفض. التعددية الأثنية والثقافية.
وهذا المسار الذي تقوده ماغدلينا أنديرشون خطير بمقدار ما هو محزن، لا يلغي إنجازات أجيال من السويديين الشرفاء فقط، بل يفقد السويد كل ما تبقى لها من مكانة واستقلالية، ويحولها إلى مجرد جرم صغير يدور في فلك الولايات المتحدة، ويستدرجها إلى المشاركة في مغامرات عسكرية خارج حدودها.

نظرة مستقبلية محتملة لسويد ما بعد الأنتخابات

بات من شبه الواضح ان حزب الوسط (C) سيلعب دور حصان طروادة بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في السويد، وهو يدفع الحزب الديمقراطي الإجتماعي (S) باتجاه أعادة انتاج حكومة يمينية تحت واجهة (S) عبر استبعاد حزب اليسار (V) من الإئتلاف المرتقب، والاستعاضة عنه بالحزب الديمقراطي المسيحي (KD) المشارك في حكومة اليمين الحالية، الموالي لإسرائيل والأكثر قربا لحزب ديمقراطيي السويد (SD) ذو الجذور العنصرية.
رئيسة الديمقراطي الإجتماعي ماغدلينا أنديرشون تبدو أقرب إلى هذا الخيار، في حال ضمنت مشاركة حزب الخضر (MP) في إئتلاف بقيادتها إلى جانب الوسط والديمقراطيين المسيحيين، وسبق ان غازلت في غير مرة الديمقراطيين المسيحيين وزعيمتهم الموتورة إيبّا تور بوش، دون ان تستبعد اليسار بشكل قاطع خشية تردد الخضر في دخول مثل هذا الإئتلاف، أكثر من هذا تبدو مستعدة للتوافق حتى مع حزب المحافظين (M) الذي يقود حكومة اليمين الحالية للتخلص من ضغوط حزب اليسار، الهادفة إلى وقف سياسات التقويض المستمر لمنظومة الرفاه الأجتماعي، وفي حال اختارت أندريرشون هذا الإتجاه، ستحصل السويد على حكومة يمينية معتدلة تواصل ما شرعت فيه الحكومة اليمينية الحالية ولكن بواجهة ديمقراطية إجتماعية. وفي مثل هذه الحال سيبقى اليسار خارج الحكم وخارج التأثير في السياسات، وكذلك سيبقى ديمقراطيو السويد (SD) خارج الحكم، ولكن بتأثير كبير على السياسات عبر تأثير الديمقراطيين المسيحيين والوسط.

الديمقراطيون الاجتماعيون وفزاعة تشتيت الأصوات

يستخدم الحزب الديمقراطي الإجتماعي (S) في السويد فزاعة خطر تشتيت الأصوات في محاربة حلفائه الأكثر جذرية في جبهة اليسار لتقزيمهم والحد من تأثيرهم عليه وعلى سياساته التي تواصل الإنعطاف يميناً، وجعل حزبي اليسار (V) والخضر (MP) مساندين يدعمان سلطته، مع سلبهما امكانية التأثير في السلطة. وملوحا في ذات الوقت بالتحالف مع أكثر الأحزاب يمينية وهو الحزب المسيحي الديمقراطي (KD) شديد القرب من حزب ديمقراطيي السويد (SD) ذو السياسات العنصرية، إلى جانب حزب الوسط (C) اليميني هو الاخر.
تشتيت الأصوات خرافة خبيثة فزيادة أصوات اليسار (V) والخضر (MP) لن تضعف كتلة الحمر والخضر، بل بالعكس ستزيد من فرص التخلص من حكم اليمين، وتمنح الخضر واليسار فرصا أكبر لكبح عملية التحول باتجاه اليمين التي يمضي الديمقراطيون الاجتماعيون (S) فيها على نحو متسارع، بدءاً من التخلي عن مبدأ النأي عن الأحلاف العسكرية الذي ضمن على مدى أكثر من قرنين أمن وأستقرار السويد، والذي أنهته القيادة الحالية الديمقراطيين الاجتماعيين بالأنضمام إلى حلف الناتو العدواني، وانتهاءاً بالتخلي عن حق دستوري كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يمنع تجريد المواطن من جنسيته بأي حال من الأحوال، وهو الحق الذي ثبته الدستور السويدي، والذي تورط الحزب الديمقراطي الاجتماعي في العمل على إلغائه وتعديل الدستور بما يبيح نزع الجنسية، انسجاماً مع التوجهات العنصرية لديمقراطيي السويد (SD) وذيلهم الديمقراطي المسيحي (KD). وزيادة مقاعد حزبا اليسار (V) والخضر (MP) في البرلمان المقبل يمكن ان تعيق وقف هذا التوجه، والحيلولة دون تغيير الدستور السويدي باتجاه جعله اكثر استجابة للتوجهات العنصرية، عبر قبوله بالتمييز في حقوق المواطنة.


