الحركة النقابية الكندية( الجزء الثاني )


الناصر بن رمضان
2026 / 7 / 16 - 20:47     

الحركة النقابية الكندية ( الجزء الثاني )
من بناء قوة عمالية منظمة إلى مواجهة تحولات الرأسمالية المعاصرة

الحركة النقابية الكندية أمام التحول النيوليبرالي وتحديات القرن الحادي والعشرين:
1) من مرحلة التوسع إلى مرحلة إعادة الهيكلة:
مع نهاية العصر الذهبي للنقابات ، وبعد الحرب العالمية الثانية دخلت الحركة النقابية الكندية مرحلة توسع تاريخية امتدت خصوصاً من نهاية الأربعينيات إلى بداية السبعينيات ، حيث تزامنت هذه المرحلة مع نمو صناعي واسع، وارتفاع عدد العمال في قطاعات التصنيع، وتوسع الخدمات العمومية، وبناء دولة الرعاية الاجتماعية. وفي هذا السياق أصبحت المفاوضة الجماعية آلية مركزية لتوزيع جزء من ثمار النمو الاقتصادي، وتمكنت النقابات من تحسين الأجور، وتقليص ساعات العمل، وترسيخ أنظمة التقاعد والتأمينات والحماية المهنية.
غير أن هذا المسار بدأ في التراجع منذ سبعينيات القرن العشرين. فقد دخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي مرحلة جديدة اتسمت بتباطؤ النمو، وارتفاع المنافسة الدولية، وإعادة تنظيم الإنتاج. ولم تكن كندا بمنأى عن هذه التحولات؛ إذ بدأت قطاعات صناعية كاملة تواجه ضغوطاً متزايدة، خصوصاً مع انتقال جزء من الإنتاج نحو مناطق ذات كلفة عمل أقل، ومع تصاعد اندماج الاقتصاد الكندي في السوق العالمية ، لم يكن أثر هذه التحولات اقتصادياً فقط، بل كان له أثر مباشر على البنية النقابية. فالنموذج الذي سمح للنقابات بالقوة كان مرتبطاً بوجود تجمعات عمالية كبيرة داخل مصانع ومؤسسات مستقرة، حيث كان من الممكن تنظيم آلاف العمال في موقع عمل واحد. أما الرأسمالية الجديدة فبدأت تقوم أكثر على تفكيك وحدات الإنتاج، والاستعانة بالمقاولين، وتوسيع العمل المؤقت، مما جعل عملية التنظيم النقابي أكثر صعوبة.
2 ) تراجع التصنيع وتغير قاعدة القوة النقابية:
تكشف الإحصاءات المتعلقة بالعضوية النقابية عن هذا التحول. فبعد أن بلغت نسبة الانخراط النقابي في كندا مستويات مرتفعة خلال عقود ما بعد الحرب، بدأت تعرف استقراراً ثم تراجعاً تدريجياً، خصوصاً في القطاع الخاص. واليوم يبلغ معدل الانتساب النقابي العام حوالي ثلاثة عمال من كل عشرة، علاوة على ذلك فإن هذا الرقم يخفي تفاوتاً كبيراً: ففي القطاع العام تبقى النقابات حاضرة بقوة، حيث تتجاوز نسبة التنظيم النقابي في العديد من المجالات 70%، بينما تنخفض في القطاع الخاص إلى ما يقارب 15%.
وهذا التفاوت ليس مجرد مسألة رقمية، بل يعكس تحولاً عميقاً في تركيبة الطبقة العاملة الكندية. فالنقابات التي تأسست تاريخياً في المصانع والمناجم والسكك الحديدية وجدت نفسها أمام اقتصاد أصبحت فيه قطاعات الخدمات والتكنولوجيا والتجارة والنقل والخدمات اللوجستية أكثر أهمية من الصناعة التقليدية.
إن تراجع الصناعة لا يعني اختفاء العمال، بل يعني تغير أماكن وجودهم وأشكال عملهم. فالعامل الكندي في القرن الحادي والعشرين قد يكون موظفاً في مستشفى، أو عاملاً في مستودعات التوزيع، أو موظفاً بعقد مؤقت، أو عاملاً في اقتصاد المنصات الرقمية. والمشكلة التي تواجه النقابات هي أن هذه الفئات الجديدة أقل ارتباطاً بالنموذج التنظيمي القديم القائم على المؤسسة الكبرى والعمل المستقر.

3 ) القطاع العام: آخر معاقل القوة النقابية
إذا كان القطاع الخاص قد عرف تراجعاً واضحاً في التنظيم النقابي، فإن القطاع العام أصبح أحد أهم مصادر قوة الحركة النقابية الكندية. فالتعليم، والصحة، والإدارة العمومية، والنقل، والخدمات الاجتماعية، تمثل اليوم قواعد أساسية وعمادا للعمل النقابي.
ويرتبط ذلك بطبيعة هذه القطاعات نفسها. فهي أقل تعرضاً لنقل الإنتاج إلى الخارج، وأكثر ارتباطاً بقرارات الدولة والميزانيات العمومية. ولذلك أصبحت الصراعات النقابية فيها لا تدور فقط حول الأجور، بل حول مستقبل الخدمات العامة نفسها.
وقد ظهرت هذه المسألة بوضوح خلال العقود الأخيرة، عندما حاولت حكومات فدرالية أو إقليمية فرض سياسات تقشفية أو الحد من نمو الأجور في القطاع العام. هنا تحولت النقابات من مجرد مدافع عن مصالح موظفيها إلى قوة تخوض معارك مرتبطة بالنموذج الاجتماعي الكندي.

