الرجل الذى هزم نوبل !؟


حسن مدبولى
2026 / 7 / 14 - 16:32     

ليست قيمة الإنسان فيما يعلقه على صدره من أوسمة، وإنما فيما يرفض أن يعلقه عليها حين يكون ثمنه ضميره وإخلاصه ،
ففي عام 1973، أعلنت لجنة نوبل منح جائزة السلام مناصفة بين وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، والمفاوض الفيتنامي لي دوك ثو، تقديرًا لاتفاق باريس الذي قيل إنه أنهى حربًا استمرت سنوات طويلة أحرقت الأخضر واليابس في فيتنام، ودوك ثو ( 14 أكتوبر 1911 - 13 أكتوبر 1990) لمن لا يعرفه هو سياسي ومحارب فيتنامي قاد البعثة الفيتنامية بين 1968 و 1973 لمفاوضة الأمريكيين في محادثات باريس للسلام، وتوصل معهم إلى وقف إطلاق النار وإلى سحب القوات الأمريكية، وقد فاز بجائزة نوبل للسلام عام 1973 مناصفة مع هنري كيسنجر، وكان المشهد جاهزًا للاحتفال؛ كاميرات، وخطب، وتصفيق، وأضواء، وصورة جديدة تُضاف إلى ألبوم المنتصرين في التاريخ. وكان بوسع لي دوك ثو أن يسافر إلى أوسلو، وأن يتسلم أرفع جائزة دولية، وأن يعود إلى بلاده محمولًا على أمواج المجد العالمي.
لكنه فعل شيئًا أربك العالم كله.
حيث رفض الجائزة رفضا مطلقا،
لم يرفضها احتقارًا لنوبل، ولا زهدًا في الشهرة، وإنما احترامًا للحقيقة. فقد كان يرى أن السلام الذي احتفت به العواصم الغربية لم يكن موجودا على أرض الواقع، وأن الاتفاق الذي استحق الجائزة باسمه ما زال يُنتهك، وأن الطائرات ما تزال تقصف هانوى ، والمدافع ما تزال تحصد أرواح الفيتناميين البسطاء ، والدم الفيتنامي لم يجف بعد.
كما أدرك الرجل، ببصيرة السياسي المنتمى لشعبه، ونقاء المناضل الأصيل القابض على الجمر ،أن السلام ليس بيانًا يُوقَّع، ولا احتفالًا يُقام، ولا ميدالية تُعلَّق على الصدور، بل هو واقع يعيشه الناس على أرضهم. ولذلك رفض أن يتزين بجائزة، بينما وطنه ما يزال يجهز فى الأكفان لأطفاله ونسائه وشبابه .

وقد أصبح لي دوك ثو الرجل الوحيد في التاريخ الذي رفض جائزة نوبل بإرادته الحرة، وكأن التاريخ أراد أن يسجل مفارقة بليغة: أن أعظم تكريم لنوبل جاء ممن رفضها، وأن أرفع قيمة للجائزة منحها إياها رجل آثر أن يبقى إلى جوار شعبه بدلًا من أن يقف تحت أضواء الاحتفال، كما أعطى درسا بليغا لكل من يتفاوضون مه العدو الأميركى حيث أشار الى انهم مجرمون قتلة ، يعتمدون على خيانة القادة واستسلامهم للمغريات والوعود ،

وإذا كانت الأمم تُقاس بما تنجبه من رجال، فإن أمتنا العربية عرفت هي الأخرى نماذج من هذا الطراز النادر؛ رجالًا لم يبدلوا مبادئهم بمكاسب، ولم يساوموا على أوطانهم مقابل مجد شخصي. كان عمر المختار يستطيع أن يساوم لينجو بحياته، لكنه آثر أن يترك للأجيال مثالًا خالدًا في الكرامة. وكان الأمير عبد القادر الجزائري يرى أن شرف المقاومة أعظم من كل امتياز يمنحه المحتل، بينما اختار عز الدين القسام وهنية ونصر الله وغيرهم أن يكتبوا اسمائهم بدمائهم الذكية فى وقتنا الراهن ،

لكن المؤسف أن التاريخ العربي عرف أيضًا الوجه الآخر، عرف وجوهًا لم تنتظر حتى يتحقق السلام لتحتفل به، ولم تنتظر حتى تتحرر الأوطان لتتزين بالأوسمة، ولم تر بأسًا في أن تفيض عليها الأضواء بينما كان الأبرياء يحترقون ، أو أن تتصدر شخصياتهم المنصات فيما كانت الشعوب تدفع ثمن الهزائم والقهر والفقر وسحق الآمال ،خذ مثال أحمد زويل الذى تلقى أو جائزة له من الكنيست الصهيونى، أو أبو الغيط الذى أمسك يد تسيبى ليفنى وازدهى بها ، أو محمود عباس الذى وصف المقاومين بانهم أولاد كلب ، أو السادات الذى تقاسم الجائزة مع بيجين ، أو عمر الشريف أو حتى نجيب محفوظ، أو اول رائد فضاء عربي سعودى أو زعماء سياسيين لاحصر لهم باعوا شعوبهم وقايضوا مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية، بمصالح وقضايا شعوبهم ،،

إن لي دوك ثو لم يترك وراءه مجرد واقعة بروتوكولية نادرة، بل ترك مبدأً أخلاقيًا خالدًا يتلخص فى أن قيمة الجائزة ليست فيما تمنحه للفائز رجلا كان أو سيدة، وإنما فيما يمنحه الفائز للجائزة، وفيما يستقر فى ضميره من رضا عن النفس ورفضه لمقايضة مصالحه مقابل التخلى عما إئتمنه عليه بنو وطنه ،،