التغير المناخي، الصراع والتنمية في السودان: السرديات النيومالتوسية العالمية وصراعات السلطة المحلية بقلم: هاري فيرهوفن


ومضة كمال
2026 / 7 / 9 - 16:42     

ترجمة: بندر نوري، قاسم محمود، ومضة كمال
الملخص
تذهب السرديات السوداوية حول التغير المناخي إلى أنه سيؤدي إلى مزيد من الصراعات، مسببًا فشل الدول وحركات نزوح سكاني واسعة النطاق. غير أن هذه السرديات تعاني من إشكاليات نظرية وتجريبية على حد سواء؛ إذ أن فرضية الصراع–البيئة تدمج بين أجندة عالمية لتأمين القضايا البيئية وبين توظيفات محلية لمخاوف الشمال العالمي إزاء حالة الإيكولوجيا الكوكبية. وقد اختبر السودان مدى الضرر الذي يمكن أن تُحدثه هذه الصيغة من التفكير الرغبوي، وسياسات القوة، والتنمية الفوقية. ففي سبعينيات القرن العشرين، استُخدمت المخاوف العالمية بشأن ندرة الموارد محليًا لفرض سراب السودان بوصفه سلة غذاء عربية–أفريقية؛ وباسم التنمية، أسهمت عمليات الإخلاء القسري العنيفة للمجتمعات المحلية في اندلاع الحرب الأهلية الثانية في السودان والمجاعات المصاحبة لها. واليوم، جرى وسم دارفور بأنها «أول صراع ناجم عن التغير المناخي في العالم»، وهو توصيف يحجب الديناميات السياسية–الاقتصادية طويلة الأمد والفاعلية السودانية التي تقوم عليها الأزمة. وفي الوقت نفسه، تُستغل أزمة الغذاء العالمية لإطلاق برنامج سدود ونهضة زراعية يُروَّج لها باعتبارها حلولًا أفريقية لندرة الموارد. إلا أن المستفيدين الحقيقيين هم النخب الإسلامية المعولمة في السودان والمستثمرون الأجانب، في حين تتقوض سبل عيش المجتمعات المحلية.
توجد روابط مهمة بين التطورات المناخية والأمن، غير أن السرديات المالتوسية العالمية حول فشل الدولة والصراع شديدة القابلية للتلاعب من قبل النخب الوطنية؛ كما أن نتائجها العملية تؤدي إلى تقليص الأمن الإنساني بدلًا من تعزيزه. وفي عصر التغير المناخي، لا يكون انهيار المؤسسات وما يصاحبه من عنف في كثير من الأحيان فشلًا مؤسفًا للنظام القديم بسبب صدمة بيئية، بل استراتيجية تتبعها النخب في سياقات أوسع من تراكم السلطة والثروة والتنازع حولهما.
المقدمة
بعد عقود من الجدل، يبدو أن الرأي العام العالمي قد قبل أخيرًا بأن التغير المناخي حقيقة وأنه ناجم في معظمه عن النشاط البشري. فقد وضعت تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والحقيقة المزعجة لفيلم ال غور، والجهود المستمرة التي تبذلها منظمات المجتمع المدني، هذه القضية بقوة على جدول الأعمال
الدولي. ولا تزال الاتفاقات بشأن تخفيضات ملزمة لانبعاثات الغازات الدفيئة صعبة التحقيق، غير أن مشكلة العمل الجماعي هذه لا تعني وجود خلاف حول طبيعة التهديد. فالتغير المناخي يهدد رفاه الدول، وتشعر الحكومات بأنها مضطرة إلى صياغة سياسات للتخفيف من آثاره والتكيف مع ظاهرة الاحترار العالمي.
وبينما يتأمل المجتمع الدولي حجم هذا التهديد، يتزايد تساؤله حول العواقب الأمنية المحتملة. إن طرح السؤال حول الروابط الممكنة بين التغير المناخي والصراع العنيف يعني، في الغالب، الإجابة عليه بالإيجاب: فمع تغير دورة المياه بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع غلال المحاصيل، تصبح استحقاقات الفئات الفقيرة أكثر هشاشة، مما يؤدي إلى حركات نزوح جماعي وصراعات عنيفة على الموارد المتبقية. هكذا يسير المنطق الحدسي المعقول ظاهريًا. وعلى الرغم من ضآلة الأدلة التجريبية التي تدعم سردية الصراع البيئي، فقد تكاثرت التصريحات التي تفترض هذه الفرضية بوصفها حقيقة قائمة. وعلى حد تعبير الرئيس الفرنسي ساركوزي: «إن التغير المناخي يدفع بالفعل نحو الصراع وعدم الاستقرار والحرب.
