الحرارة لم تعد ظرفاً مناخياً… بل قضية حقوق عمالية (2-2)
جهاد عقل
2026 / 7 / 22 - 12:51
- الحركة النقابية في مواجهة الخطر المناخي الجديد
لم تعد الحركة النقابية في القرن الحادي والعشرين تواجه التحديات التقليدية وحدها، كالأجور وساعات العمل والضمان الاجتماعي وحرية التنظيم النقابي، بل أصبحت مطالبة أيضاً بالتصدي لمخاطر جديدة لم تكن مطروحة على هذا النحو قبل عقود قليلة. وفي مقدمة هذه التحديات يأتي تغير المناخ، الذي لم يعد قضية بيئية مجردة، وإنما أصبح عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في شروط العمل وسلامة العمال وصحتهم.
لقد ارتبط تاريخ الحركة النقابية بالنضال من أجل تحسين ظروف العمل في مواجهة مخاطر الثورة الصناعية. فكانت معاركها الأولى تدور حول الحد من ساعات العمل، ومنع تشغيل الأطفال، وتحسين شروط السلامة في المصانع والمناجم، والوقاية من الحوادث والأمراض المهنية، وانتزاع الاعتراف بحق العمال في التنظيم والمفاوضة الجماعية. وقد نجحت هذه النضالات، عبر عقود طويلة، في تحويل كثير من المطالب النقابية إلى حقوق قانونية راسخة.
أما اليوم، فإن تغير المناخ يفرض على الحركة النقابية مرحلة جديدة من النضال. فارتفاع درجات الحرارة، وتكرار موجات الحر، وازدياد الظواهر المناخية المتطرفة، لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في حياة ملايين العمال، وتفرض إعادة النظر في مفهوم بيئة العمل الآمنة.
لذلك لم يعد دور النقابات يقتصر على المطالبة برفع الأجور أو تحسين شروط الاستخدام، بل أصبح يشمل الدفاع عن حق العمال في العمل ضمن ظروف مناخية لا تهدد حياتهم وصحتهم. وهنا يبرز تحول نوعي في الخطاب النقابي، إذ انتقلت قضية المناخ من هامش الاهتمام إلى صلب المفاوضة الجماعية والسياسات النقابية، وأصبحت جزءاً من مفهوم العدالة الاجتماعية والعمل اللائق.
كما يلاحظ في السنوات الأخيرة أن العديد من الاتحادات النقابية الأوروبية والعالمية لم تعد تتعامل مع الإجهاد الحراري بوصفه مشكلة موسمية، بل باعتباره خطراً مهنياً دائماً يستوجب إدراجه في اتفاقيات العمل الجماعية، وأنظمة السلامة والصحة المهنية، وخطط الطوارئ داخل أماكن العمل. كما أخذت هذه المنظمات تطالب بوضع معايير قانونية ملزمة تحدد مسؤوليات أصحاب العمل في الوقاية من آثار الحرارة، وتكفل للعمال الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أنفسهم عند تعرضهم لمخاطر جسيمة.
ولا يقتصر هذا التحول على أوروبا وحدها، بل ينسجم مع التوجه الأوسع للحركة النقابية الدولية، التي باتت تربط بين العدالة المناخية والعدالة الاجتماعية، وتؤكد أن الانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة لا يمكن أن يتحقق على حساب صحة العمال أو حقوقهم، وإنما يجب أن يقوم على مفهوم التحول العادل الذي يضمن حماية الإنسان العامل في جميع مراحل التغيير الاقتصادي والبيئي.
فمن هذا المنطلق، لم تعد قضايا المناخ ملفاً منفصلاً عن العمل النقابي، بل أصبحت جزءاً من أولوياته الاستراتيجية. فالحديث عن تغير المناخ داخل النقابات لم يعد يقتصر على خفض الانبعاثات أو التحول إلى الطاقة النظيفة، وإنما أصبح يشمل أيضاً حماية العامل الذي يقف تحت أشعة الشمس في موقع البناء، أو يعمل في الحقول الزراعية، أو يقود وسائل النقل، أو يؤدي مهامه داخل منشآت ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات تهدد سلامته.
وهكذا، تتوسع رسالة الحركة النقابية في القرن الحادي والعشرين لتشمل بعداً جديداً لم تعرفه الأجيال السابقة بهذا الوضوح: الدفاع عن الحق في العمل الآمن في ظل تغير المناخ. وإذا كانت النقابات قد نجحت في الماضي في تحويل السلامة المهنية إلى حق قانوني، فإن التحدي المطروح أمامها اليوم هو أن تجعل الحماية من المخاطر المناخية جزءاً لا يتجزأ من هذا الحق، وأن تضمن إدراجها في التشريعات الوطنية، والاتفاقيات الجماعية، والسياسات العامة.
