بين أرقام الأمم المتحدة وصوت العمال هل تكفي مؤشرات التنمية المستدامة لتحقيق العدالة الاجتماعية؟
جهاد عقل
2026 / 7 / 14 - 21:07
مع صدور تقرير أهداف التنمية المستدامة 2026 عن الأمم المتحدة، عاد النقاش مجدداً حول مدى اقتراب العالم من تحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030. فالتقرير يؤكد أن البشرية حققت تقدماً ملموساً منذ عام 2015، سواء في توسيع الوصول إلى المياه النظيفة، والكهرباء، والرعاية الصحية، والخدمات الرقمية، لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن هذا التقدم لا يزال بطيئاً وغير متوازن، وأن النزاعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، وتغير المناخ، وتراجع التمويل الدولي، تهدد بتقويض ما تحقق خلال العقد الماضي.
غير أن قراءة التقرير من منظور الحركة النقابية تكشف جانباً آخر لا يظهر بوضوح في المؤشرات الإحصائية وحدها.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأمم المتحدة عن تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، تؤكد وثيقة موقف الاتحاد الدولي للنقابات العمالية (ITUC) المقدمة إلى المنتدى السياسي رفيع المستوى (HLPF 2026) أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة تنفيذ فحسب، وإنما أزمة ديمقراطية وعدالة اجتماعية، وأن تحقيق التنمية المستدامة لن يكون ممكناً إذا بقي العمال خارج عملية صنع القرار.
- وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين الوثيقتين.
لا يختلف التقرير الأممي والاتحاد الدولي للنقابات حول أهمية أهداف التنمية المستدامة، فكلاهما يعتبرها الإطار العالمي لتحقيق السلام والازدهار والاستدامة. لكن بينما يركز التقرير الأممي على قياس التقدم من خلال المؤشرات والبيانات، يطرح الاتحاد الدولي للنقابات العمالية سؤالاً أكثر عمقاً:
- من يستفيد فعلاً من هذا التقدم؟
فإذا ارتفع إنتاج الطاقة النظيفة، لكن العمال فقدوا وظائفهم دون حماية، فهل يعد ذلك نجاحاً؟
وإذا توسعت المدن الذكية بينما ارتفعت أسعار السكن واتسعت الفجوة الاجتماعية، فهل تحقق الهدف الحادي عشر؟
وإذا توسعت الرقمنة والذكاء الاصطناعي على حساب الأمن الوظيفي والحقوق النقابية، فهل يمكن الحديث عن تنمية مستدامة؟
تقرير الأمم المتحدة يشير إلى الحاجة إلى مزيد من الاستثمار، وتسريع التحول في مجال الطاقة، وتعزيز الشراكات الدولية، لكنه لا يمنح قضية العمل اللائق المكانة المركزية التي تمنحها لها الحركة النقابية العالمية.
أما وثيقة الاتحاد الدولي للنقابات العمالية، فتنطلق من فكرة مختلفة تماماً، مفادها أن العمل اللائق ليس هدفاً قطاعياً ضمن أهداف التنمية، بل هو المحرك الذي يحدد نجاح بقية الأهداف جميعها. فالحق في العمل، والأجر العادل، والحماية الاجتماعية، وحرية التنظيم النقابي، والمفاوضة الجماعية، والحوار الاجتماعي، ليست مطالب فئوية، وإنما شروط مسبقة لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة.
وتزداد أهمية هذا الطرح إذا أخذنا بعين الاعتبار الواقع العالمي الحالي. فخلال السنوات الأخيرة شهد العالم تراجعاً في الديمقراطية، واتساعاً في الفوارق الاجتماعية، وتصاعداً للهجمات على الحقوق النقابية، إلى جانب انتشار أنماط العمل الهش، وتوسع اقتصاد المنصات، وتسارع استخدام الذكاء الاصطناعي والإدارة الخوارزمية في أماكن العمل.