تحلل هذه المقالة الأدبيات المتعلقة بالبيئة والتنمية والصراع لتحدي الفهم النيومالتوسي للعلاقة بين التغير المناخي والعنف المجتمعي؛ وتُبيّن أوجه القصور في الآلية التبسيطية التي تربط بينهما عبر نقاش لا سياسي في جوهره حول الندرة والعلاقة المعقدة بين الإنسان والطبيعة، مع غياب شبه تام للتأمل في الإيكولوجيا السياسية للحرب وديناميات السلطة العالمية–المحلية. كما تضع الفرضية ضمن الاتجاه الأوسع لما بعد عام 1989، الذي يسعى إلى تحديد خطوط صدع جديدة لتفسير العنف. وتقدم هذه المقالة تصورًا بديلًا متعدد المستويات للعلاقة بين البيئة والتنمية والصراع، يراعي الاستراتيجيات النخبوية المادية والخطابية معًا، ويضع السلطة في صميم تحليله.
ينتقل التركيز بعد ذلك إلى التوظيفات المحلية للخطابات العالمية حول ندرة الموارد والتغير المناخي، وما يترتب عليها غالبًا من عواقب مدمرة للسكان الأكثر هشاشة. فقد أثرت جغرافية السودان طويلًا في فهم الخارج لقضايا (التخلّف) التنموي والمجاعة والحرب؛ إذ سمحت التصورات الدولية عن محاصيل وفيرة على ضفاف النيل وانهيار مالتوسي في أقاليمه الجافة للنخب النهرية في السودان بتجنيد التمويل والخطابات الخارجية في مساعيها لتركيز الثروة والسلطة في الخرطوم. تحلل هذه المقالة الفجوة بين التصورات العالمية للسودان بوصفه سلة غذاء إقليمية، والصراع في دارفور، و«المهمة الهيدرو–زراعية» الطموحة التي تتبناها الخرطوم، وبين الوقائع المحلية العنيفة لـ"التنمية".
وتقترح المقالة إعادة تصوّر للرابط بين التغير المناخي والأمن، لا إنكاره. إذ ينبغي فهم الصدمات البيئية الحادة وطويلة الأمد معًا من خلال منظور قاعدي للأمن الإنساني، لا من خلال «الدفاع» المتمركز حول الدولة. فالتغير المناخي يهدد على نحو حاد سبل عيش المجتمعات في سياق هشاشة مزمنة يعيشها مليارات المواطنين في الجنوب العالمي. وبدلًا من التركيز على انهيار مجتمعي مالتوسي، يتطلب ذلك مواجهة نموذج فاشل للتنمية الفوقية ولا مساواة فادحة في السلطة، على المستويين المحلي والعالمي.
"الصراع البيئي": حروب المناخ والمياه؟
إن فكرة أن البيئة، بوصفها متغيرًا مستقلًا، مسؤولة عن الاضطراب المجتمعي هي فكرة راسخة ومستمرّة. وقد دشّن مقال توماس مالتوس الصادر عام 1798، عن مبدأ السكان، تقليدًا فكريًا قاتمًا يربط بين النمو السكاني وندرة الموارد والحرب. جادل مالتوس بأن إنتاج وسائل العيش ينمو حسابيًا، في حين ينمو السكان البشر بمعدل هندسي، وهو ما يؤدي إلى كوارث؛ إذ مع تجاوز عدد السكان لمستوى الإنتاج، يتناقص الغذاء المتاح على نحو متزايد، مما يقود إلى بؤس متفاقم. ورغم أن «الضبط الأخلاقي» للفقراء قد يغيّر معدلات الإنجاب، فإن الحرب والمرض والمجاعة وحدها هي التي يمكن التعويل عليها فعليًا «لكبح» النمو السكاني على كوكب ذي موارد محدودة. وقد اعتبر مالتوس هذا الوضع مأساة لا مفر منها؛ إذ إن الابتكار التكنولوجي لا يمكنه، في أحسن الأحوال، سوى تأجيل التعديلات العنيفة في حجم السكان.