إن هذا التحول لا يمثل تغييراً في أولويات العمل النقابي فحسب، بل يعكس تطوراً في مفهوم العدالة الاجتماعية ذاته، بحيث لم يعد يقاس فقط بمستوى الأجور أو الحماية الاجتماعية، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على صون صحة العامل وكرامته في مواجهة التحديات المناخية المتسارعة.
-العالم العربي أمام استحقاق جديد… هل نحن مستعدون لحماية العمال من الإجهاد الحراري؟
ختاماً نؤكد ،إذا كانت موجات الحر التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة قد دفعت الحكومات والنقابات ومؤسسات البحث إلى إعادة النظر في تشريعات العمل وسياسات السلامة والصحة المهنية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين يقف العالم العربي من هذا التحول؟
فالمنطقة العربية تُعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً لارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة، ويعمل فيها ملايين العمال يومياً في قطاعات البناء والزراعة والنقل والخدمات البلدية والموانئ والصناعات التحويلية وغيرها من المهن التي تتطلب التعرض المباشر أو غير المباشر للحرارة. وهذا الواقع يجعل الإجهاد الحراري تحدياً مهنياً متنامياً، لا يمكن التعامل معه بوصفه ظرفاً موسمياً عابراً أو مسؤولية فردية يتحملها العامل وحده.
من هنا، فإن التطورات التي تشهدها الساحة الدولية ينبغي أن تشكل حافزاً لإطلاق حوار عربي واسع حول مدى جاهزية تشريعات العمل وأنظمة السلامة والصحة المهنية لمواجهة المخاطر الناجمة عن تغير المناخ. ويشمل ذلك مراجعة القوانين والأنظمة، وتطوير معايير الوقاية، وتعزيز قدرات أجهزة التفتيش، وتحديث آليات جمع البيانات المتعلقة بالإصابات والأمراض المهنية المرتبطة بالإجهاد الحراري، بما يتيح بناء سياسات عامة تستند إلى الأدلة العلمية.
في هذا السياق، يبرز دور الحركة النقابية العربية بوصفها شريكاً أساسياً في هذا المسار. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على المطالبة بتحسين الأجور وشروط الاستخدام، بل يمتد إلى إدراج الحماية من الإجهاد الحراري ضمن أولويات المفاوضة الجماعية، والمطالبة بإجراءات وقائية واضحة، تشمل تنظيم فترات الراحة، وتأمين مياه الشرب والظل، وملاءمة ساعات العمل مع الظروف المناخية، وتوفير التدريب والمعدات المناسبة، وتعزيز حق العمال في الإبلاغ عن المخاطر والمشاركة في إجراءات الوقاية.
كما أن أصحاب العمل والمؤسسات الإنتاجية معنيون هم أيضاً بهذا التحول، ليس فقط من منطلق الالتزام القانوني أو المسؤولية الاجتماعية، بل لأن الاستثمار في الوقاية يحمي الإنسان ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية الإنتاج وجودته، ويحد من الإصابات والتغيب والخسائر الاقتصادية الناتجة عن الإجهاد الحراري.
إن التجارب الدولية تؤكد أن التعامل مع الحرارة بوصفها خطراً مهنياً لا ينتقص من الإنتاجية، بل يعزز استدامتها، لأن بيئة العمل الآمنة ليست عبئاً على الاقتصاد، وإنما شرط من شروط التنمية المستدامة والعمل اللائق.
لقد تطورت المخاطر المهنية عبر التاريخ، وتطورت معها حقوق العمال. واليوم يفرض تغير المناخ مرحلة جديدة من هذا التطور، تقتضي تحديث التشريعات، وتوسيع نطاق الحماية القانونية، وتعزيز دور الحوار الاجتماعي، حتى يصبح الحق في بيئة عمل آمنة في مواجهة المخاطر المناخية جزءاً أصيلاً من منظومة حقوق الإنسان في العمل.
إن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت درجات الحرارة ستواصل الارتفاع، فالمؤشرات العلمية تكاد تجمع على ذلك، وإنما كيف سنحمي الإنسان العامل من آثارها. وهنا تكمن مسؤولية الحكومات، وأصحاب العمل، والنقابات، ومؤسسات البحث، في بناء سياسات وتشريعات تستبق المخاطر بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
فالحرارة لم تعد مجرد ظاهرة مناخية، بل أصبحت اختباراً جديداً لقدرة مجتمعاتنا على صون كرامة العامل، وحماية صحته، وترسيخ مفهوم العمل اللائق في عصر يتغير فيه المناخ بوتيرة غير مسبوقة. (انتهى)