السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
هيثم ضمره
2026 / 8 / 16 - 10:00
لماذا نأكل مما لا نزرع؟
هناك أسئلة لا تأتي إلى الإنسان في صورة سؤال، بل تأتيه كصفعة.
ومن أكثرها إيلاماً أن ينظر المرء إلى مائدة طعامه، ثم يسأل نفسه: كمٌّ من هذا الطعام صنعته أرضنا؟ وكمٌّ منه جاء من وراء البحار؟
نحن أمة عاشت قروناً وهي تعرف معنى الأرض. عرفنا القمح والشعير والزيتون والتمر، وعرفنا كيف نحلب الشاة، ونخبز الرغيف، ونحصد الزرع، ونحفظ مؤونة الشتاء. كانت الأرض بالنسبة إلى الإنسان العربي أكثر من قطعة تراب؛ كانت بيتاً ومخزناً وذاكرةً ومصدراً للكرامة.
ثم حدث شيء ما.
تدريجياً، ابتعدت الأيدي عن التراب، وامتلأت الأسواق بما لا نزرع، والمطابخ بما لا نصنع، وأصبح الإنسان الذي كان ينتج غذاءه ينتظر شاحنةً تأتيه به من مكان آخر.
وهكذا تحولت الأمة من أمةٍ تعرف كيف تنتج ما تحتاجه، إلى أمةٍ تتقن أكثر فأكثر فن الاستهلاك.
جغرافية التبعية الغذائية
ليست المشكلة أن نستورد.
فالاستيراد في ذاته ليس عيباً، ولا توجد دولة حديثة تنتج كل شيء وحدها. المشكلة تبدأ حين يصبح الاستيراد شرطاً لاستمرار الحياة، وحين تصبح لقمة الإنسان مرتبطة بقرار المزارع في بلد بعيد، أو بسعر النفط، أو بأزمة في ميناء، أو بحرب تقع في قارة أخرى.
عندها لا يعود الغذاء مجرد سلعة.
بل يصبح جزءاً من الأمن الوطني.
فالأمة التي لا تستطيع تأمين الحد الأدنى من غذائها تصبح مكشوفة أمام العالم. وقد تمتلك المال، والطرق، والأبراج، والمطارات، والجيوش، لكنها تظل عاجزة أمام سؤال بسيط جداً:
ماذا سنأكل غداً إذا انقطعت السفن؟
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة في عالمنا العربي.
لدينا مساحات شاسعة، ومناخات متنوعة، وشمس لا تكاد تغيب، وأراضٍ يمكن أن تنتج الكثير، وملايين الأيدي القادرة على العمل.
لكننا كثيراً ما نستخدم الأرض كأنها منظر طبيعي، والماء كأنه مورد بلا نهاية، والشباب كأن أفضل ما يمكن أن يفعلوه هو البحث عن مكتب يجلسون فيه ثماني ساعات.
لقد تعاملنا مع الإنتاج وكأنه مرحلة قديمة من التاريخ، ومع الاستهلاك وكأنه علامة على التقدم.
والمفارقة أن الأمم التي تنتج هي التي تملك القدرة على الاختيار، بينما الأمم التي تعتمد على الآخرين تضيق خياراتها كلما اشتدت الأزمات.
حين يصبح الفلاح أقل قيمة من المستورد
هناك مأساة أخرى لا تُرى في رفوف المتاجر.
إنها تلك التي تحدث في قلب القرية.
يجلس الفلاح أمام أرضه، يحسب ثمن البذور والماء والوقود والسماد والعمالة والنقل، ثم يذهب إلى السوق فيجد منتجاً أجنبياً يصل إلى المستهلك بسعر لا يستطيع هو منافسته.
فيعود إلى أرضه خائباً.
وفي العام التالي يزرع أقل.
ثم أقل.
ثم يترك الزراعة تماماً.
وبعد سنوات، تتحول الأرض التي كانت تنتج الطعام إلى أرض مهجورة، بينما نستمر نحن في استيراد الطعام من الخارج.