لقد طعن كثيرون في أطروحات مالتوس، مهاجمين تحيّزه ضد الفقراء (انظر Boserup, 1965؛ (Tiffen, 1995 ومع ذلك، ظلّت الروح المالتوسية (موارد محدودة + نمو سكاني مرتفع = فوضى عنيفة) حاضرة. فقد واصل بعضهم اعتبار السكان المشكلة المركزية؛ فعلى سبيل المثال، جادل إيرليش بأن أي اقتصاد في العالم الثالث لن يحاكي الازدهار الغربي ما لم تتم السيطرة على فرط السكان عبر تنظيم النسل (Ehrlich, 1971) ، في حين حلّلت نماذج حاسوبية «مجتمعات مسدودة الأفق» في الجنوب العالمي، حيث تتكرر أزمات نقص الغذاء والاضطرابات الداخلية بشكل دائم (Higgins et al., 1982) ؛ (Westing, 1981). . وذهب آخرون — ممن يُطلق عليهم النيومالتوسيون — إلى ما هو أبعد من السكان، وطوّروا أفكارًا أوسع حول ندرة الموارد وعدم الاستقرار المجتمعي. إذ يحدّد دايموند (Diamond, 2006) التغيرات الإيكولوجية بوصفها محرّكات رئيسية في تاريخ الحضارة الإنسانية: فالمجتمعات تنهار بسبب الضغوط البيئية. أما الهجوم الأشد وطأة على التفاؤل الليبرالي السائد في أدبيات التنمية فجاء من نادي روما؛ حيث درس تقرير حدود النمو التفاعل بين خمسة متغيرات بيئية وبشرية حاسمة، وتنبأ بانهيار اقتصادي وإيكولوجي (Meadows et
(al., 1972 ويجادل النقاد بأن مستويات السكان الحالية تفوق ما كانت عليه في عصر مالتوس بسبعة أضعاف، وأن الرخاء العالمي بلغ في الوقت نفسه ذروة تاريخية. ويردّ النيومالتوسيون بأننا نواجه أزمة إيكولوجية غير مسبوقة ومتفاقمة، وأن الصراعات العنيفة الناجمة عن الندرة، ولا سيما في البلدان النامية، تنتشر بمعدلات مقلقة (انظر Brown, 2008؛ Myers, 1993).
ومن بين أكثر تجليات «شبح مالتوس» تأثيرًا، أطروحات كابلان حول «الدول الفاشلة» ونظريات هومر-ديكسون بشأن الصراعات البيئية (انظر (Hartmann, 1998 فقد رسم كابلان (Kaplan, 1994) صورة لدول غارقة في فرط السكان والتدهور البيئي، ومأزومة بحروب أهلية يخوضها شبّان متعاطو مخدرات. وتتشابك الجريمة والتحضّر والندرة لتخلق مساحات من الفوضى الهوبزية في البلدان النامية، بما يهدد نمط عيش الغرب. وعلى خلاف الانطباعية التي تميّز طرح كابلان، أضفى هومر-ديكسون شرعية أكاديمية على مفهوم «الحروب الخضراء». وعلى الرغم من تحفظاته المعلنة، فإن حجته حول كيفية توليد الندرة البيئية للصراع هي، بحكم الواقع، نيومالتوسية: حيث يقول «إن ندرة الموارد الحيوية - ولا سيما الأراضي الزراعية والمياه العذبة والغابات - تسهم في العنف في كثير من أنحاء العالم. وعادة لا تتسبب هذه الندرات البيئية في حروب بين الدول، لكنها قد تولد ضغوطًا اجتماعية حادة داخل الدول، مما يساعد على تحفيز التمردات دون الوطنية، والاشتباكات الإثنية، والاضطرابات الحضرية» (Homer-Dixon, 1999: 12). وتتمثل العوامل الرئيسية وراء هذه الندرات في مشكلات العرض، والطلب المتصاعد (المدفوع بزيادة السكان والاستهلاك)، والتوزيع غير المتكافئ للموارد. وبينما تتفاعل هذه العوامل لإنتاج الصراع عبر «الاستحواذ على الموارد» و«التهميش الإيكولوجي» (وعلى الرغم من أن هومر-ديكسون قد خفّف إلى حد ما من نزوعه الجوهري في السنوات الأخيرة)، يظل السكان بوضوح القوة الدافعة في تحليله.
يشكّل التشاؤم النيومالتوسي جزءًا أساسيًا من التصورات المعاصرة للصراع، وهو عنصر لا يتجزأ من البحث، في مرحلة ما بعد 1989، عن إعادة تعريف النظام الدولي وأجندته الأمنية = (Dalby, 2007). فقد تبدد «النظام العالمي الجديد» في فوضى الصومال ورواندا والبوسنة، غير أن المجتمع الدولي رفض التخلي عن سردية الانتصار الحاسم للديمقراطية الليبرالية والرأسمالية («نهاية التاريخ»). ويحاول النموذج المهيمن، على نحو متوتر، الجمع بين تفاؤل مستلهم من فوكوياما - ينكر أن تصاعد الحروب الأهلية والنزوح والمشكلات البيئية يمثل إخفاقات بنيوية - وبين مخاوف عميقة إزاء «الدول الفاشلة» و«المنهارة» وصلاتها بالإرهاب والهجرة القسرية (Verhoeven, 2009). ويقوم المنطق هنا على أن البلدان الفردية تواجه أزمات انتقالية نابعة من أسباب داخلية، غير أن المجتمع الدولي، ولا سيما في عصر «الحرب العالمية على
الإرهاب» (GWOT)، لا ينبغي له الوقوف مكتوف الأيدي، نظرًا إلى «مصلحته الحميدة» في إعادة هيكلة النظام السياسي المحلي. وتُدمج المشكلات الإيكولوجية على نحو متزايد في التفكير المتعلق بفشل الدولة، مع التركيز على كيفية إسهام ندرة الموارد - المدفوعة، مثلًا، بالتغير المناخي - في الحروب بين الدول والحروب الأهلية، بما يكرّس هشاشة الدولة. ووفقًا لأبرز الأصوات في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي: “إن التغير المناخي عامل مضاعِف للتهديد، يهدد بإرهاق الدول والمناطق الهشّة والمعرّضة أصلًا للصراع” .(Council of the European -union-, 2008).