4 ) كيبيك: تجربة نقابية ذات خصوصية سياسية واجتماعية:
لا يمكن فهم الحركة النقابية الكندية دون التوقف عند تجربة كيبيك. فهذه المقاطعة تمتلك تقاليد نقابية تختلف نسبياً عن بقية مقاطعات كندا ويعود ذلك لتاريخها السياسي والاجتماعي الخصوصي ، وتحديدا منذ مرحلة "الثورة الهادئة" في الستينيات، عندما توسع دور الدولة في بناء المؤسسات العمومية وبرزت حركة اجتماعية أكثر ارتباطاً بقضايا الهوية والعدالة الاجتماعية.
وتضم كيبيك ثلاثاً من أكبر الاتحادات النقابية الكندية: كنفدرالية النقابات الوطنية: Confédération des syndicats nationaux ، وفيدرالية عاملات وعمال كيبيك Fédération des travailleurs et travailleuses
du Québec,

و مركزية نقابات كيبيك: Centrale des syndicats du Québec.
وقد لعبت هذه التنظيمات دوراً يتجاوز المفاوضات المهنية التقليدية، إذ شاركت في النقاشات المتعلقة باللغة، والتعليم، والخدمات العامة، والعدالة الاجتماعية. كما شهدت كيبيك بعضاً من أكبر التعبئات النقابية في تاريخ كندا المعاصر، مما جعلها فضاءً مختلفاً نسبياً داخل التجربة النقابية الوطنية.

5) النقابات والدولة والأحزاب: بين التأثير والاستقلالية:
رغم قوة الحركة النقابية الكندية، فإن علاقتها بالدولة والأحزاب السياسية ظلت موضوع نقاش وخلاف متواصل . فالنقابات حاولت التأثير في التشريعات والسياسات العمومية، لكنها لم تصبح بديلاً عن الأحزاب أو الدولة. وفي بعض المراحل دعمت قوى سياسية أقرب إلى مطالبها الاجتماعية، خصوصاً الحزب الديمقراطي الجديد على المستوى الفدرالي، لكن هذه العلاقة لم تلغِ حد التناقضات.
فالنقابة، بحكم طبيعتها، تسعى إلى الدفاع عن مصالح العمال عبر التنظيم الجماعي والضغط والتفاوض، بينما تتحرك الأحزاب داخل منطق انتخابي ومؤسساتي أوسع ، لذلك ظلت العلاقة بين الطرفين علاقة تقاطع وتوتر في الوقت نفسه.
ومن هنا تأتي إحدى المعضلات التاريخية للحركة النقابية الكندية تتمثل في كيفية المحافظة على استقلاليتها كقوة عمالية، وفي نفس الوقت تؤثر في القرارات السياسية التي تحدد شروط حياة العمال.
6) التحدي الأكبر: كيفية تنظيم عالم العمل الجديد :
يتمثل التحدي الأساسي أمام الحركة النقابية الكندية اليوم في تجاوز النموذج الذي نجح في القرن العشرين لكنه لم يعد كافيا وحده للقرن الحادي والعشرين ، ذلك أن العمال الذين يحتاجون إلى التنظيم اليوم ليسوا فقط عمال المصانع الكبرى، بل أيضا عمال قطاع الخدمات، والشباب الذين يدخلون سوق عمل أكثر هشاشة، والمهاجرون الجدد وعمال الاقتصاد الرقمي. وإذا بقيت النقابات مرتبطة فقط بمواقع العمل التقليدية، فإنها تخاطر بفقدان قدرتها على تمثيل جزء متزايد من الطبقة العاملة. لكن تاريخ الحركة النقابية الكندية يبين أيضا قدرتها على التكيف.ذلك أنها انتقلت خلال قرن ونصف من نقابات حرفية صغيرة إلى قوة وطنية منظمة، واستطاعت أن تنتزع الاعتراف القانوني وأن تؤثر في بناء النظام الاجتماعي الكندي.
لذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الحركة النقابية الكندية ستتلاشى،بل ما إذا كانت قادرة على إعادة بناء نفسها في ظل شروط جديدة. إذ المعركة لم تعد فقط حول حماية مكتسبات الماضي، بل حول القدرة على تنظيم عمال المستقبل.
وأخيرًا وليس آخرا:
تكشف التجربة النقابية الكندية أن قوة النقابات لم تكن نتيجة امتياز قانوني أو تنازل من الدولة، بل نتاج تاريخ طويل من بناء التنظيم والصراع الاجتماعي. غير أن هذه القوة تواجه اليوم رأسمالية مختلفة عن تلك التي نشأت في مواجهتها، رأسمالية أكثر مرونة وبالتالي أكثر صعوبة وخبث وقدرة على تفتيت العمل. ومن هنا فإن مستقبل الحركة النقابية الكندية سيُحسم بقدرتها على تحويل إرثها التاريخي إلى أشكال تنظيم جديدة تتناسب مع عالم العمل المتغير باستمرار.