إستراتيجية تمكين شباب غزة من الإغاثة إلى الإنعاش الاقتصادي
سلامه ابو زعيتر
2026 / 8 / 12 - 19:48
في ظل الظروف التي يعيشها شعبنا الفلسطيني مع استمرار العدوان وتداعيات الحرب، وخاصة قطاع غزة الذي يمر اليوم بمرحلة فارقة من تاريخه الإنساني والاقتصادي؛ فبعد مضي نحو ثلاث سنوات على الحرب وما رافقها من دمارٍ وتجريفٍ لمقومات الحياة الاقتصادية، يجد قطاع واسع من أبناء الشعب الفلسطيني وفي مقدمتهم شريحة الشباب وخريجو الجامعات أنفسهم أمام واقعٍ بالغ القسوة، وتُظهر المعطيات الحديثة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بمناسبة اليوم العالمي للشباب، أن فئة الشباب (18–29 سنة) في فلسطين تُقدّر بنحو 1.2 مليون شاب وشابة، يشكلون أكثر من خُمس المجتمع (21%)، من بينهم نحو 444 ألفاً في قطاع غزة.
هؤلاء الشباب، الذين يمثلون الثروة الديموغرافية والحركية الأساسية للمجتمع، يواجهون اليوم انسداداً شاملاً في آفاق العمل بعد أن قفزت معدلات البطالة بين شباب القطاع إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 85% ما يحوّل هذه الطاقة البشرية الهائلة من محرك للتنمية إلى ضحية لظروف معيشية قاهرة تضغط على الاستقرار الاجتماعي والأسري، وإن الحديث عن مستقبل القطاع وتجاوز آثار الحرب لا يمكن أن يستقيم دون وضع ملف الإنعاش الاقتصادي والتمكين المباشر لهذه الكتلة الشبابية في صدارة الأولويات الوطنية والدولية؛ إذ لم تعد برامج الإغاثة التقليدية والمساعدات الطارئة كافية لاستيعاب حجم الأزمة، بل أصبح الانتقال إلى استراتيجية استدامة وتوليد فرص العيش أمراً لا يحتمل التأجيل.
تتجلى أبعاد هذه الأزمة المركبة في تراكم البطالة التي تؤدي تدريجياً إلى تآكل رأس المال البشري؛ حيث يفقد الخريج الصلة بالمهارات الحديثة وتطورات سوق العمل، مما يولد شعوراً عميقاً بالتهميش والإحباط بعد سنوات من الجد والاجتهاد الأكاديمي، ولا تتوقف هذه الآثار عند حدود الفرد، بل تتعداه لتتسلل إلى عمق البناء الأسري، لا سيما لدى الأسر الشابة التي تأسست في ظروف معقدة وتواجه اليوم متطلبات معيشية طارئة كتوفر السكن وتأمين المستلزمات الأساسية للأطفال في ظل ارتفاع الأسعار وشح الموارد، وبطبيعة الحال، ينعكس هذا الحرمان المادي بشكل مباشر على الاستقرار المجتمعي، إذ يفاقم من معدلات الضغط النفسي، ويدفع باتجاه الهجرة القسرية للكفاءات والعقول التي يحتاجها الوطن في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
ولتجاوز هذه التحديات الجسام وتحويل الطاقات المعطلة إلى محركات حقيقية للبناء، تظهر الحاجة الماسة لتبني رؤية اقتصادية شاملة تبدأ بإدماج الخريجين بشكل مباشر في برامج التعافي وإعادة الإعمار، وفي هذا السياق، يمكن توظيف الطاقات العلمية والهندسية والتربوية والصحية والاخصائيين في مشاريع حصر الأضرار، والدعم النفسي-الاجتماعي، وإعادة تأهيل المرافق الحيوية، مع ضرورة إلزام المؤسسات الدولية والهيئات التنموية باشتراط نسبة تشغيل محلية لا تقل عن 70% من الكوادر الشابة في كافة المبادرات الميدانية.
وبالتوازي مع هذا الإدماج المباشر، يتطلب الإنعاش الاقتصادي فتح آفاق تمويل المشاريع الصغرى ومتناهية الصغر، من خلال تأسيس صناديق إقراض حسن أو تقديم منح إنتاجية غير مشروطة للشباب والمتزوجين الجدد ممن يمتلكون أفكاراً ريادية حقيقية في مجالات الحرف والتجارة المحلية والزراعة الحضرية، مع رفدها بحاضنات أعمال مجتمعية تقدم الدعم الفني والإداري لضمان استمراريتها.
ومن هذا المنطلق التمكيني، يبرز اقتصاد المعرفة والعمل عن بُعد والعمل المرن كمتنفس حقيقي يتجاوز الحدود الجغرافية؛ خاصة وأن بيانات الإحصاء تشير إلى أن أكثر من 97% من الشباب الفلسطيني يستخدمون التكنولوجيا والإنترنت ويمتلكون أدوات التواصل الذكية، وهذا الانغماس الرقمي يشكل أرضية خصبة تستدعي الاستثمار الفوري في تطوير البنية التحتية الرقمية، وإنشاء المساحات المشتركة المجهزة بالإنترنت والطاقة، وتنفيذ دورات تدريبية مكثفة في مجالات البرمجة والتسويق الرقمي والترجمة بما يلبي متطلبات السوق الإقليمي والدولي ويحول الاتصال الرقمي إلى فرص عمل ومصدر دخل مستقل.
ولا يمكن لهذه الجهود أن تؤتي أكلها دون إقامة شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات النقابية لتنفيذ برامج دعم الأجور، حيث تساهم المؤسسات الدولية في تغطية جزء من أجور الخريجين للعمل داخل المنشآت المحلية والمنظمات الأهلية لفترات زمنية ممتدة، الأمر الذي يقلل الأعباء على مؤسسات القطاع الخاص ويكسب الشباب خبرات ميدانية عملية تثبت أقدامهم في سوق العمل، كما يمكن اعتماد مبدأ الحق في فرصة عمل تدريبية على الأقل لكل خريج، ضمن خطة منظمة تديرها النقابات المهنية بالتعاون مع جهات التشغيل، لمنح كل خريج الحق في التدريب والاندماج في سوق العمل عبر فرصة عمل مؤقتة مرة واحدة على الأقل.
إن توفير سبل العيش الكريم لنحو 1.2 مليون شاب وشابة في فلسطين وبالأخص شباب قطاع غزة الذين يعانون وطأة العدوان والحصار ليس مجرد استجابة لمطلب اقتصادي أو خطة إغاثية عابرة، بل هو واجب وطني وركيزة أساسية لتعزيز صمود المجتمع، ومن منظور نقابي وعمالي ومهني مسؤول، فإن حماية الحق في العمل العادل والتصدي لمنظومة البطالة والهشاشة التنموية هما حجر الزاوية في بناء أي استقرار مجتمعي مستدام؛ فالنقابات والاتحادات العمالية والمهنية ليست مجرد أطراف دفاعية، بل هي شريك أصيل في رسم سياسات التشغيل وصياغة العقد الاجتماعي لمرحلة ما بعد الحرب، وإن الاستثمار في طاقات الشباب والخريجين، وصون كرامتهم الإنسانية من خلال التمكين الناجز والعمل اللائق، هو الطريق الوحيد لحماية الطبقة العاملة ومستقبل الأجيال القادمة، وضمان تعافٍ اقتصادي واجتماعي يصنع الأمل ويرسخ الصمود على