إن الحجة القائلة بوجود روابط مزعومة بين ندرة الموارد والصراع تستند، ضمنيًا أو صراحةً، إلى «مأساة المشاع» لهاردين: ففي سياق النفاذ المفتوح، سوف يُدمَّر مورد مشترك ومحدود من قبل جماعة من الأفراد العقلانيين، حتى وإن لم يكن في مصلحة أحد أن يحدث ذلك (Hardin, 1968). فعندما يتصرف الأفراد بصورة مستقلة بدافع المصلحة الذاتية، من دون أن يواجهوا مسؤولية فردية (مثل ثمن) عن سلوكهم، يؤدي ذلك إلى استنزاف الموارد، مما يطلق سباقًا قاتلًا على المياه أو الأرض المتبقية - أي انهيارًا مالتوسيًا. إن الحدس الذي يرى الندرة متغيرًا مستقلًا مسببًا للصراع يبدو بسيطًا لكنه مقنع ظاهريًا: فـ«الكعكة» الآخذة في الانكماش تضع الناس أمام عواقب وجودية محتملة ناجمة عن تراجع الوصول إلى مورد ما، مما يدفعهم إلى استخدام القوة للحفاظ على استحقاقاتهم. وتدفع معضلة أمنية الدول أو المجتمعات إلى السيطرة على أكبر قدر ممكن من الموارد، الأمر الذي يفاقم المشكلة ويمنح الآخرين سببًا لفعل الشيء نفسه، وهو ما يضفي بدوره شرعية على السلوك الأناني للدولة أو المجتمع الأول، لكنه قد يؤدي إلى الحرب (Hensel et al., 2006)
ويتمثل التنبؤ في أن العنف سوف يندلع، في عصر التغير المناخي، سواء بين الدول أو داخلها، وبوتيرة متزايدة، ولا سيما في المناطق الفقيرة بالموارد.
وتُبرز المياه العذبة على نحو خاص باعتبارها ذات إمكانات صراعية عالية ، وغالبًا ما يُستشهد بتهديدات السادات وإشكول باستخدام العنف لضمان وصول مصر وإسرائيل إلى المياه. وقد أصبحت شبح «حروب المياه» سائدًا في السنوات الأخيرة؛ إذ يتنبأ نائب رئيس البنك الدولي سيراجلدين بأن “حروب القرن القادم ستكون حول المياه” (نقلًا عن (Crossette, 1995) وتُذكر التوترات الجيوسياسية في أحواض الأردن والسند والفرات بوصفها بؤر اشتعال دولية محتملة، في حين يُتوقع أن تؤدي موجات الجفاف الناجمة عن التغير المناخي إلى صراعات مائية داخلية في الساحل الأفريقي، والقرن الأفريقي، وشبه القارة الهندية (Gleick, 1993). وعلى الرغم من أن دارفور تُقدَّم بوصفها المثال الأبرز (المفترض) لصراع ناجم عن
التغير المناخي، فقد جرى مؤخرًا الربط بين أزمة المياه في اليمن وفشل الدولة؛ إذ يُزعم أنها تشارك في المسؤولية عن أزمة التنمية التي تقوم عليها خطورة الإرهاب اليمني (Hales, 2010).
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن تهديد «حروب المياه» اكتسب قبولًا واسعًا لدى الرأي العام، فإن عددًا متزايدًا من الباحثين رفضه بوصفه حتميًا، ومفرطًا في التبسيط، وغير دقيق تجريبيًا؛ إذ أخذ مفهوم «سلام المياه» يكتسب قبولًا في الأوساط الأكاديمية (Stucki, 2005). وتشير دراسات كمية واسعة النطاق (Large-N) إلى أن الدول تعاملت ببراغماتية مع قضايا المياه، وأن العنف كان استثناءً مطلقًا (Amery and Wolf, 2000 ) في هذه المرحلة، لا نملك الكثير من الأدلة الصلبة التي تسمح بالقول إن تقاسم نهر يشكّل مصدرًا رئيسيًا للصراع المسلح، أو أن ندرة المياه هي القضية الوحيدة أو حتى الرئيسية في أي من تلك الصراعات التي قد تحدث (Gleditsch et al., 2007: 62). فالنظام الدولي ليس غابة تعج بالصراعات، لأن العنف لا يبدو وسيلة فعّالة بشكل خاص لحل مشكلات الندرة، أو لمساءلة الدول عن التلوث، أو لتغيير أنماط الطلب. إن كلفة الحرب باهظة، والعوائد غير مؤكدة، والسيطرة الكاملة على مورد ما - ولا سيما المياه - أمر صعب (Deudney, 1990)، ولهذا السبب تنظّم آلاف المعاهدات مثل هذه القضايا. إن الصراع البيئي الدولي هو، إلى حد كبير، مسألة فاعلية بشرية، أي فشل (وأحيانًا متعمد) للسياسة في تقاسم الموارد سلميًا؛ ولا يبدو أن هناك سببًا مقنعًا يدعو إلى تصوّر الندرة أو المناخ بوصفهما متغيرين خارجيين مسببين للعنف .(Buhaug, 2010).
