النهج التكتيكي ونقد الدوغمائية: قراءة مقارنة في البنية المنهجية من لينين إلى سمير أمين (التجربة الفيتنامية نموذجاً)


آدم قلايدوس
2026 / 7 / 23 - 13:55     

تظل المساهمة النظرية للينين في كراسه السجالي «ضد الجمود العقائدي والانعزالية في الحركة العمالية» تمثيلاً ابستمولوجياً لفك الارتباط بين المنهج الجدلي الحركي وبين الأرثوذكسية النصية الجافة. لقد واجه لينين في مرحلة ما قبل وبعد ثورة 1917 معضلة تحويل الماركسية من مرشد حيوي للممارسة السياسية (Praxis) إلى قالب ميت صاغته أدبيات الأممية الثانية ومناشفة روسيا.
ينطلق لينين من أطروحة جوهرية مفادها أن «التحليل الملموس للواقع الملموس» هو النواة الصلبة للمادية التاريخية. وفي هذا السياق، شكّل نقده لما أسمه بـ «المرض الطفلي لليسارية» إدانة بنيوية للنزعة الانعزالية التي تحتمي بنقاء العقيدة للهروب من استحقاقات الواقع السياسي المعقد. بالنسبة للينين، فإن الامتناع عن الانخراط في المؤسسات البرجوازية القائمة كـالبرلمانات والنقابات الإصلاحية لا يمثل راديكالية ثورية، بل يعبر عن عجز تكتيكي يقود حتماً إلى عزلة الحلقات السياسية الضيقة وصالوناتها الفكرية. إن المرونة التكتيكية عند لينين – بما في ذلك إمكانية عقد المساومات المرحلية المبررة تاريخياً – لا تعني تمييع الهوية الإستراتيجية، بل هي شرط موضوعي لولوج الفضاء الجماهيري وتثبيت التناقضات الأساسية للنظام الرأسمالي.
عند الانتقال بالتحليل إلى فضاء الاقتصاد السياسي العالمي المعاصر، يبرز مشروع المفكر الماركسي العربي سمير أمين كأحد أعمق التطورات البنيوية للمنهج اللينيني المناهض للجمود العقائدي. أدرك أمين أن القراءة الأرثوذكسية الجامدة للماركسية، والتي اختزلت التطور التاريخي في نمط خطي تتابعي تم استنسلاخه من صيرورة التطور الأوروبي الغربي، تشكل عائقاً ابستمولوجياً أمام فهم تشكيلات العالم الثالث الاجتماعية والاقتصادية.
يتجلى ربط الأطروحة اللينينية بمشروع سمير أمين في محورين مفصليين:
استلهم أمين أطروحة لينين حول «الحلقة الأضعف» وتطور الإمبريالية، ليصوغ نظريته التأسيسية حول «التراكم على الصعيد العالمي». أوضح أمين أن الرأسمالية نظام قطبي بطبيعته البنيوية، حيث ينقسم بشكل دائم إلى مركز مهيمن وهامش مُستغَل. بناءً على هذا التحليل الملموس، أثبت أمين أن التناقض الرئيسي المحرك للتاريخ المعاصر قد زُحزح من الصراع الكلاسيكي المباشر داخل المراكز الصناعية الغربية، ليتمركز في مجتمعات التخوم (العالم الثالث) في مواجهة الاحتكارات الإمبريالية. هذا التفكيك المعرفي لـ «المركزية الأوروبية» أنقذ الماركسية من جمودها الغربي وأعاد إنتاجها كأداة تحررية تناسب المجتمعات الطرفية.
في محاربة الانعزالية اليسارية، رفض سمير أمين التقوقع داخل مقولات نقاء البروليتاريا الصافية في مجتمعات ريفية أو تفتتية بطبيعتها. ودعا إلى تأسيس «الكتلة التاريخية البديلة» التي تدمج قوى واسعة (الفلاحين، العمال، الكادحين، والمثقفين النقديين) ضمن حركات التحرر الوطني. ويتكامل هذا مع مفهومه الشهير لـ «فك الارتباط»، والذي لا يعني العزلة الاكتفائية عن العالم، بل إخضاع العلاقات الخارجية للدولة النامية لمتطلبات تطورها الداخلي الذاتي، وهو ما يلتقي مباشرة مع أطروحات لينين المرنة في معالجة إشكالية الانتقال الاقتصادي.
