حين تتفتح الورود من دماء الشهداء


جعفر حيدر
2026 / 7 / 10 - 18:49     

بقلم:  جعفر حيدر
الورود ليست مجرد نباتات ذات عطرٍ ولونٍ مميز، بل قد تكون أحيانًا إنسانًا أفدى بروحه من أجل الوطن والأرض والمقدسات. وها هنا نستذكر الشهداء والمضحين من أجل الحرية والاشتراكية، ونستذكر الشهيد بتعريفٍ شخصي قد يكون مبالغًا في وصفه؛ فهو عطاءٌ إنساني وروحاني مقدس من أجل عدة قيم، منها الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية والدفاع عن الأرض والعِرض والدين والشرف والكرامة
ولعل أجمل ما يميز الشهداء أنهم لا ينتمون إلى وطنٍ واحد، ولا إلى لغةٍ واحدة، ولا إلى دينٍ واحد، بل ينتمون إلى الضمير الإنساني كله. فمنذ أن عرف الإنسان الظلم، وُجد من يقف في وجهه، ومنذ أن وُجد الاستبداد، وُجد من يدفع ثمن مقاومته بدمه وحياته. لذلك فإن ذاكرة الشهداء لا تحدها الحدود، ولا تختصرها الجغرافيا، فهي تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتحمل أسماءً قد يعرفها التاريخ، وأسماءً أخرى رحلت بصمت ولم يكتبها أحد
ونستذكر شهداء الثورات الإصلاحية، أولئك الذين خرجوا مطالبين بوطنٍ يتسع للجميع، وبحكومةٍ عادلة، وبحياةٍ كريمة لا يُهان فيها الإنسان. كانوا يحلمون بمدرسةٍ أفضل، ومستشفى يداوي المرضى، وفرصة عمل تحفظ الكرامة، وقانونٍ يحمي الضعيف قبل القوي. لم يحمل كثيرٌ منهم سوى أصواتهم وأحلامهم، لكن الرصاص كان أسرع من أحلامهم، فصاروا جزءًا من ذاكرة الشعوب، ورمزًا لكل من يؤمن بأن الإصلاح يبدأ بكلمةٍ صادقة وموقفٍ شجاع
ونستذكر أيضًا كل من أنهكه المرض حتى غلبه، ولا سيما أولئك الذين فقدوا حياتهم بعد معاناةٍ طويلة مع السرطان وغيره من الأمراض القاسية، ولا سيما عندما حالت الحروب أو الفقر أو ضعف الرعاية الصحية دون حصولهم على العلاج. إن آلامهم تذكرنا بواجب الرحمة، وبأن إنقاذ الإنسان ورعايته مسؤولية أخلاقية وإنسانية مشتركة.
ونقف بإجلال أمام الفقراء الذين أرهقهم الجوع والعطش، أولئك الذين رحلوا لأن رغيف الخبز كان بعيدًا، أو لأن قطرة ماءٍ نظيفة لم تصل إليهم. أطفالٌ ناموا على بطونٍ خاوية فلم يستيقظوا، وآباءٌ وأمهاتٌ قاوموا الحاجة حتى غلبهم التعب. هؤلاء أيضًا يتركون في ضمير العالم سؤالًا مؤلمًا عن العدالة والكرامة، ويذكروننا بأن مواجهة الفقر والجوع مسؤولية إنسانية لا تخص بلدًا دون آخر.
وحين نتحدث عن الشهداء، فإننا لا نحصي الأسماء بقدر ما نستحضر القيم التي عاشوا من أجلها أو التي تكشف معاناتهم عنها. إنهم يتركون لنا وصيةً صامتة: أن نحافظ على الإنسان، وأن نصون كرامته، وأن نجعل الحرية والعدالة والرحمة والسلام أهدافًا لا شعارات. فالدم الذي يُراق ظلمًا، والروح التي تُزهق بسبب القهر أو الحرب أو الحرمان، تظل تذكرنا بأن الإنسانية لا تكتمل إلا عندما يصبح الإنسان أغلى من كل المصالح.
سلامٌ على كل روحٍ رحلت وهي تحمل حلمًا بوطنٍ أفضل، وسلامٌ على كل أمٍ فقدت ولدها، وعلى كل أبٍ انكسر قلبه، وعلى كل طفلٍ حُرم من حضن والديه بسبب الحروب أو الظلم أو الفقر. وسلامٌ على شهداء العالم أجمع، المعروفين منهم والمجهولين، الذين تركوا لنا درسًا خالدًا مفاده أن الكرامة الإنسانية تستحق أن تُصان، وأن الحياة الكريمة حقٌ لكل إنسان، أينما كان.