ومن هنا، تحذر الحركة النقابية من أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لتعزيز قدرات الإنسان، لا أداة لاستبدال العمال أو إضعاف حقوقهم. كما تؤكد أن السياسات الصناعية والرقمية ينبغي أن ترتبط بخلق وظائف لائقة، وتأهيل العمال، وضمان الانتقال العادل، لا بمجرد رفع الإنتاجية أو خفض التكاليف.
وتبرز الفجوة بصورة أوضح في الأهداف التي يناقشها المنتدى السياسي رفيع المستوى هذا العام، وهي المياه والطاقة والصناعة والمدن والشراكات. فالأمم المتحدة تعرض مؤشرات التقدم، بينما تضيف الحركة النقابية بعداً اجتماعياً أساسياً:
- لا أمن مائياً من دون عمال خدمات عامة يتمتعون بحقوقهم.
ولا تحول طاقي ناجح من دون انتقال عادل يحمي العاملين في القطاعات المتأثرة.
ولا سياسة صناعية مستدامة إذا قامت على العمالة المؤقتة أو المنصات الرقمية غير المنظمة.
ولا مدن مستدامة في ظل أزمة السكن، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وضعف الخدمات العامة.
ولا شراكات عالمية حقيقية إذا استمرت فجوة التمويل، واستُبعدت النقابات من صنع السياسات.
ومن زاوية أخرى، تضع وثيقة الاتحاد الدولي للنقابات الديمقراطية في قلب التنمية المستدامة. فهي ترى أن الاعتداء على حرية التنظيم النقابي، وإضعاف المفاوضة الجماعية، وتقييد الحريات المدنية، ليست قضايا منفصلة عن أهداف التنمية، بل عوامل تؤدي مباشرة إلى إبطاء تنفيذها. فمكان العمل الديمقراطي هو المدرسة الأولى للمواطنة والمشاركة، والعمال الذين يمتلكون صوتاً داخل مؤسساتهم يكونون أكثر قدرة على الدفاع عن العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
إن الرسالة التي يحملها تقرير الأمم المتحدة واضحة: العالم لا يزال يمتلك فرصة لإنقاذ أجندة 2030 إذا تحرك بسرعة.
أما الرسالة التي تضيفها الحركة النقابية فهي أكثر وضوحاً: لن تتحقق أهداف التنمية المستدامة إذا بقي العمال مجرد موضوع للتنمية، بدلاً من أن يكونوا شركاء في صنعها.خاصة وأن الهدف الثامن الذي يتعلق بموضوع العمل اللائق وتوفير فرص عمل يشمل الأولويات التالية وهدف تحقيقها:
تحقيق العمالة الكاملة والمنتجة وتوفير العمل اللائق.تقليص فجوة الأجور بين الجنسين وبطالة الشباب.إنهاء جميع أشكال عمل الأطفال وإضفاء الطابع الرسمي على الاقتصاد غير الرسمي. تشجيع المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم.حماية حقوق العمل وتعزيز بيئات عمل توفر السلامة والأمن.
العمال المهاجرون. لكن قسم كبير من هذه الأهداف لم يتحقق ، مع وجود حوالي 200 مليون عاطل عن العمل ،وتنامي ظاهرة العمل غير المنظم.
لذلك فإن الاستثمار في البنية التحتية وحده لا يكفي، كما أن التوسع في التكنولوجيا لا يضمن العدالة، والنمو الاقتصادي لا يصبح تنمية إلا إذا انعكس على حياة العامل، وأجره، وحقوقه، وأمنه الوظيفي، وقدرته على المشاركة الديمقراطية.
ومع بقاء أقل من خمس سنوات على الموعد المحدد لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، تبدو الرسالة المشتركة للتقرير الأممي والحركة النقابية واضحة: المستقبل لن تحدده المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل سيحدده أيضاً مقدار ما ينجح العالم في بناء اقتصاد يخدم الإنسان، ويصون كرامة العمل، ويجعل الديمقراطية الاجتماعية جزءاً أصيلاً من التنمية المستدامة، لا مجرد شعار يرافقها.