ثقافة نقابية:أمبيت يوسون.. مسيرة نقابية من الفلبين إلى قيادة عمال البناء والأخشاب في العالم
جهاد عقل
2026 / 8 / 30 - 04:54
كناشط سابق في نقابة عمال البناء والأخشاب، ومشارك في أحد مؤتمراتها العالمية السابقة الذي عُقد في الدانمارك، ومتابع لنشاط الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب، لفت انتباهي على مدى السنوات الماضية الدور النقابي البارز الذي يؤديه الأمين العام للاتحاد، النقابي الفلبيني ألبيرت إميليو "أمبيت" يوسون (Albert Emilio “Ambet” Yuson)، ولا سيما نشاطه في مجال الدفاع عن حقوق العمال، وتوسيع الاتفاقيات الدولية التي توفر الحماية لعمال هذا القطاع.
في الوقت الذي يجري استعداد الاتحاد لعقد مؤتمره العالمي السادس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، يبرز سؤال طبيعي: هل سيترشح أمبيت يوسون لولاية إضافية، أم أن مؤتمر ساو باولو سيشهد انتقالاً إلى قيادة جديدة؟
يشغل يوسون منصب الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب (BWI)، وقد أصبح، خلال ما يقارب عقدين من قيادته، واحداً من الوجوه المعروفة في الحركة النقابية العالمية، ولا سيما في قضايا العمال المهاجرين، والسلامة والصحة المهنية، والحقوق النقابية في المشاريع الإنشائية الكبرى، والعدالة المناخية والانتقال العادل.
- البدايات في الفلبين
ترتبط بدايات النقابي أمبيت يوسون النقابية بالنضال الديمقراطي في الفلبين خلال فترة ديكتاتورية فرديناند ماركوس في ثمانينيات القرن الماضي. ومن النشاط الديمقراطي انتقل إلى صفوف الحركة العمالية، وبدأ العمل منظماً نقابياً بين عمال النسيج والملابس.
كما وامتدت تجربته إلى الدفاع عن قطاعات اجتماعية وعمالية واسعة، من بينها الفلاحون والعاملون في الاقتصاد غير المنظم والصيادون وسكان المناطق الفقيرة والشعوب الأصلية، كما شارك في جهود الدفع نحو أجندة للإصلاح الاجتماعي ومكافحة الفقر في الفلبين.
وفي عام 1997 انضم إلى الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب (IFBWW)، وهو أحد التنظيمات التي سبقت تأسيس الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب بصورته الحالية، وعمل منسقاً لمشروع نقابي وتعليمي في الفلبين، قبل أن يتولى مسؤوليات إقليمية في مجال السلامة والصحة المهنية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وفي عام 2002 انتقل يوسون إلى المقر الدولي في جنيف، حيث تولى مسؤولية التثقيف النقابي في الاتحاد، واستمر في هذا المجال بعد تأسيس الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب (BWI) عام 2005. وفي عام 2007 عاد إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ ممثلاً إقليمياً للاتحاد.
- انتخابه أميناً عاماً
شكّل المؤتمر العالمي الثاني للاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب، الذي عُقد في مدينة ليل الفرنسية عام 2009، نقطة التحول الأبرز في مسيرة النقبي أمبيت يوسون، إذ انتُخب أميناً عاماً خلفاً للنقابية السويدية أنيتا نورمارك، أول أمينة عامة للاتحاد بعد تأسيسه بصورته الحالية.
ومنذ ذلك التاريخ حافظ يوسون على ثقة المؤتمرات العالمية المتعاقبة:
● المؤتمر العالمي الثاني – عقد بمدينة ليل، فرنسا، 2009:جرى انتخابه للمرة الأولى أميناً عاماً.
● المؤتمر العالمي الثالث – عقد بمدينة بانكوك، تايلاند، 2013: إعادة انتخابه لولاية ثانية.
● المؤتمر العالمي الرابع – عقد بمدينة ديربان، جنوب أفريقيا، 2017: إعادة انتخابه لولاية ثالثة.
● المؤتمر العالمي الخامس – عد بمدينة مدريد، إسبانيا، 2022: إعادة انتخابه لولاية رابعة تمتد خلال الفترة المؤتمرية التالية.
وبذلك يكون النقابي أمبيت يوسون قد قاد الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب خلال أربع دورات مؤتمرية متتالية، ويصل إلى المؤتمر العالمي السادس في ساو باولو عام 2026 بعد نحو 17 عاماً من انتخابه الأول أميناً عاماً.
- ملامح مرحلة النقابي أمبيت يوسون
ارتبطت قيادة أمبيت يوسون بتوسيع حضور الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب في ملفات تجاوزت حدود العمل النقابي التقليدي، وفي مقدمتها الدفاع عن العمال المهاجرين، ومواجهة أشكال الاستغلال المرتبطة بأنظمة الهجرة والعمل، وتنظيم العمال في المشاريع الإنشائية الكبرى، وتعزيز معايير السلامة والصحة المهنية.