داغوستار والفخاخ الإعلامية

كما حدث مع رئيسة حزب اليسار السويدي، يستدرج المتضامنون مع الشعب الفلسطيني ضد جرائم الإبادة التي يرتكبها الصهاينة بحقه، يستدرجون إلى تبني مواقف والإدلاء بتصريحات يترتب عليها تضليل الرأي العام، وخلق صورة تساوي بين ما يرتكبه الصهاينة في فلسطين من جرائم، وبين ما يشاع عن تصاعد ما يوصف "بمعاداة السامية" في مجتمعات أخرى.
رئيسة حزب اليسار نوشي داغوستار وقعت في مثل هذا الفخ الذي صيغ على شكل سؤال: هل أنت مستعدة لارتداء نجمة داوود اليهودية تضامنا مع اليهود في السويد الذين يتعرضون لمعاداة السامية، كما فعلت رئيسة الحزب الليبرالي؟
ولضعف قدراتها الحوارية أضطرت داغوستار إلى الإجابة بنعم، أنا مستعدة لارتدائها تضامنا مع أقلية دينية سويدية ضد الكراهية. بدلا من أن تؤكد انها تمثل حزباً علمانيا لا يستخدم الرموز الدينية، وأنها في تضامنها مع شعب فلسطين لم ترفع رمزا دينيا إسلاميا. أو أن ترد بالتساؤل عما إذا كان اليهود السويديون يتعرضون فعلا للكراهية، وإن كان ذلك ضمن مواقف فردية أو ضمن سلوك جمعي ومنظم؟ وان كان هناك مثل هذا السلوك فما هو حجمه وتأثيره؟ أم إن مجرد التضامن مع فلسطين المثخنة بالجراح أو رفع العلم الفلسطيني يمثل مساً بحساسية بعض من يؤيدون ما ترتكبه إسرائيل من جرائم؟
بدلاً من ذلك وقعت داغوستار في الفخ الإعلامي، بشكل أكد وجود مشكلة يعانيها اليهود في السويد، بما يصرف الأنظار عن تلك الجرائم وأو يضع تلك المشكلة المزعومة في ميزان واحد معها.
الفخ الذي وقعت فيه داغوستار معد بعناية من قبل المدافعين عن جرائم الإبادة الجماعية في فلسطين لاستدراج الناشطين ضدها وإحراجهم، وحملهم على تبني ما لا يتوافق مع توجهاتهم من مواقف وتضليل الرأي العام باختلاق مشاكل ووضعها في ميزان زائف واحد مع جريمة القرن الحادي والعشرون المتواصلة في فلسطين.

مسار مؤسف!

تشير اغلب استطلاعات الرأي العام في السويد على أعتاب الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة إلى ان نحو كل واحد من خمسة سويديين يدعم حزب ديمقراطيي السويد (SD) ذو الميول العنصرية المعادي للإسلام والمسلمين، والداعي إلى أكثر الإجراءات تشددا، لمنع هجرتهم إلى السويد، ودفع الموجودين منهم إلى مغادرتها، بكل الوسائل بما فيها الإغراءات المالية في ما يسمى بعملية العودة الطوعية إلى البلدان الأم.
الملفت والمؤسف في ذات الوقت ان نسبة تأييد (SD) ترتفع لتبلغ واحد من كل أربعة في مدينة سوديرتيليا وهي أحدى مدن ستوكهولم الكبرى، ويتكون أغلبية سكانها من مهاجرين سريان من تركيا وسوريا والعراق ولبنان. وترتفع نسبة تأييد الحزب العنصري الى واحد من كل ثلاثة بين الشباب الذكور دون الأربعين عاما في المدينة. وعلى العكس من ذلك تميل أناث المدينة المذكورة إلى أحزاب كتلة المعارضة الحمراء الخضراء. كل هذا طبعا حسب استبانات الرأي الصادرة عن وكالات سبر الرأي العام.