ثم نسأل باستغراب:
لماذا لا ينتج بلدنا؟
وكأن الإنتاج يولد من فراغ.
لا يمكن أن تطلب من الفلاح أن يحب الأرض، بينما تجعل العمل فيها خاسراً. ولا يمكن أن تطلب من الشاب أن يصبح مزارعاً، بينما تقنعه منذ طفولته بأن النجاح الحقيقي هو أن يترك القرية ويرتدي بدلة ويجلس خلف مكتب.
الأمم لا تخسر الزراعة في يوم واحد.
إنها تخسرها أولاً في وعي أبنائها.
ثقافة العيب واغتيال قيمة العمل
ربما كانت هذه واحدة من أخطر خسائرنا.
لقد نشأت أجيال وهي تسمع أن بعض الأعمال «لا تليق».
المزارع؟ عمل شاق.
النجار؟ حرفة بسيطة.
الحداد؟ مهنة متعبة.
العامل في المصنع؟ وظيفة من الدرجة الثانية.
أما الوظيفة المكتبية، مهما كانت بلا إنتاج حقيقي، فقد تحولت في الوعي الاجتماعي إلى رمز للنجاح.
وهكذا أصبحنا نربي أبناءنا على الهروب من العمل، لا على إتقانه.
في مناطق أخرى من العالم، قد ترى الإنسان يعتز بحرفته كما يعتز باسمه. قد تجد عائلة تحفظ صناعة تقليدية توارثتها عبر أجيال، أو فلاحاً يعرف أرضه شجرةً شجرة، أو حرفياً يرى في يديه امتداداً لأيدي أجداده.
هناك لا تكون الحرفة مجرد وسيلة للعيش.
إنها هوية.
أما نحن، فكثيراً ما نحول تراثنا إلى مهرجان موسمي، أو قطعة معلقة على جدار، أو لباس نرتديه أمام السياح، ثم نعود إلى بيوتنا لنرتدي ملابس جاءت من وطن السائح نفسه، الذي كان يقف أمامنا مبتسماً.
وهنا يراودني سؤال لا أعرف إن كان ساخراً أم موجعاً:
تُرى، هل كان السائح يبتسم فرحاً بما بقي من تراثنا، أم كان يبتسم لأنه يعرف أننا، بعد أن نخلع ثياب أجدادنا أمامه، سنعود لنرتدي ما صنعته أيدي أبناء وطنه؟
لقد احتفظنا بصورة التراث، وفقدنا روح الإنتاج التي صنعت التراث أصلاً.
المشكلة ليست في الفقر وحده
قد يقول قائل: نحن دول فقيرة، ولذلك لا نستطيع أن ننتج.
لكن المسألة أعمق من الفقر.
فالفقر نتيجة، وليس دائماً سبباً.
هناك أمم فقيرة بدأت من الصفر تقريباً، ثم قررت أن تتعلم وتنتج وتصنع وتزرع. لم تكن تملك في البداية كل الموارد، لكنها امتلكت شيئاً أهم:
إرادة الخروج من موقع المستهلك.
والإنتاج لا يعني أن نصنع كل شيء.
ليس المطلوب أن تنتج كل دولة هاتفها وسيارتها وطائرتها.
لكن المطلوب أن تعرف الأمة ما الذي لا يجوز أن تعتمد فيه اعتماداً قاتلاً على الآخرين.
الغذاء الأساسي، والماء، والطاقة، والدواء، وبعض الصناعات الحيوية، والمعرفة التقنية؛ هذه ليست مجرد سلع عادية يمكن أن نترك مصيرها بالكامل للسوق.
لأن السوق يعمل في الظروف الطبيعية.
أما التاريخ، فلا يعمل دائماً في الظروف الطبيعية.
الحروب تأتي.
الأوبئة تأتي.
الأزمات الاقتصادية تأتي.
الموانئ تتوقف.
الحدود تُغلق.