هل يمكن أن يتجلى «الصراع البيئي» أساسًا داخل الدول، بدلًا من أن يكون بين الدول؟
على أسس نظرية، لا يبدو أن هناك سببًا وجيهًا للافتراض بأن بنية الحوافز في الصراع على الموارد الشحيحة -من حيث الكلفة العالية، والعوائد غير المؤكدة، وصعوبة السيطرة - تختلف كثيرًا عن تلك القائمة في الساحة الدولية. وإذا كانت حروب الموارد الدولية، في جوهرها، سياسية لا صراعات بقاء، فإن الصراعات الداخلية ينبغي أن تكون كذلك أيضًا. ويُعدّ النموذج النمطي لحروب الموارد هو الصراع «الدائم» بين الرعاة والمزارعين في الأقاليم الجافة في أفريقيا. غير أنه، وعلى الرغم من المخاوف من أن يؤدي التصحر في إقليم الساحل إلى انهيارات مالتوسية، فإن التقدم المتزايد للصحراء - وهو بحد ذاته عملية موضع نزاع (Thomas and Middleton, 1994) - لا يبدو شرطًا كافيًا ولا ضروريًا لاندلاع العنف. فقد أظهرت الدراسات أن تمردات البدو تعود أسبابها إلى سوء الحكم، والتهميش الاقتصادي والسياسي، وسياسات «فرّق تسد» التي تنتهجها النخب من خلال التلاعب بقوانين ملكية الأرض وأسواقها، فضلًا عن الاختلالات الاقتصادية العالميةBassett, 1988) ؛ .(Benjaminsen, 2008).
يشير النيومالتوسيون إلى أن «البيئة»، بصيغة ما - أهي الندرة؟ أم التدهور؟ أم، على نحو غير متوقع، الوفرة؟ De Soysa, (2000)-) تشكّل جزءًا مهمًا من الصراع العنيف؛ غير أن هذا ليس أمرًا مفاجئًا، إذ إن سبل عيش مليارات البشر مرتبطة مباشرة بالظروف الإيكولوجية التي يعيشون فيها. ولا يوجد سبب قوي لتحويل «البيئة» إلى متغير مستقل ومنفصل عن الاهتمام المعتاد الذي يوليه علماء الاجتماع لعمليات تراكم السلطة والثروة وتوزيعهما .(Peluso and Watts, 2001) وعلاوة على ذلك، بات مفهوم الندرة «الداخلية» مفهومًا عديم المعنى على نحو متزايد؛ إذ لا يمكننا فهم الأسباب والنتائج على نحو كامل إلا من خلال ربط الاقتصاد السياسي المحلي والوطني والعالمي، وصراعات السلطة، والهيمنات الخطابية .(O’Lear, 2003)
تقدّم هذه المقالة تصورًا مختلفًا جذريًا للروابط بين البيئة والتنمية والصراع. وانطلاقًا من أدبيات نظرية وتجريبية غنية، تقترح أن تُفهم الندرة البيئية بوصفها متغيرًا داخليًا. وتنطلق الفرضية الإبستمولوجية من أن الطبيعة «مصنوعة اجتماعيًا»، ولا يمكن فهمها بمعزل عن العلاقات الاجتماعية: فـ«الندرة» و«الاستدامة» و«الوفرة» ليست مفاهيم موضوعية مشتقة من علم وضعي، ولا هي بالضرورة محض اختراعات؛ بل إن المقصود هو فهم كيفية التشارك في إنتاج المعرفة (العلم) والقيم الاجتماعية (السياسة) .(Forsyth, 2003) ولا تنشأ «الأزمات» البيوفيزيائية عبر ملاحظات محايدة يجريها خبراء يعرضون بعدها خيارات «مثلى» للتدخل؛ إذ إن القضايا تصبح بارزة لأسباب اجتماعية–سياسية، وغالبًا ما تعكس السرديات البيئية التي تُنسج حول المشكلات الإيكولوجية افتراضات أيديولوجية واستراتيجيات للسيطرة السياسية أكثر مما تعكس انخراطًا جديًا مع الوقائع المحلية .(Fairhead and Leach, 1998) (Robbins, 2008)
إن البيئة سياسية بامتياز: فالمشكلات الإيكولوجية حقيقية، لكن التغيرات البيئية تؤثر في الناس بطرق مختلفة تبعًا لمستويات هشاشتهم؛ وهي نتاج ديناميات مادية أعمق وعمليات خطابية، وتنتج، بوصفها كذلك، خاسرين، ولكن أيضًا رابحين. وتعمل سرديات «الندرة» و«الكارثة» و«الدليل العلمي» على حجب صراعات السلطة ومشاريع الإقصاء.
