قناة السويس مائة وسبعة وستون عاما على الحفر،وسبعون عاما على التأميم ؟
حسن مدبولى
2026 / 7 / 27 - 09:50
مئة وسبعة وستون عامًا على بدء حفر قناة السويس... وسبعون عامًا على تأميمها
لا يكاد يوجد شهرٌ في تاريخ مصر ارتبط بقناة السويس كما ارتبط شهر يوليو. ففيه انطلقت معاول الحفر عام 1859، وفيه أيضًا، بعد سبعة وتسعين عامًا، دوّى قرار التأميم في السادس والعشرين من يوليو 1956، فعادت القناة إلى أصحابها الحقيقيين. وبين التاريخين تمتد قصة وطن كاملة؛ امتزجت فيها دماء الفلاحين بعرق العمال، وتعاقبت فيها مآسي الاستغلال مع لحظات استرداد السيادة والكرامة.
بدأت أعمال الحفر في 25 أبريل 1859 وفق الوثائق الرسمية لشركة قناة السويس، بينما تشير بعض الروايات إلى أن أعمال الحفر الفعلية بالسخرة بدأت في يوليو من العام نفسه. واستمر العمل عشر سنوات كاملة حتى افتتاح القناة رسميًا في 17 نوفمبر 1869. وخلال تلك السنوات شُقَّ ممر مائي بطول يقارب 164 كيلومترًا، وبعرض تراوح بين 40 و100 متر، وبعمق متوسط بلغ نحو ثمانية أمتار، وكل ذلك بأدوات بدائية وسواعد بشرية أنهكها العمل القسري.
شارك في المشروع ما يقرب من مليون ونصف المليون مصري، في وقت لم يكن عدد سكان البلاد يتجاوز أربعة ملايين ونصف المليون نسمة. ولم يكونوا عمالًا يتقاضون أجورًا عادلة، بل كانوا يُساقون إلى مواقع الحفر بنظام السُّخرة، يعملون تحت لهيب الشمس، ويواجهون الجوع والعطش والأوبئة وسوء المعاملة. ولذلك اختلفت تقديرات أعداد الضحايا بين المؤرخين، فتراوحت بين نحو عشرين ألفًا وأكثر من مئة ألف، بينما تميل بعض الدراسات إلى ترجيح الأعداد الأكبر بالنظر إلى قسوة الظروف وشهادات معاصرة لدبلوماسيين ورحالة أوروبيين. أما معظم هؤلاء فقد دُفنوا على ضفاف القناة أو في رمال الصحراء، بلا أسماء، ولا شواهد، ولا تكريم يليق بمن صنعوا أحد أعظم المشروعات الهندسية في التاريخ.
ولذلك، فإن تأميم القناة لم يكن مجرد قرار اقتصادي أو مواجهة سياسية مع بريطانيا وفرنسا، بل كان في جوهره تصحيحًا متأخرًا لمسار تاريخي بدأ منذ اللحظة التي أُجبر فيها مئات الآلاف من المصريين على حفرها، بينما ذهبت ثمارها لعقود طويلة إلى غيرهم.
لقد كانت مأساة الحفر أقرب إلى مجزرة بشرية مكتملة الأركان، ومع ذلك لم تنل ما تستحقه من حضور في كتب التاريخ، ولا في السينما والدراما المصرية. فلم يُنتج عمل فني كبير يخلّد آلاف الفلاحين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لهذا المشروع، بينما بقيت تضحياتهم مطموسة، وكأنهم لم يوجدوا يومًا.
ولم تتوقف المأساة عند من سقطوا أثناء الحفر، بل امتدت إلى أسرهم التي لم تحصل على تعويض، ولا على اعتراف رسمي يليق بما قدمه أبناؤها. وفي المقابل، ظل آخرون يحصدون المكاسب السياسية والاقتصادية والإعلامية المرتبطة بالقناة، بينما بقي أصحاب الفضل الحقيقيون مجهولين، تختزن الرمال بقايا أجسادهم، ويطويهم النسيان.
وعندما افتُتحت القناة في نوفمبر 1869، شهدت مصر واحدًا من أكثر الاحتفالات بذخًا في القرن التاسع عشر. فقد أراد الخديوي إسماعيل أن يعلن أمام العالم أن مصر أصبحت جزءًا من أوروبا الحديثة، فدعا الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث، والإمبراطور فرانتس جوزيف، وعددًا كبيرًا من الملوك والأمراء وكبار الشخصيات الأوروبية.
