من -الزمهرير- إلى -القيظ-


حميد كوره جي
2026 / 7 / 13 - 02:47     

كيف يعيد التغير المناخي صياغة لغة الشمال؟

لطالما كانت اللغةُ مرآةً للجغرافيا، والبيئةُ هي التربة التي نبتت فيها استعاراتنا. لطالما صاغ الغربيون، في شمالهم البارد، مفرداتهم وبلاغتهم بناءً على علاقة صراع مع الشتاء والجليد أو احتفاء بهما. كان "الزمهرير" هو الاستعارة القصوى للموت والعدم، وكان "الدفء" هو الحلم الذي يطارد قصائد شتائهم الطويل. ولكن، مع تسارع وتيرة التغير المناخي وذوبان الثوابت الجغرافية، نحن اليوم بصدد "زلزال لغوي" لا يقل خطورة عن التغيرات البيئية نفسها.

انقلاب الاستعارات: حين يصبح الجحيم حاراً

في العهود السابقة، كان الأدب الشمالي يرى في الشمس والحرارة "خلاصاً". ولنتأمل سونيتا شكسبير الثامنة عشرة، التي ترجمها الراحل العلامة محمد عناني برهافةٍ وضعت الإصبع على عمق الإشكالية، حين قارن المحبوب بنسيم ليلة الصيف:
"أأُشبِّهكَ بنسيمِ ليلةِ صيف؟
بل أنتَ أبهى وألطفُ منهُ وألين،
ففي الصيفِ تعصفُ رياحٌ عاتيةٌ تُسقِطُ براعمَ مايو الزاهية،
وليلةُ الصيفِ قصيرةُ الأمدِ لا تلبثُ أن تزول."

لقد كان "صيف شكسبير" في المخيال الإنجليزي ذروة الجمال والاعتدال. أما اليوم، فالواقع المعاش يفرض "انقلاباً دلالياً"؛ فذلك الصيف الشكسبيري، الذي كان يُحسد عليه الشمال، بدأ يتحول إلى قوة غاشمة. إن اللغة التي بُنيت على "استقرار الفصول" تجد نفسها الآن عاجزة أمام الظواهر المتطرفة؛ حيث بات "القيظ" يهدد الشمال، وحيث لم يعد الصيف مجرد فصلٍ للبهجة.


وهذه ترجمة أخرى أراها أفضل من ناحية اللغة الشعرية نظراً إلى أن من قامت بترجمتها

هي الشاعرة ( فطينة النائب ) و نشرت في كتاب "فن الترجمة" للدكتور ( صفاء

خلوصي ) عام 1986 م إلا أن الشاعرة أضافت الكثير و غيرت نوعاً ما في

معاني القصيدة الأصلية لتقدمها بهذا الأسلوب الشعري الجميل :


من ذا يقارن حسنك المغرى بصيف قد تجلى
وفنون سحرك قد بدت في ناظري أسمى وأغلى
تجنى الرياح العاتيات على البراعم وهى جذلى
والصيف يمضى مسرعا اذ عقده المحدود ولى


كم أشرقت عين السماء بحرها تلتهب
ولكم خبا في وجهها الذهبي نور يغرب
لابد للحسن البهي عن الجميل سيذهب
فالدهر تغير واطوار الطبيعة قلب


لكن صيفك سرمدي ما اعتراه ذبول
لن يفقد الحسن الذى ملكت فيه بخيل
والموت لن يزهو بظلك فى حماه يجول
ستعاصرين الدهر فى شعرى وفيه أقول:

ما دامت الأنفاس تصعد والعيون تحدق
سيظل شعرى خالداً وعليك عمراً يغدق.


من "برد القلوب" إلى "عطش الشمال"

في الثقافة العربية، التي صاغت وعيها في بيئة قاسية، كان "البرد" دائماً مرادفاً للرحمة. حين نقول "الله يبرد قلبك، مثل ما بردت قلبي!"، بينما في الغرب الشمالي يقولون " الله يدفئ قلبك". نحن نستحضر البرد كفعلِ إنقاذٍ للروح من لظى القلق أو الحزن. وحين نطلق صرخة "أوفّيش.. ع الهوا البارد!"، أو "الهوا عذيبي!" فنحن نعيش طقوس التلذذ بنعمةٍ كانت هي الأثمن.

هذه التعابير التي كانت تبدو "شرقية بامتياز" بدأت تتسرب اليوم إلى وجدان الغربي الشمالي، ليس كاستعارة أدبية، بل كحاجة فيزيائية ملحة. إن الشخص الذي كان يخشى "الزمهرير" (برودة الشمال القاتلة) أصبح اليوم يلهث بحثاً عن نسمة باردة، وصار "البرد" في لغته هو العملة النادرة التي يتمنى استعارة تعبيراتها من أهل المناطق الحارة.

نحو "بلاغة الطوارئ"

إننا نشهد ما يمكن تسميته بـ "تصحّر البلاغة الشمالية". فالمصطلحات التي كانت تشكل جوهر الوجدان الشمالي، مثل "الجليد الأزلي" أو "ثبات الأنهار"، بدأت تفقد قوتها الإقناعية مع زوال هذه الظواهر فعلياً. هذا الفقد المادي يترجم إلى "فراغ لغوي"؛ فالمبدع الغربي اليوم يقف أمام "مشهد طبيعي يتفكك"، ولا يجد في قاموسه التقليدي ما يصف به الغابة التي تحترق أو النهر الذي يجف، مما يجعله ينظر بعين الانبهار -ربما- إلى لغتنا التي ألِفت الحرارة وتكيفت مع قسوتها.
إن اللغة القادمة لن تكون لغة توصيفية للجمال الطبيعي فحسب، بل ستكون "لغة طوارئ" تعترف بالطبيعة كـ "كائن مضطرب". قد نجد أدباء الشمال يستعيرون من الحكمة العربية القديمة استعارات "الصمود" في وجه الحر، لا كنوع من الفلكلور، بل كأدوات بقاء.
في نهاية المطاف، إن تغير المناخ ليس مجرد أزمة بيئية، بل هو "إعادة ضبط" لوعينا بالعالم. وبينما تعيد الأرض رسم خرائطها، فإن اللغة تتبعها، ببطء وألم، لتكتب قصة كوكبٍ لم يعد يعرف الاستقرار، كوكبٍ صار فيه "الزمهرير" ذكرى بعيدة، وصار "القيظ" هو العنوان الجديد لحكاية العصر، وبات الجميع، شمالاً وجنوباً، يتوقون للحظةٍ صادقة يهمسون فيها: "الله يبرد قلوبنا".

مالمو
2026-07-12