والدول التي بنت لنفسها شيئاً من القدرة على الاعتماد على ذاتها تكون أكثر قدرة على الصمود.
حين يفقد الإنسان ثقته بأرضه
لكن أخطر ما في المسألة ليس الاقتصاد.
إنه الإحساس بالعجز.
حين يقتنع الإنسان بأن بلده لا يستطيع أن ينتج، ولا يستطيع أن يصنع، ولا يستطيع أن يبتكر، ولا يستطيع أن يبني مستقبله، يبدأ بالبحث عن خلاصه في مكان آخر.
تتسع الهجرة.
يزداد الاحتقار للذات.
ويصبح الآخر دائماً أكثر قدرة، وأكثر تنظيماً، وأكثر نجاحاً.
ثم يصل الإنسان في لحظة ما إلى فكرة خطيرة:
ربما المشكلة ليست فينا فقط، بل في وجودنا ذاته.
وربما يكون الحل أن نذوب في كيان أقوى، أو نبحث عن قوة خارجية تتولى عنا مهمة بناء المستقبل.
لكن الأمم التي تفقد ثقتها بنفسها لا تستعيدها بمجرد الانتقال من مكان إلى آخر.
الأمان الذي يأتي من الخارج قد يكون مؤقتاً، أما القوة الحقيقية فتبدأ عندما تقول الأمة:
نحن قادرون على أن نبني شيئاً بأيدينا.
العودة إلى الأرض
ربما لا نحتاج إلى ثورة ضخمة.
ربما نحتاج إلى شيء أكثر هدوءاً وأعمق أثراً.
أن نعيد للأرض احترامها.
أن يصبح الفلاح في نظر المجتمع إنساناً يبني الأمن، لا شخصاً فشل في الحصول على وظيفة مكتبية.
أن يصبح الحرفي معلماً، لا مجرد عامل.
أن تصبح الزراعة علماً وتقنية واستثماراً، لا مهنة هامشية.
أن تدخل المدارس والجامعات في مشروع إعادة اكتشاف الإنتاج، لا أن تكتفي بتخريج مزيد من الباحثين عن الوظائف.
أن نزرع حيث يمكن أن نزرع.
ونصنع حيث يمكن أن نصنع.
ونتعلم حيث يجب أن نتعلم.
ونستثمر في الإنسان قبل أن نستثمر في الحجر.
فالأرض لا تخون من يعرف كيف يصادقها.
وقد تكون أول خطوة في طريق النهضة ليست بناء مصنع ضخم، ولا إطلاق مشروع ملياري، بل أن يتعلم طفل صغير أن الحبة التي يضعها في التراب يمكن أن تصبح خبزاً على مائدته.
هناك تبدأ الحكاية.
لأن الأمة التي تنتج طعامها لا تنتج غذاءها فقط.
إنها تنتج ثقتها بنفسها.
والأمة التي تحترم يد الفلاح والعامل والحرفي، تحترم في الحقيقة يدها هي.
أما الأمة التي تعتاد أن تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع، وتستهلك ما لا تفهم كيف صُنع، ثم تظن أن كثرة ما تملك من الأشياء تعني أنها قوية، فقد تكتشف متأخرة أن الرفاهية ليست دائماً قوة.
فقد تكون رفاهية اليوم هي تبعية الغد.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
ماذا نملك؟
بل:
ماذا نستطيع أن ننتج إذا اضطررنا إلى الاعتماد على أنفسنا؟
فحينها فقط نعرف مقدار قوتنا.
وحين نعيد إلى الأرض قيمتها، وإلى العمل كرامته، وإلى الإنتاج مكانته، نبدأ باستعادة شيء فقدناه منذ زمن طويل:
القدرة على أن نقول إن هذا الخبز خرج من أرضنا، وإن هذه اليد التي أكلت منه هي نفسها التي صنعته.
فالرغيف الذي يأتي من وراء البحار قد يشبع الجسد.
أما رغيف الأرض الحرة، فيشبع شيئاً أعمق:
كرامة الإنسان.