الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
ليث الجادر
2026 / 7 / 12 - 02:54
الرقسمالية وإعادة تنظيم المجتمعات
من السيطرة على المجال إلى إدارة البنية الاجتماعية
إذا كانت الإمبريالية الصناعية قد أعادت تشكيل العالم عبر السيطرة على الأراضي والأسواق والموارد، فإن الرقسمالية لا تكتفي بإعادة تنظيم النظام الدولي فحسب، بل تمتد آثارها إلى داخل المجتمعات نفسها. فكما أن التحالفات والحروب والسيادة خضعت لتحولات عميقة نتيجة الانتقال من الإمبريالية الصناعية إلى الإمبريالية الشبكية، فإن المجتمع ذاته لم يبق خارج هذا التحول.
ولذلك لا يكتمل فهم الرقسمالية بدراسة العلاقات بين الدول فقط، لأن القوة لا تُمارَس في الفراغ. فكل نظام إمبريالي لا يعيد إنتاج نفسه عبر الجغرافيا العالمية وحدها، بل عبر إعادة تشكيل المجتمعات التي يعيش داخلها البشر، وإعادة تنظيم أنماط حياتهم وعلاقاتهم وأولوياتهم وقدرتهم على الفعل الجماعي.
ومن هنا لا يقتصر السؤال على: كيف تغيرت الإمبريالية؟ بل أيضاً: كيف يتغير المجتمع عندما تصبح الإمبريالية قائمة على الشبكات والتدفقات بدل السيطرة المباشرة على المجال؟
المجتمع في عصر الإمبريالية الصناعية
في الطور الصناعي للإمبريالية كانت العلاقة بين السلطة والمجتمع تدور أساسًا حول مؤسسات واضحة نسبياً. كانت الدولة القومية المركز الرئيسي للتنظيم السياسي، والمصنع مركز الإنتاج، والمدينة الصناعية المجال الذي تتجمع فيه القوى الاجتماعية والاقتصادية. لذلك نشأت أشكال تنظيم اجتماعي كبرى في تلك البيئة: النقابات، الأحزاب الجماهيرية، الحركات العمالية، الاتحادات المهنية، والتنظيمات السياسية واسعة النطاق.
حتى الصراعات الاجتماعية كانت تتخذ أشكالاً واضحة نسبياً؛ فالمجتمع كان يملك مراكز ثقل معروفة، وكانت الجماعات قادرة على إدراك مواقعها داخل البنية الاقتصادية والسياسية بدرجات متفاوتة. ولهذا، فإن المجتمع الصناعي، رغم أشكال الهيمنة، كان يحتفظ بدرجة من التماسك البنيوي.
من المجتمع المنظم إلى المجتمع الشبكي
أحد أهم تحولات الرقسمالية هو انتقال المجتمع من بنية قائمة على مؤسسات مستقرة نسبياً إلى بنية تقوم على تدفقات مستمرة. ففي المجتمع الصناعي كانت الحياة الاجتماعية تدور حول مواقع ثابتة: مكان العمل، مكان السكن، الانتماء المهني، الهوية الطبقية، والمؤسسة السياسية. أما في المجتمع الشبكي فهذه المراكز تبدأ بالتفكك تدريجياً: العمل يصبح أكثر مرونة وأقل استقراراً، العلاقات تنتقل إلى المنصات، التواصل ينتقل إلى الفضاء الرقمي، والانتماءات تصبح أكثر سيولة وأقل رسوخاً. يجد الفرد نفسه داخل عدد هائل من الشبكات المتقاطعة التي تتغير باستمرار.
الرقسمالية لا تلغي المجتمع، لكنها تعيد تنظيمه جذرياً؛ فبدل مجتمع تدور حياته حول مؤسسات واضحة يظهر مجتمع تتحكم به تدفقات مستمرة للمعلومات والسلع والصور والبيانات والأزمات.
إدارة المجتمع بدل إخضاعه
في الإمبريالية الكلاسيكية كانت السيطرة تعتمد إلى حد كبير على الإخضاع المباشر. أما الرقسمالية فتعمل غالباً بطريقة مختلفة: لا تحتاج دائماً إلى فرض السيطرة بالقسر المباشر لأنها تستطيع إدارة البيئة التي يتحرك داخلها المجتمع. هنا يتحول أحد أبعاد السلطة: الهدف لا يصبح فرض طاعة مطلقة بقدر ما يصبح إدارة السلوك العام ضمن حدود معينة. تسعى الرقسمالية إلى إدارة المجتمعات أكثر مما تسعى إلى إخضاعها بالمعنى التقليدي؛ فالمهم أن تستمر التدفقات، الاستهلاك، الأسواق، الشبكات، وتكيف المجتمعات مع الأوضاع القائمة. من هنا تصبح إدارة الاستقرار أحياناً أهم من تحقيق إجماع شامل.
الأزمات بوصفها بيئة دائمة
في المراحل السابقة كانت الأزمات تُفهم غالباً كحالات استثنائية. أما في الرقسمالية فالأزمة تتحول إلى جزء من البيئة الطبيعية التي تعمل داخلها المجتمعات: الحروب الممتدة، التقلبات الاقتصادية، الضغوط المالية، التضخم، الاختناقات اللوجستية، والاضطرابات السياسية لم تعد أحداثاً منفصلة بالضرورة، بل عناصر شبه دائمة في المشهد العالمي. تتكيف المجتمعات تدريجياً مع حالة من عدم اليقين المستمر، ويصبح التخطيط طويل الأمد أكثر صعوبة، فيما تتحول إدارة الأزمات اليومية إلى جزء من الحياة. المجتمع لا يعيش انهياراً كاملاً، بل حالة استنزاف مستمر، وهذه إحدى النتائج الاجتماعية الأساسية للرقسمالية.
