متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ
سلامه ابو زعيتر
2026 / 7 / 31 - 17:35
في أوقات الحروب، والكوارث، وحالات الطوارئ المركبة الممتدة؛ كما هو الواقع الفلسطيني المعاش، ولا سيما في قطاع غزة لا تقتصر الأزمة على تدمير البنى التحتية والمنشآت، بل تتعداها لتصيب البيئة النفسية والتنظيمية لبعض المؤسسات التشغيلية في مقتل، وفي هذا الفضاء المأزوم، تخوض الكوادر الميدانية معركة مزدوجة الأولى في مواجهة آلة الدمار وانعدام الأمان الحيوي، والثانية ضد تهديدات بيئة العمل ونشوء أنماط إدارية مشوهة تستغل حاجة العامل الإنسانية للبقاء لتكريس السيطرة القسرية والاستبداد الإداري.
إن هذا الواقع الاستثنائي يحتم الانتقال بالحراك النقابي من أطره التقليدية إلى "فلسفة إبداع الضرورة"؛ حيث تتكامل الجهود في مسارين متوازيين، مسار النقابات العمالية القطاعية لخوض معركة حماية الكرامة الوظيفية وتفكيك الفجوة البنيوية المتنامية بين "الإدارة الافتراضية النائية" و"الكوادر الميدانية في الخطوط الأمامية"، ومسار النقابات المهنية لإبداع آليات صمود جديدة تُطور قدرات المهنيين والأعضاء الميدانيين، وتعزز مناعتهم المهنية والنفسية لإدارة الأزمة بكفاءة واقتدار؛ فكيف تؤثر "متلازمة الموظف المهدد" على أخلاقيات العمل؟ وكيف يمكن للعمل النقابي المبتكر إعادة الاستقرار لسوق عمل يقع تحت خط النار؟
وتُعرّف متلازمة الموظف المهدد انطلاقاً من الرصد الميداني لأدبيات الإدارة المتأزمة، بأنها حالة من عدم الاستقرار النفسي والمهني تصيب الموظف نتيجة شعوره المستمر بأن أمنه الوظيفي وقوته المعيشي مرهونان بالامتثال المطلق لقرارات الإدارة، حتى وإن كانت تعسفية أو منتهكة لحقوقه، وذلك تحت طائلة التهديد المبطن أو الصريح بالفصل، أو تجميد الراتب، أو الاستبدال في ظروف يندر فيها البديل.
وفي ظل هذه الأزمات، واتساع نسب البطالة، واختلال قانون العرض والطلب، وشح فرص وبرامج التشغيل؛ تعمدت بعض الإدارات المريضة إلى استخدام حالة الطوارئ كذريعة لتعطيل اللوائح الداخلية الحامية للموظف وتجاهلها، فيتحول التهديد بالفصل إلى أداة لفرض شروط الطاعة العمياء عبر آليات التحرش التنظيمي والمضايقة الإدارية، ولا سيما عندما يكون المدير في ظروف آمنة ومستقرة، بينما يخوض الموظف ظروفاً قاسية من النزوح والحرب والغلاء، وهذا الواقع يفرغ العمل من أبعاده الإبداعية، ويحول الموظف إلى كائن مرعوب يبحث عن النجاة الفردية بدلاً من العمل مع الفريق والإنتاج الجماعي، وتزداد قسوة هذه المتلازمة في واقعنا الفلسطيني، لا سيما في غزة حيث يتسم سوق العمل بالانكماش الحاد؛ مما يجعل فقدان الوظيفة بمثابة إعدام اجتماعي واقتصادي للأسرة، يُكسب الإدارة المتغولة قوة قسرية غير أخلاقية.
ومع التطور التكنولوجي المتسارع في زمن الأزمات الممتدة، برز نمط الإدارة الافتراضية النائية ليخلق انقساماً سوسيولوجياً حاداً داخل البنية المؤسسية الواحدة، فمن جهة، يقبع صناع القرار خلف الشاشات والتطبيقات الرقمية، وغالباً يكون في مناطق آمنة أو في الخارج ليصدروا قرارات وتوجيهات تعتمد على الأرقام والمؤشرات النظرية الجافة، منفصلين كلياً عن تعقيدات الواقع الميداني، ومن جهة أخرى، تتواجد الكوادر الميدانية من عمال بنية تحتية ونظافة، وطواقم طبية، ومسعفين، وصحفيين، وموظفي إغاثة ونشطاء مجتمعيين في قلب الخطر، يواجهون الموت ونقص الموارد لتسيير الشرايين الحيوية للمجتمع.