تحولت مدن القناة إلى مسرح أسطوري؛ شوارع مزدانة، وأقواس نصر، وألعاب نارية، وولائم فاخرة، واستعراضات غير مسبوقة. وشُيِّدت دار الأوبرا الخديوية احتفاءً بالمناسبة، وإن كانت أوبرا «عايدة» لم تُعرض في الافتتاح كما يعتقد كثيرون، وإنما قُدمت لأول مرة بعد ذلك بنحو عامين. كما أُقيمت قصور لاستقبال الضيوف، وأُنفقت مبالغ طائلة على الاحتفالات، حتى قدّرت بعض المصادر تكلفتها بما بين مليون ونصف ومليوني جنيه إسترليني، وهو مبلغ هائل بمقاييس ذلك العصر.
غير أن المفارقة كانت قاسية؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الألعاب النارية تضيء سماء القناة، كانت أجساد آلاف الفلاحين الذين حفروها قد غابت تحت رمالها. كان الضيوف يحتفلون بالمشروع، بينما غاب صُنّاعه الحقيقيون عن المشهد إلى الأبد، فلا أسماء خُلِّدت، ولا قبور عُرفت، ولا حقوق أُعيدت.
وكانت مصر نفسها تعيش هذا التناقض الصارخ؛ أقلية تنعم بالبذخ والامتيازات، وغالبية ساحقة من الفلاحين تعيش في الفقر والأمية والمرض، بينما تحصد الأوبئة آلاف الأرواح كل عام. لقد أراد إسماعيل أن يمنح مصر وجهًا أوروبيًا أمام العالم، لكن الوجه الحقيقي للبلاد ظل مثقلًا بمعاناة ملايين المصريين.
ولم تكن فاتورة ذلك البذخ مالية فحسب، بل كانت سياسية أيضًا. فقد قفز الدين الخارجي من بضعة ملايين من الجنيهات الإسترلينية إلى أكثر من مئة مليون خلال سنوات قليلة، واضطر الخديوي إسماعيل عام 1875 إلى بيع أسهم مصر في شركة قناة السويس لبريطانيا، ثم فُرضت الرقابة المالية الفرنسية البريطانية على البلاد، وانتهى الأمر بعزله عام 1879، قبل أن يمهد كل ذلك الطريق للاحتلال البريطاني عام 1882.
وهكذا دفع المصريون الثمن مرتين؛ مرة حين حفروا القناة قسرًا بدمائهم، ومرة حين تحملوا نتائج الديون التي انتهت ببيع نصيب مصر فيها، ثم بخضوع البلاد للهيمنة الأجنبية.
لكن التاريخ لم يتوقف عند تلك النهاية المؤلمة. ففي السادس والعشرين من يوليو 1956، جاء القرار الذي أعاد الاعتبار إلى تضحيات المصريين، حين أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، لتصبح القناة لأول مرة ملكًا للدولة المصرية، وليتحول الممر الذي شُقَّ بدماء المصريين إلى ركيزة من ركائز السيادة الوطنية. ولم يكن غريبًا أن تواجه مصر بعد هذا القرار العدوان الثلاثي، فقد أدركت القوى الاستعمارية أن ما خسرته لم يكن مجرد شركة، بل أحد أهم أدوات نفوذها في الشرق الأوسط.
واليوم، وبعد مرور مئة وسبعة وستين عامًا على بدء الحفر، وسبعين عامًا على التأميم، يبقى من حق المصريين أن ينظروا إلى قناة السويس باعتبارها أكثر من مجرد ممر ملاحي عالمي. إنها سجل مفتوح لتضحيات أجيال متعاقبة؛ من الفلاح الذي مات تحت لهيب الشمس وهو يحمل المعول، إلى الجندي الذي دافع عنها في الحروب، إلى كل مصري آمن بأن السيادة لا تُشترى ولا تُمنح، وإنما تُنتزع انتزاعًا.
رحم الله شهداء الحفر المجهولين، ورحم شهداء الدفاع عن القناة، وتحية لكل من ساهم في أن تبقى قناة السويس مصرية. فالأوطان لا تصنعها الاحتفالات ولا الخطب الرنانة، وإنما تصنعها تضحيات الشعوب، وتبقى بوفائها لمن صنعوا تاريخها.