وفي سياق التغير المناخي، ينبغي التشديد على أن هذه المقالة لا تشكك في الكم الهائل من الأدلة التي راكمتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، لكنها تلفت الانتباه إلى الكيفية التي يجري بها إبراز بعض الآثار البشرية للاحترار العالمي، في حين يُتجاهل غيرها إلى حد كبير. فالمجتمع الدولي، بقيادة الغرب، بات اليوم يركّز على الصراع البيئي، لكنه غير مستعد للتعامل البنيوي مع مسؤوليته الضخمة في دفع
عملية التغير المناخي. وفي الوقت نفسه، تُفترض الندرة البيئية، دون نقد، بوصفها المتغير المستقل المسبّب للصراع في عموم الجنوب العالمي، تمامًا كما تُفسَّر الكوارث، مثل المجاعات، بوصفها أحداثًا بيوفيزيائية مباشرة تودي - للأسف - بحياة البشر .(Blaikie et al., 2004: 5) ويُفضي هذا المنظور، في جوهره، إلى تبرئة الفاعلين السياسيين من مسؤوليتهم عن خلق الشروط التي تجعل الناس عرضة للأزمات والحفاظ عليها. كما يتجاهل حقيقة أن الجفاف قد يدفع المجتمعات إلى حافة الانهيار، لكنه ليس سببًا حقيقيًا، سواء في المجاعة أو في «حرب الموارد»؛ بل لا يتعدى كونه محفّزًا للمرحلة الأخيرة من عملية معقدة وطويلة من التهميش العنيف، التي تعود بالنفع على نخب محلية ووطنية و/أو عالمية .(Rangasami, 1985) وإذا كان ثمة ما يمكن تسميته حربًا بيئية، فإنها لا تنجم عن «فعل إلهي»، بل عن مواجهة سياسية–اقتصادية.
يبين القسم التالي أن السرديات النيومالتوسية حول أزمات الموارد، والتغير المناخي، والصراع البيئي ليست إشكالية على المستوى النظري فحسب، بل تؤدي أيضًا إلى نزع القوة عن الفئات نفسها التي تُحمَّل مسؤولية «مآسي المشاع». ومن خلال الاستناد إلى ثلاث حالات سودانية تختلف من حيث الجغرافيا، والإطار الزمني، والموضوع المركزي، تُظهر هذه المقالة كيف تُستملك الخطابات العالمية من قبل حائزي السلطة على المستويين الوطني والمحلي، ويُعاد تأطيرها بعنف بما يخدم مصالحهم الخاصة، وغالبًا بدعم نشط من مجتمع دولي قصير النظر.
أسطورة السودان بوصفه سلة غذاء أفريقيا
لطالما كان السودان موضوع إسقاطات خارجية من الخيالات والمخاوف المتعلقة ببيئته، فضلًا عن الرؤى الشاملة التي صاغتها نُخَبه الخاصة. وتتمثل الصورة المزدوجة في أرض قاحلة تقف باستمرار على شفا الانهيار، تعصف بأطرافها صراعات قبلية–إيكولوجية ومجاعات؛ وفي المقابل، بلد تحدده مياه النيلين الأبيض والأزرق، يجلبان الحياة ويمنحانه إمكانات زراعية لا مثيل لها، وربما حتى «واجبًا» بإطعام جيرانه.