وينشأ الصدام التنظيمي عندما تطالب الإدارة النائية بالامتثال البيروقراطي الصارم وتطبيق المعايير القياسية، في ظل عجزها عن توفير الحماية الاجتماعية والتأمين ضد المخاطر وأدوات السلامة والصحة المهنية، أو تقديم مكافآت عادلة تعوض حجم المخاطرة، بل وتلوح بالعقوبات في حال التقصير؛ هذا الأمر يولد شعوراً حاداً بالظلم والاغتراب لدى العاملين والكوادر الميدانية التي ترى في هذا السلوك نوعاً من الاستعلاء التنظيمي واللاإنسانية.
إن مواجهة تداعيات متلازمة الموظف المهدد تستوجب إعادة الاعتبار لأخلاقيات العمل في أوقات الطوارئ، وتفعيل أدوات الحوكمة والنزاهة الإدارية، ومواكبة ذلك بقرارات بقانون لحفظ توازن علاقات العمل، فالأمر يتطلب انتقال الفلسفة الإدارية من نظام التحكم والتهديد إلى الدعم والتمكين؛ إذ تفرض الأخلاقيات المؤسسية حماية الكوادر الميدانية أولاً، واعتبار سلامتها الجسدية والنفسية مقدمة على أي مؤشر ربحي أو إداري جامد.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لإبداع الضرورة في الإدارة النقابية بالأزمات؛ حيث ينبغي على النقابات، والاتحادات العمالية، والحكومة، والجهات التشريعية ألا تكتفي بمراقبة الأجور، بل يجب أن تتحرك قانونياً وسوسيولوجياً لتجريم التحرش التنظيمي، ووضع مواثيق شرف ومدونات سلوك وضوابط ملزمة تمنع الإدارات الافتراضية من التغول على حقوق الموظفين، فإن "من لا يكتوي بالنار لا يشعر بألم من يُشوى فيها"؛ لذا فإن واجب النقابات اليوم يتجسد في الوقوف أمام مسؤولياتها والضغط لإصدار تشريعات تضبط واقع العمل في الازمات، ومراقبة المشغلين خاصة في المؤسسات التي تستغل حالة الطوارئ لتعظيم منافعها على حساب العاملين لضمان استقرارهم الوظيفي وحمايتهم من أن يكونوا فريسة الاستغلال.
الخلاصة: يثبت التحليل السيكو-سوسيولوجي لـ "متلازمة الموظف المهدد" أن الاستبداد الإداري والفجوة بين الإدارة الافتراضية والكوادر الميدانية يمثلان خطراً داهماً يهدد البنية الأخلاقية والإنتاجية للمؤسسات؛ فالإنسان المرعوب والمهدد في قوته وأمنه الوظيفي لا يمكنه بناء مجتمع صامد أو تقديم خدمة إنسانية حقيقية، ولتجاوز هذا الخلل البنيوي، تبرز الحاجة الماسة إلى تفعيل "فلسفة إبداع الضرورة" في أدبيات وممارسات العمل النقابي، عبر تكامل أدوار قطبيه الأساسيين:
أولاً: النقابات العمالية القطاعية من خلال خوض مواجهة قانونية وسوسيولوجية لتجريم التهديد الوظيفي والتحرش التنظيمي، والضغط لفرض "مدونة أخلاقية وطنية للعمل في أوقات الطوارئ"، وتجميد القرارات المصيرية التعسفية، وضمان شمول العاملين ببدلات المخاطرة والتأمين الصحي وتدابير السلامة.
ثانياً: النقابات المهنية عبر أخذ المبادرة لتطوير قدرات أعضائها الميدانيين، وصياغة برامج تدريبية مرنة في "إدارة أزمات الميدان" والتعامل مع ضغوط الصدمات المركبة، وتمكينهم تكنولوجياً ومعرفياً من سد الفراغ الذي يخلفه غياب الإدارات النائية، للتحول من التبعية الإدارية إلى القيادة الميدانية الذاتية.
إن إنهاء هذا التشوّه التنظيمي يتطلب صيغة جديدة من التضامن العمالي؛ تضمن أن تكون الإدارة خادمة للميدان وحامية لكرامة الإنسان، وأن يظل العمل النقابي درعاً واقياً وصانعاً لحلول الصمود والإبداع في أعتى ظروف الأزمات.