بعد واحد وستين عاما من الكونفرانس الخامس قضايا الخلاف وسبل الحل في الوثائق ( ١ – ٤ )
صلاح بدرالدين
2026 / 7 / 28 - 16:25
بعد واحد وستين عاما من الكونفرانس الخامس
قضايا الخلاف وسبل الحل في الوثائق
( ١ – ٤ )
صلاح بدرالدين
قامت الحركة القومية لكرد سوريا في بدايات انبثاقها قبل نحو قرن ، شأنها شأن كل الحركات القومية بالمنطقة ، على تجاذبات التجريبية ، والاختلاف حول الأهداف والوسائل ، واجتهادات لم تكن بالضرورة متشابهة بحسب رؤا ، ومصالح أفراد ينتمون بالنهاية الى خلفيات ، وفئات اجتماعية ، ومشارب متباينة ، ثم التوافق على مشتركات لم تكن دائمة ، ولم تعتبر هذه الديناميكية التي افرزت أطر ، وتنظيمات ، ومجموعات ، وكسرت الجمود ظاهرة سلبية ، بل كانت منطلقا للتطوير ، واكتشاف الأفضل .
انعكس هذا الواقع على حركة – خويبون – التي كانت عرضة للتأثير الخارجي ( سلطة الانتداب الفرنسي ، وحزب الطاشناك الأرمني ، والضغوطات التركية ) والخلاف – الصامت - الحاصل بين القطبين الرئيسيين آنذاك وهما عائلتا كل من ( بدرخان ، وجميل باشا ) ذات الخلفية القومية التاريخية ، كما كان االاختلاف بوجهات النظر متأصلا في صفوف التنظيم الحزبي الأول عام ١٩٥٧ بين تيار قومي كردستاني متشدد ، وآخر أقرب الى الوطنية السورية ، إضافة الى تناقضات بين مفاهيم المدينة والريف ، وانفجرت تلك الخلافات ، والاختلافات ، والتمايزات علنا بعد تجربة الاعتقالات الأولى لقادة الحزب بداية ستينات القرن المنصرم التي شكلت المحك ، ومعظمهم من المؤسسين الأوائل ، ولأن تلك االتباينات لم تحسم ، ولم تنشر قضايا الخلاف كوثائق لتوعية القاعدة الحزبية ، والجمهور الوطني الواسع ، انتقل الحزب من مرحلة الصعود ، الى التراجع والجمود التنظيمي ، وتوسع ظاهرة التكتلات ذات الصبغة المحلية ، والمناطقية ، حيث وجدت تيارات – انتهازية – ان الفرصة سانحة لتحقيق مآربها في تحويل الحزب من وسيلة نضالية ثورية هدفها تحقيق إرادة الكرد في تقرير مصيره في سوريا ديموقراطية موحدة ، الى ( جمعية ثقافية ) موالية للسلطات الشوفينية الحاكمة ، وفي تلك الأجواء المشحونة ، بالفراغ ، والقلق ، وانتشار الشائعات ، لم تقف السلطة متفرجة – محايدة - بل فعلت فعلها في تعميق الخلاف ، ودعم الأقرب لها ، واختراق الصفوف .
اليسار المنقذ
لأول مرة في تاريخ الحركة الكردية السورية وتنظيمها الحزبي الأول ، تبادر القاعدة التنظيمية في مختلف المناطق الخاضعة للنفوذ الحزبي الى محاولة الإنقاذ بصورة شرعية تحت راية اليسار القومي ، من دون حضور ومشاركة أي قيادي ، وبمعزل عن رموز الخلاف والصراع ، وكان هدف مجموعة ( الثلاثة والثلاثون ) مندوبا عن القاعدة الذين شاركوا في الكونفرانس الخامس بتاريخ الخامس من آب ١٩٦٥ ، المنعقد بقرية – جمعاية - الأول انقاذ الحزب ، والحفاظ على وجوده ، ووحدته ، واستمراريته ، والدليل الموضوعي على مانقول هو قرار استمرارية – القيادة المرحلية – المنتخبة لمدة عام ، والتحضير للمؤتمر العام ، والتواصل مع جميع أعضاء القيادة – قبل الكونفرانس – من دون تمييز ، ودعوتهم لاستلام مهامهم ، ومواقعهم حتى المؤتمر الذي له الكلمة الفصل ، واستجاب البعض ، وتردد البعض الاخر ، والتزمت القيادة المرحلية للبارتي اليساري بوعدها ، وانعقد المؤتمر العام في الهلالية بآب ١٩٦٦ .