في مصر والسودان، حيث أدرك الناس على مدى آلاف السنين أن حضاراتهم هي نتاج نظم نهرية هشّة، تبدو إمكانية التحكم بقوى الطبيعة فكرة مغرية. لقد أغفلت التصورات المبسطة عن “الحضارات الهيدروليكية (Wittfogel, 1957) التي رأت العصر الذهبي لمصر نتاجًا للربط الحديدي بين احتكار السلطة السياسية والإدارة المركزية للمياه - الطابع اللامركزي القوي للري، والاستراتيجيات المبتكرة التي طوّرتها مجتمعات محلية لا تُحصى “(Hassan, 1997: 69)، غير أن الافتتان بالسيطرة الفوقية على النيل لم يختفِ
قط. فقد سعى علماء نابليون - من مهندسين ورياضيين وخبراء زراعة - إلى إحياء دولة فرنسية–مصرية مركزية أسطورية لإدارة ترابط المياه والزراعة. وحاول محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، الشيء نفسه عندما احتكر الموارد الاقتصادية لتحويل البلاد إلى قوة إقليمية عظمى؛ إذ اعتُبرت الزراعة على مدار العام أمرًا أساسيًا لإحياء عظمة مصر، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا عبر إدارة مركزية للمياه وقبضة حديدية على النيل .(Mitchell, 1989) وكان هذا دافعًا رئيسيًا لغزوه السودان عام 1821 (El Zain, 2006: 120–22)، الذي مدّ سيادته على آلاف الأميال من مياه النيل. وفي أواخر القرن التاسع عشر، أثارت ثورة المهدي رعب البريطانيين بسبب مقتل غوردون على أيدي المسلمين، وأفزعت مصر لأنها عرّضت سيطرتها على النيل للخطر.
وبعد هزيمة المهدية وتأمين حوض النيل ضد التغلغل الفرنسي، أعطت الإدارة الثنائية الأنجلو–مصرية أولوية لدمج موارد السودان في النظام الإمبراطوري. وقد أجبرت المنافسة المتصاعدة بريطانيا على تحسين القدرة التنافسية لمصانع النسيج لديها. واستُخدمت الإمدادات المائية الهائلة في السودان لري مئات الآلاف من الأفدنة¹ في الجزيرة لزراعة القطن (Barnett, 1977). واستُحضرت أفكار هيرودوت - القائلة إن الحضارة نتاج استخدام النيل في التنمية - لإضفاء الشرعية على هذا المشروع، حيث عمل آلاف المستأجرين في مخطط مركزي الإدارة، محققين دخولًا محدودة لأنفسهم، وإيرادات معقولة لسلطات الحكم الثنائي، وقبل كل شيء مدخلات رخيصة لمصانع لانكشاير. وقد ضُبطت الرسوم الجمركية السودانية بحيث لا تتطور أي صناعة تحويلية، مما حبس البلاد في نمط استخراج السلع الأولية؛ إذ رفض مسؤولو الحكم الثنائي التنمية الصناعية باعتبارها ضارة اجتماعيًا في "مجتمع زراعي كالسودان “ (Sanderson, 1985). وأسهمت السكك الحديدية، والبنى التحتية للري، والسدود في تزييت آلة القطن. وقد عمّق ذلك أوجه اللامساواة في السودان، وكذلك داخل الجزيرة نفسها، حيث حصل كبار ملاك الأراضي على حصص أكبر بكثير في المشروع مقارنة بصغار المزارعين أو من لا يملكون أرضًا. ونجحت الاستراتيجية في تحقيق أهدافها: إذ أصبح السودان بحلول عام 1930 أحد أبرز منتجي القطن في العالم، والمتصدر بلا منازع في إنتاج الصمغ العربي.(Tignor, 1987)
ولم تكن الاختلالات الناتجة مجرد آثار جانبية مؤسفة لتنمية غير متكافئة لكنها "حتمية (El Zain, 2006: “(123–7 فمن المرجح أن إبقاء الفلاحين في حالة عوز أدّى وظائف استراتيجية؛ فمع توسّع الاقتصاد الرأسمالي، جرى استيعاب مزارعي الكفاف، الذين أجبرهم احتكاكهم بالنظام الاقتصادي الحديث على استكمال إنتاجهم الذاتي بالعمل المأجور الموسمي في المشاريع الزراعية. وقد استند هذا النظام الاستغلالي
إلى اتفاقيات مياه النيل، الموقّعة بين مصر والسودان تحت إشراف بريطاني عامي 1929 و1959، والتي ذهبت بموجبها الحصة الأكبر من المياه إلى مصر، في حين سُمح للسودان باستخدام 18.5 مليار متر مكعب لأغراض الري². وأصبحت الزراعة التصديرية، عبر المعادلة السحرية المتمثلة في الأرض الخصبة، والعمل الرخيص للغاية، والتدفق الدائم للمياه «المجانية»، المنطق الاقتصادي للحكم الإمبراطوري.
لم يُوسِّع الحكم الثنائي جهوده التنموية لتشمل فئات أخرى غير نخب الأقاليم النهرية إلا قبيل الاستقلال بقليل. ومع ذلك، ظلّ التركيز منصبًّا على المشروعات الزراعية التي تمتلك الحكومة فيها حصصًا كبيرة. وقد تركزت الاستثمارات في محيط الخرطوم ووادي النيل—النيل الأزرق، والجزيرة، والأجزاء «النافعة» من الشماليّة، وكردفان، وجنوب كسلا. أمّا المناطق الأبعد عن القلب السياسي-الاقتصادي، بما في ذلك دارفور، وجنوب السودان، و(الشمال) الشرقي، فقد جرى إهمالها وإدارتها عبر نظام الحكم غير المباشر (Johnson, 2003: 16–19). وأدّت عمليات التراكم التي عزّزتها السياسات الاستعمارية إلى زيادة المبادرات الهيدرو-زراعية الخاصة. وتعلّمت العائلات المهيمنة أن إنتاج المحاصيل القابلة للتصدير، مثل القطن، هو ما يضمن أرباحًا مجزية، ونظرت إلى قطاع الكفاف التقليدي—الذي يعمل فيه الغالبية العظمى من السودانيين—بوصفه قطاعًا متخلّفًا.