تمثل التجربة السياسية والاقتصادية الفيتنامية المختبر التطبيقي الأكثر نصاعة لـهذه التوليفة النظرية التي تجمع ديناميكية لينين التكتيكية بـإسقاطات سمير أمين حول الخصوصية البنيوية لمجتمعات الجنوب.
قاد الزعيم الفيتنامي هو شي منه باكورة الكفاح المناهض للدوغمائية عبر رفض التوجيهات الصارمة للأممية الشيوعية (الكومنتيرن) التي ركزت حصراً على العمل النقابي الحضري. ومن خلال إدراك الخصوصية الفلاحية الفيتنامية، صاغ الحزب الشيوعي الفيتنامي إستراتيجية قائمة على بناء جبهة وطنية عريضة (الفييت مينه)، مقدمةً التحرر الوطني كرافعة تاريخية للتحول الاجتماعي، وهو ما يعكس التماسك التكتيكي والابتعاد الكامل عن الانعزالية العقائدية.
عقب أزمة التخطيط المركزي الصارم، دشنت هانوي عام 1986 إصلاحات الـ «دوي موي» لبناء «اقتصاد السوق ذو التوجه الاشتراكي». يمثل هذا النموذج الاقتصادي المعاصر التطبيق التاريخي الأكثر محاكاة لـ «السياسة الاقتصادية الجديدة» (NEP) التي صاغها لينين عام 1921.
قامت فيتنام بدمج آليات السوق الحرة والرساميل الأجنبية ضمن البنية التحتية للاقتصاد الوطني، مع الحفاظ الصارم على قيادة الحزب الطليعي وإمساك الدولة بـ «المرتفعات القيادية» للاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي. إن هذا التوظيف لآليات الرأسمالية العالمية بغية تطوير القوى المنتجة المحلية يمثل أرقى درجات المرونة اللينينية التي تحمي الهوية الكلية عبر تكتيكات متمحورة حول الذات، وفقاً لتنظيرات سمير أمين.
تنعكس مرونة المنهج اللينيني اليوم في محددات السياسة الخارجية الفيتنامية المتمثلة في «دبلوماسية الخيزران». تتميز هذه المقاربة الجيوسياسية بـصلابة الجذور المبدئية في حماية السيادة الوطنية، مع مرونة الأغصان التكتيكية في نسج شبكة من الشراكات الإستراتيجية المتوازنة والمزامنة مع أقطاب دولية متصارعة كـالولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا، متجنبة بذلك فخاخ الانعزالية السياسية أو التبعية للمحاور الدولية.
تأسيساً على ما تقدم، يظهر التحليل الأكاديمي المقارن أن سمير أمين قد نجح بنيوياً ومعرفياً في بلورة وتطوير فكرة لينين الجوهرية المتمثلة في مكافحة الجمود العقائدي والانعزالية السياسية.
لم يكن أمين مجرد ناقل أو شارح للنصوص اللينينية، بل استوعب جوهرها المنهجي وحرره من إسقاطاته الجغرافية والتاريخية الضيقة، مقدماً قراءة ديناميكية للاقتصاد السياسي العالمي أعادت الاعتبار لدور شعوب الجنوب وحركاتها التحررية في تفكيك بنية الرأسمالية المعولمة.
إن هذا التناغم النظرى والعملي – الذي تجسد حياً في قدرة الحزب الشيوعي الفيتنامي على صياغة توازن مشدود بين انفتاح السوق التكتيكي وحفظ نقائه التنظيمي عبر أدوات الرقابة الصارمة (كحملة الفرن المشتعل لمكافحة الفساد) – يُثبت أن الإخلاص للماركسية اللينينية لا يكمن في تحنيط المقولات، بل في امتلاك الشجاعة المعرفية والسياسية لتفكيك الأصفاد الدوغمائية وتطويع شروط الواقع المعقد لإنجاز صيرورة التغيير التاريخي.