قضايا الخلاف التي كشف عنها اليسار وتصدى لها
تضمن التقرير العام الذي قدمته اللجنة التحضيرية الى أعضاء الكونفرانس الخامس ، تقييما تاريخيا نقديا للفترة الممتدة بين التأسيس حتى تاريخه ، بمافيها الغموض الذي اكتنف مسألة تغيير اسم الحزب وبنود من برنامجه من دون مؤتمر او اجتماع موسع كما تنص عليه مواد النظام الداخلي ، وعدم ابلاغ القاعدة الحزبية بالاسباب والنتائج المترتبة ، وكذلك الافتقار الى وثائق حول الخلافات وسبل حلها ، كما احتوى التقرير على قراءة معمقة للوضع في سوريا ، والمخطط العنصري الذي يسعى النظام لتنفيذه ضد الكرد ، وأحوال الحركة التحررية الكردستانية بالجوار ، وحذر التقرير من مخاطر تحرك التيار اليميني الموالي للسلطة على مستقبل الحركة الكردية السورية ، وانتهى التقرير بالتأكيد على الطابع الفكري والسياسي لجميع الخلافات الناشئة ، ومن ثم تم التوافق على جملة مبادئ شكلت النهج الجديد للحزب الذي جسد بتلك المرحلة الحركة الكردية السورية وأهمها :
أولا – إعادة تعريف الكرد السوريين كشعب من السكان الأصليين ، من حقه تقرير مصيره السياسي والإداري في اطار سوريا ديموقراطية موحدة .
ثانيا – التوازن بين القومي والوطني وإنقاذ الحزب من التوجهات الراديكالية ان كانت قومية او سورية ، وهذا ما خلق إشكالية فيما بعد ، وصراعا فكريا لم يهدأ مع أصحاب التيارين وباشكال مختلفة .
ثالثا – الانحياز الى جانب القضايا الاجتماعية لفقراء الكرد في الصراع الذي نشب بتلك المرحلة مع السلطة الشوفينية الجائرة على المستوى الوطني ، وتهدئة الصراعات الاجتماعية بين الكرد وحلها بالطرق السلمية .
رابعا – اعتبار الحركة الكردية جزء من المعارضة الوطنية الديموقراطية ، وضد نظام الاستبداد الحاكم .
خامسا – الوقوف الى جانب القيادة الشرعية لثورة أيلول وزعيمها الراحل مصطفى بارزاني .
سادسا – تعميق الدور الثقافي للحزب ، وايلاء الأهمية لشريحتي المرأة والشباب .
وهنا لم نجد في كل هذه المهام ، والتوجهات أية إشارة الى شخصنة الصراع ، أو اطلاق تعابير ( التخوين والعمالة ) ضد احد .
الصراعات الحقيقية والوهمية
بحسب رؤية وتوجه – البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي – فان الصراع فكري وسياسي داخل الحركة ويجب ان تحل عبر الحوار ، والتنافس ، اما مع النظام المستبد الحاكم آنذاك وسلطته فالصراع كان رئيسيا وتناحريا لن ينتهي الا باسقاطه وإيجاد البديل الديموقراطي ، وهذا ماتحقق فعلا بعد عقود .
وبعد توغل الأجهزة الأمنية في جسم الحركة ، واختراق احزابها ، بدأت بمحاولة تغيير مجرى الصراع باتجاه الخارج ، فبحكم عداوة النظام وصراعاته – ان كانت حقيقية او شكلية – مع بعض أنظمة الدول المجاورة مثل إسرائيل ، وتركيا ، والعراق ، بدأ بمواجهة المعارضة الداخلية وبينها الحركة الكردية باتهامها – بالعمالة - لتلك الدول ، وزج هذه الاتهامات داخل الحركة واستخدام منشقين عن الأحزاب الكردية موالين للسلطة هذه التهم ضد خصومهم ، وبذلك نفذوا هدف النظام باعتبار ان الأولوية لصراعات النظام ، وليست للقضايا الداخلية ، في حين ان مقياس الصدق ، والنزاهة ، والجدية هو الموقف من النظام الحاكم آنذاك ومدى الوقوف ضد مشاريعه وخططه .