وكان ملف العمال في المنشآت المرتبطة بالأحداث الرياضية الكبرى واحداً من أبرز القضايا التي حضرت في عهد يوسون. فقد قاد الاتحاد حملات للدفاع عن حقوق العمال في المشاريع المرتبطة بكأس العالم والألعاب الأولمبية وغيرها من الأحداث الرياضية الدولية، وكان وضع العمال المهاجرين في قطر خلال التحضيرات لكأس العالم 2022 من أبرز الملفات التي تحرك فيها الاتحاد دولياً.
كما عمل الاتحاد خلال قيادته على توسيع نطاق الاتفاقيات الإطارية العالمية مع الشركات متعددة الجنسيات، والسعي إلى ربط سياسات المؤسسات المالية والتنموية الدولية بمعايير العمل اللائق واحترام الحقوق النقابية، إلى جانب تعزيز حضور النقابات في مواجهة الانتهاكات داخل سلاسل التوريد العالمية.
وفي السنوات الأخيرة برزت بقوة في خطاب الاتحاد وأمبيت يوسون قضايا تغير المناخ والإجهاد الحراري والانتقال العادل، خصوصاً أن عمال البناء والغابات يمثلون فئات شديدة التعرض لمخاطر ارتفاع درجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة.
- المؤتمر السادس.. وسؤال الاستمرار
يصل النقابي أمبيت يوسون إلى المؤتمر العالمي السادس للاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب، المقرر عقده في ساو باولو بالبرازيل بين 16 و20 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بصفته الأمين العام الذي قاد الاتحاد منذ عام 2009 وعبر أربع دورات مؤتمرية.
وحتى الآن، وفي ظل عدم وضوح الصورة النهائية للترشيحات لمنصب الأمين العام، يصعب الجزم بما إذا كان أمبيت يوسون سيتجه إلى طلب ولاية جديدة. إلا أن حضوره المكثف خلال عام 2026، ومشاركته في المؤتمرات الإقليمية والوطنية للاتحادات المنتسبة، ومواصلته قيادة أنشطة الاتحاد الدولية، تجعل احتمال استمراره في المنافسة على الموقع القيادي أمراً لا يمكن استبعاده، وبالمقابل ربما يكون هذا النشاط خطوة منه بأنه ينهي ولايته وهو في قمة العطاء.
في المقابل، يلفت الانتباه تعيين النقابي الفلبيني توس كيو أنونويفو (Tos Q. Añonuevo) أميناً عاماً مساعداً للاتحاد في شباط/فبراير 2025. وقد يفتح ذلك الباب أمام قراءات ترى في صعوده إلى هذا الموقع مؤشراً إلى إعداد جيل قيادي جديد داخل الاتحاد، وربما يجري طرح اسمه مستقبلاً لخلافة أمبيت يوسون.
لكن الانتقال من موقع الأمين العام المساعد إلى الأمانة العامة ليس أمراً تلقائياً، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه مساراً محسوماً. فالاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب هو اتحاد نقابي عالمي تتداخل في قراراته توازنات اتحادات قوية وأقاليم وقارات متعددة، كما أن انتخاب قيادته يخضع للنقاش والتحالفات والقرارات التي تتبلور في الطريق إلى المؤتمر وداخله.
من هنا، فإن وجود أمين عام مساعد فلبيني لا يعني بالضرورة أن الأمانة العامة ستبقى في الفلبين، مثلما أن طول فترة قيادة أمبيت يوسون لا يعني بالضرورة أن مرحلة الرجل قد انتهت. فالقيادة النقابية الدولية ليست وراثة للمواقع، وإنما تعبير عن توازنات وبرامج وثقة سياسية ونقابية تمنحها المنظمات المنتسبة عبر مؤسسات الاتحاد ومؤتمره.
لذلك سيكون من المهم أن نواصل متابعة المؤتمرات الإقليمية والاجتماعات التحضيرية السابقة لمؤتمر ساو باولو، ليس فقط لمعرفة الأسماء المرشحة، وإنما أيضاً لفهم الاتجاهات التي تتحرك داخل الاتحاد: هل تميل إلى الاستمرارية أم إلى التجديد؟ وما البرنامج الذي ستلتف حوله القوى النقابية المختلفة؟
وبالتالي، فإن السؤال الذي سيجيب عنه مؤتمر ساو باولو لا يقتصر على من سيكون الأمين العام المقبل، بل يتجاوز ذلك إلى خيار أوسع: هل سيختار الاتحاد الاستمرار في قيادة أمبيت يوسون بعد 17 عاماً من توليه الأمانة العامة، أم سينتقل إلى جيل قيادي جديد؟
وهو سؤال يكتسب أهمية أكبر لأن القيادة التي ستنبثق عن المؤتمر السادس ستواجه عالماً مختلفاً عن ذلك الذي انتُخب فيه أمبيت يوسون للمرة الأولى عام 2009؛ عالماً تتسارع فيه تحديات تغير المناخ والإجهاد الحراري، والهجرة والعمل غير المستقر، والذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، والتغيرات في صناعات البناء والغابات، إلى جانب تصاعد الهجمات على الحقوق والحريات النقابية في مناطق مختلفة من العالم.
وبين الاستمرارية والتجديد، سيبقى القرار في نهاية المطاف للمؤتمر السادس وللقوى النقابية التي يتشكل منها الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب.