القائد الأديب والنقابي الثائر عبد الجواد زيادة -أبو الأديب-


سلامه ابو زعيتر
2026 / 8 / 6 - 10:00     

من أصعب الكتابات تلك الكلمات التي تُكتب عندما تذكر رفيق دربٍ خلوقاً وقدوةً؛ تشاركنا سوياً الهمّ مع كل الشرفاء ورفاق الدرب، ولكن تأتي مبادرة الكتابة لصالح من شاركونا وسبقونا في العمل النقابي تحت عنوان "من ذاكرتي" لتأسيس منصة نقابية لمن سبقونا بالعمل وأضاءوا لنا الطريق، ولتظل ذاكرة الحركة العمالية والنقابية الفلسطينية زاهرة بأسماء قادتها المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الطبقة العاملة والذود عن حقوقها، بالتوازي مع دورهم الوطني الصلب.
وإن كانت الكلمات والسطور لا توفيهم حقهم، فهي غيض من فيض إنجازاتهم، وفي مقدمة هؤلاء الأعلام يبرز اسم الشهيد اللواء القائد عبد الجواد توفيق زيادة (أبو الأديب)، الذي لم يكن مجرد نقابي في مؤسسة، بل كان ابن مخيم جباليا الصامد؛ شرارة انتفاضة الحجارة ومخيم الثورة والبطولة، ففي أزقة هذا المخيم العتيد، ومن بين معاناته اليومية وطوابير اللاجئين المتمسكين بحق العودة، تنقّل شهيدنا المناضل (أبو الأديب) ليستلهم معاني الصمود والوفاء للفقراء والعمال، ومنه انطلق ليصوغ تجربة فريدة جمعت بين الفكر التنظيمي، والفعل النقابي الميداني، والعمل الإنساني الإغاثي.
بدأ شهيدنا مسيرته الوطنية مع اندلاع انتفاضة الحجارة المباركة عام 1987، وفي أوج الفوران الوطني بمخيم جباليا، أعلن الشاب عبد الجواد زيادة انتمائه الفاعل لـ "حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)". وشكّل هذا الانتماء بداية مسيرة نضالية ملهمة، انخرط خلالها في العمل التنظيمي والوطني الميداني مدافعاً عن حقوق شعبه، ومتحملاً في سبيل ذلك مرارة الاعتقال والأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما سجن النقب الصحراوي، ليصقل الأسر عزيمته ويزيده إيماناً بالعدالة والحرية، وكان أحد قيادات إقليم شمال غزة في دورته الاولي.
وفي عام 1993، ومع التحولات الوطنية وتأسيس قواعد العمل المؤسسي داخل الوطن، اتجه (أبو الأديب) إلى العمل النقابي والعمالي إدراكاً منه لأهمية حماية الطبقة العاملة الفلسطينية وبناء مؤسساتها التمثيلية؛ فساهم مع رفقاء دربه من القيادات النقابية والسياسية في تنظيم الصفوف العمالية وتوعية العمال بحقوقهم القانونية والنقابية، وعمل على مد جسور التواصل بين العمال ومؤسسات القرار للحد من آثار الواقع الاقتصادي المتردي جراء سياسات الاحتلال، مرسخاً مفهوم "النقابي الميداني" المتواجد دائماً بين العمال وفي مواقع عملهم، ولعلّ أدق ما يجسد مرارة تلك البدايات وعمق ارتباطه بالعمال، هو ما خطّه بيده في مقالته الشهيرة "في بلادي عمال بلا عمل" اقتبس منها قوله أن تكون فلسطينياً يعني أن تعمل وتكدّ في سنّ مبكرة لتوافق أوضاعك... فقد نشأنا في ظل فقر مُدقع نتاج اللجوء والتهجير القسري جراء الاحتلال، وكنا نذهب لسوق العمل مبكراً محملين بأوجاعنا، ونعود فرحين رغم التعب لمجرد توفير حقيبة مدرسية أو زيّ للفصل الدراسي القادم".
أدار (أبو الأديب) عمله النقابي من خلال مواقعه النقابية في عضوية مجلس نقابة عمال الزراعة والصيد البحري، ومواقعه المتعددة في لجان ودوائر "الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين - محافظات غزة"، وتتويجاً لتاريخه النقابي الحافل وثقة الكوادر العمالية بكفاءته وإخلاصه، انتُخب عام 2006 رئيساً لـ "النقابة العامة لعمال الصناعات الغذائية" في قطاع غزة، وخلال ترؤسه للنقابة، حقق (أبو الأديب) محطات بارزة عبر تطوير القطاع النقابي، وتنظيم عمال الصناعات الغذائية، وحماية حقوقهم، وتحسين شروط عملهم، والتأكيد على العدالة والحماية الاجتماعية ومعايير السلامة المهنية، والثقافة العمالية وشارك زملائه في إقرار قانون العمل والسياسات العمالية وحماية مصالح العمال، وكان شريكاً في كل التدخلات التي أدارها الاتحاد لتقديم الإغاثة للعمال في انتفاضة الأقصى، والتي عانى فيها العمال من البطالة والمنع من الوصول لمواقع عملهم داخل الخط الأخضر، واشتداد الحصار عليهم وعلى أسرهم. وكان يرى دائماً بواقعية القائد وحسّه النقابي العظيم، بإن لقمة العيش في فلسطين تحولت إلى معركة صمود يومية؛ فالعمال ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات البطالة، بل هم العصب الحقيقي لهذا الشعب والأكثر دفعاً لضريبة السياسات والحصار.
كما شغل عضوية اللجنة التنفيذية لـ "الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين"، فكان صوتاً جريئاً ومدافعاً صلباً عن المطالب العمالية العادلة في كافة المحافل الوطنية والنقابية المحلية والدولية، وكان ناقلا امينا للرواية الفلسطينية والقضية في مشاركاته الدولية والتمثيلية في المحافل الدولية، وقاد جهوداً متواصلة لتوفير الدعم والإسناد للعمال الذين تضرروا بفعل الحصار والحروب المتكررة على القطاع.
وهناك مواقف يذكرها التاريخ للقائد في العمل النقابي؛ فقد كان صمام أمان ومصلحاً ومقرباً لوجهات النظر في أي اجتهادات واختلافات وخلافات بين قيادات العمل النقابي، وكانت له رؤية مستقلة ورائدة لمستقبل الحركة وتأهيل المؤسسة وضخ كفاءات وقيادات شابة من أبناء المهن والقطاعات العمالية، فكانت مداخلاته في اجتماعات اللجنة التنفيذية تمثل انطلاقة للعمل، وكان متميزاً بصبره وأخلاقه ودماثة خلقه وعطائه.
ولم يكن النضال لديه محصوراً في السياسة والعمل النقابي فحسب، بل امتد ليتجسد في أرقى صور العطاء الإنساني والمجتمعي؛ حيث ترأس مجلس إدارة "جمعية الحياة والأمل لشمال غزة"، واستطاع من خلالها ترك بصمة إغاثية وتنموية فارقة في أزقة مخيم جباليا ومحافظة الشمال عموماً، فأشرف بنفسه على إطلاق وتحديث مشاريع كفالة الأيتام، وتوزيع المساعدات الغذائية والمالية الطارئة للعائلات الأشد فقراً وتضرراً، وعمل على تنفيذ مشاريع تمكين اقتصادي تعين العائلات والشباب على الاعتماد على أنفسهم، إضافة إلى المبادرات التدريبية، وأولى اهتماماً كبيراً لدعم الطلبة المحتاجين وتوفير المستلزمات الدراسية؛ إيماناً منه بأن التعليم هو السلاح الأبرز لمواجهة الحصار؛ كما كان دائماً في طليعة الفرق الإغاثية الميدانية في فترات العدوان، يوجه القوافل الإغاثية ويشرف على تقديم العون للمتضررين والنازحين.
ولم تكن فلسفته في العمل الأهلي تقف عند حدود المساعدات الطارئة، بل كان يحمل رؤية استراتيجية عبّر عنها وعمل بها، وتتلخص في قوله الأثور في العمل الاجتماعي "إن هدفنا وواجبنا الأصيل هو السعي الدائم للتحول بالمجتمع الفلسطيني من مجتمع إغاثي يقتصر على توزيع المساعدات الطارئة، إلى مجتمع تمكيني اندماجي يعتمد على طاقاته وأدواته الذاتية".
ومن هذا المنطلق، نجح القائد (أبو الأديب) في بناء شراكات دولية نوعية مع المفوضية الأوروبية (ECHO) والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)؛ مسخّراً هذه الشراكات لتنفيذ مشاريع حيوية بشمال غزة، كدعم آلاف الطلبة في مدارس الأونروا، وتطبيق مفاهيم المساءلة المجتمعية والحكم المحلي بالتعاون مع البلديات، لضمان جودة الخدمات وتوفير فرص تشغيل طارئة تخفف من حدة الفقر والبطالة بين أبناء الحركة العمالية.
وإلى جانب ميدانيته النقابية، كان (أبو الأديب) مفكراً وكاتباً حاضر القلم في وسائل الإعلام الوطنية؛ يكتب مقالات الرأي النقدية البنّاءة التي تشخص الواقع الوطني وتضع الحلول، فقد سخر قلمه للدفاع الصلب عن حقوق الأسرى والمحررين مطالباً بتوفير الحياة الكريمة لهم كواجب وطني لا مناص منه، كما ظل صوتاً عاقلاً ينادي بضرورة تجديد دماء الأطر التنظيمية، والاقتراب من نبض القواعد العمالية والشعبية، ورأب الصدع الداخلي حفاظاً على وحدة البيت الفلسطيني.
ظل القائد (أبو الأديب) متمسكاً بواجبه الوطني والنقابي والإنساني حتى اللحظات الأخيرة من حياته؛ فبرغم مرضه وضعف عضلة القلب لديه، ظل مستمراً ومجتهداً في العمل، وعندما بدأ النزوح من شمال غزة إلى الجنوب، آثر أن يستمر في العمل لخدمة أهالي شمال غزة، ليظل على تماسٍ لحظة بلحظة لخدمة أهلنا، فجاع معهم، وعجز عن توفير أدويته، وظل ثابتاً يخدم أبناء شعبه في مخيم جباليا موكلاً أمره لله وسط ظروف العدوان القاسية، حتى ارتقى شهيداً يوم الأربعاء في السادس عشر من شهر يناير عام 2024، وسقط شهيداً أمام أبنائه ومحبيه وهم عاجزون عن توفير أدويته بسبب الحصار ونقص الأدوية، وفي ظل غياب الرعاية الصحية جراء تدمير المنظومة الصحية، تاركاً إرثاً كبيراً في العمل النقابي، ومن وصاياه الخالدة للعمل النقابي والوطني والتي كان يطرحها معي ومع المقربين منه دعوا المخلصين ومن يُشهد لهم بالأخلاق والسمعة الطيبة لقيادة العمل النقابي والاجتماعي، ولا تتركوا المؤسسات فريسة لمن لا يتق الله.
وإن غاب البطل، يظل طيفه يضيء الطريق وخطاه يسير عليها الأوفياء والمناضلون، ويفتقده رفاق العمل في الميدان وقد رثاه الكثيرون، ونُعي برتبة لواء قائد تكريماً لتاريخه النضالي الشريف وما قدمه لوطنه وشعبه.
رحل الشهيد اللواء عبد الجواد توفيق زيادة جسداً، لكنه بذر في أرض الحركة النقابية والعمالية غراس الإخلاص والانتماء التي لا تموت، أثبت من خلالها أن العمل النقابي هو التزام أخلاقي يمتد من المصانع إلى الميدان الإغاثي، وسيبقى (أبو الأديب) منارة تُضيء طريق النقابيين الأحرار، وشاهداً على أن ابن المخيم قادر على أن يكون قائداً وطنياً ونقابياً وإنسانياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
فسلامٌ على روحك الطاهرة أخي أبا الأديب يوم ولدت، ويوم كافحت ونضلت، ويوم رحلت شهيداً ثابتاً في أرضك، ويوم تُبعث حياً، وأمانة النضال التي تركتها ستظل بأيدٍ أمينة، وتاريخك المشرف سيبقى محفوراً في ذاكرة الحركة العمالية والوطنية، كعلامة فارقة ورمزٍ نقابي لن تطويه الأيام، وأقل ما أذكره في حق أخ وصديق مخلص هي هذه الكلمات، لتكون أساساً لكل محبيه لتذكره وإضافة إنجازاته التي لا تُحصى، وليبقى مدرسة نقابية لن تُنسى، وتتبعها الكتابات وقصص النجاح التي حققها.