إنهاك القدرة على التنظيم
الرقسمالية لا تعيد تشكيل الاقتصاد فقط، بل تُعيد تشكيل شروط التنظيم الاجتماعي ذاته. فالتنظيم الجماعي يحتاج إلى الاستقرار، الوقت، الثقة، المجال العام، والقدرة على بناء أهداف طويلة المدى. لكن البيئة الشبكية المضطربة تُضعف هذه الشروط: عندما يصبح الأفراد منشغلين بإدارة ضغوطهم اليومية تتراجع قدرتهم على الانخراط في مشاريع جماعية واسعة؛ وعندما تتسارع التحولات يصبح من الصعب بناء مؤسسات مستقرة؛ وعندما يتشتت المجال العام يصبح إنتاج الإرادة الجماعية أكثر تعقيداً. الرقسمالية لا تمنع التنظيم بالضرورة، لكنها تجعل شروطه أكثر صعوبة.
صعود المجتمع المتشظي
أحد نتائج هذا التحول تراجع الأطر الاجتماعية الجامعة وصعود أشكال أكثر تجزؤاً من الانتماء. في المجتمع الصناعي كانت الهويات الكبرى قادرة على التعبئة: الطبقة، الأمة، الحزب، النقابة، أو الحركة السياسية. أما في المجتمع الشبكي فتزداد أهمية الانتماءات الجزئية والمؤقتة والمتغيرة. ليس لأن الناس فقدوا حاجة الانتماء، بل لأن البيئة الاجتماعية أصبحت أكثر تفككاً وتشظياً، مما يعقّد بناء مشاريع جماعية طويلة الأمد ويجعل المجال الاجتماعي أكثر عرضة للتقلبات السريعة والاستقطابات المؤقتة.
الاعتماد الشبكي وإعادة إنتاج التبعية
إذا كانت الإمبريالية الصناعية تخلق التبعية عبر السيطرة على الموارد والأسواق، فإن الرقسمالية تفعل ذلك عبر السيطرة على الشبكات التي تعتمد عليها المجتمعات في يومياتها: منصات الاتصال، البنية الرقمية، الخدمات السحابية، الأنظمة المالية، وشبكات المعلومات. تصبح السيطرة على العقد الرئيسية في هذه الشبكات جزءاً من السيطرة على المجتمع نفسه. لذا لا تبقى التبعية علاقة بين دولة قوية ودولة ضعيفة فحسب، بل تتحول إلى علاقة مدمجة داخل بنية الحياة اليومية.
من إدارة الاقتصاد إلى إدارة الحياة
في الإمبريالية الصناعية كان الهدف الرئيسي تنظيم الإنتاج. أما الرقسمالية فتوسع مجال التدخل ليشمل مجالات كانت تُعد خارج التراكم المباشر: التواصل، الانتباه، التفاعل، المعرفة، والبيانات تتحول إلى عناصر ذات قيمة استراتيجية. لذلك لا تدير الرقسمالية الاقتصاد فقط، بل تدير الظروف الاجتماعية التي تجعل الاقتصاد ممكناً.
المجتمع بوصفه مجالاً للهيمنة الشبكية
في الإمبريالية التقليدية كانت مظاهر السيطرة واضحة: احتلال، حاكم استعماري، قاعدة عسكرية أو هيمنة سياسية مباشرة. أما في الرقسمالية فتكون الهيمنة أكثر انتشاراً وأقل ظهوراً. تعمل عبر البنى التي يتحرك داخلها المجتمع، عبر الشبكات التي يعتمد عليها، عبر التدفقات التي تنظم حياته اليومية، وعبر الأزمات التي تعيد ترتيب أولوياته باستمرار. لذا لا تُحكَم المجتمعات فقط من خلال المؤسسات السياسية، بل أيضاً من خلال البيئة الشبكية التي تحدد شروط الفعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
الرقسمالية والمجتمع المُدار
بذلك تنتج الرقسمالية ما يمكن تسميته بالمجتمع المُدار: ليس مجتمعاً خاضعاً بالكامل، ولا مجتمعاً محرومًا من كل أشكال المقاومة، بل مجتمعاً تُدار حركته داخل شبكة معقدة من التدفقات والأزمات والاعتمادات المتبادلة. لا يُطلب من المجتمع بالضرورة أن يؤمن بالنظام العالمي، بل أن يتكيف معه؛ ولا يُطلب منه أن يتوقف عن الاعتراض، بل أن يبقى داخل حدود يمكن استيعابها وإدارتها.
الخلاصة المفاهيمية
الرقسمالية لا تعيد تنظيم النظام الدولي فحسب، بل تعيد تنظيم المجتمعات التي يقوم عليها ذلك النظام. إذا حكمت الإمبريالية الصناعية العالم عبر السيطرة على المجال، فإن الرقسمالية تحكمه بصورة متزايدة عبر إدارة البنى التي تنتج المجال الاجتماعي نفسه. التحول المعاصر لا يقتصر على إعادة توزيع القوة بين الدول، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع كوحدة تاريخية؛ فالمجتمع لم يعد متلقياً فقط لنتائج التحولات العالمية، بل صار أحد ميادينها الرئيسية.