وبوحيٍ من ندرة الغذاء خلال زمن الحرب، أدخل الحكم الثنائي في أربعينيات القرن العشرين شكلًا آخر شديد الاعتماد على المياه من الزراعة: الزراعة المطرية الآلية (Holt and Daly, 1988: 156–8). وقد انطلقت في القضارف بزراعة الذرة الرفيعة، وكان يُتوقَّع أن تكون أساسية في توسيع إنتاج الحبوب لـ«تحقيق» الإمكانات الزراعية الهائلة للسودان أخيرًا. غير أن المشكّكين حذّروا من هذه الاستراتيجية واسعة النطاق كثيفة رأس المال والمياه، مشيرين إلى احتمال نشوء «وعاء غبار» نتيجة إزالة الأشجار والشجيرات لتسهيل الإنتاج الآلي. إلا أن المستثمرين الخواص احتضنوا بحماسة الشراكة بين التكنولوجيا الغربية والثروة الطبيعية السودانية (Niblock, 1987: 36–40).
وأظهرت السياسات الاقتصادية لما بعد الاستقلال استمراريات لافتة لسياسات الحكم الثنائي، إذ ظلّت السلطة في أيدي النخب التي استفادت من الاستعمار (Deng, 1995: 119–22). وبعد تحقيق التحرر السياسي، لم تحاول أيّ من الحكومات الديمقراطية أو العسكرية إنهاء التبعية الاقتصادية المستمرة. وجعل اعتماد السودان على التجارة الخارجية البلاد شديدة الهشاشة إزاء تقلبات أسعار السلع: ففي 1955–1956 مثّل القطن 80 في المائة من الصادرات. وقد عقّد ذلك الاستثمارات طويلة الأجل، ولا سيما أن شروط التبادل التجاري للسودان
كانت تتدهور باستمرار حتى أواخر ستينيات القرن العشرين (Barbour, 1980). وأسهم ضعف قدرة الدولة، وضعف حوافز التغيير لدى الفصائل الحاكمة المتمركزة حول النيل، ونظام سياسي يعتمد إلى حد كبير على شراء النخب المركزية في قدر من الاستقرار النسبي من الوسطاء المحليين للسلطة، في ظل غياب أي جهود جدّية لدمج أطراف السودان في الاقتصاد الوطني بطرق أكثر توازنًا، أو لإعادة معايرة العلاقات الخارجية. وقد شكّلت ستينيات القرن العشرين تحديًا للوضع القائم: إذ حدّدت حركة الأنانيا في جنوب السودان، والشيوعيون، وضباط الجيش الجذريين، «تقليدية» نخب السودان باعتبارها المشكلة الرئيسة وراء الوعود غير المنجزة للاستقلال. وطالب اليساريون بدولة فاعلة تقود التنمية الصناعية وتوسيع نطاق الزراعة. وألهمت رؤية عبد الناصر (Waterbury, 1983) لإحياء عظمة مصر عبر ثورة خضراء وبناء السدود («أهرامات القرن العشرين») نزعةً دولاتية سودانية تولّى عبرها جعفر نميري السلطة عام 1969 (Niblock, 1987: 204–6).
وافترض النظام الثوري لنميري أن السودان غني بالموارد، وأن نخبًا تقليدية لم تُقدّر إمكاناته قط؛ وأن دفعةً كبيرة من أعلى إلى أسفل ستُحوّل الاقتصاد. وبوحيٍ من «الحداثة العليا»، رأى نميري أن الزراعة الآلية كثيفة رأس المال هي محرّك النمو، وأن عائدات الصادرات ستغذّي مشروعات صناعية عملاقة مُنتقاة بعناية. وقد لاقى هذا المشروع، المُغلّف بذكاء، قبولًا لدى رواد الأعمال المحليين والجماهير الدولية. وكان في مقدور السودان أن يصبح «سلة غذاء» الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، منتجًا غذاءً يكفي ليس للاستهلاك الداخلي فحسب، بل أيضًا للبيع لعالمٍ يزداد قلقًا إزاء ندرة الموارد (Khalid, 1985: 62–6, 335). وفي ظل صعود النزعة البيئية، وتنامي المخاوف من النمو السكاني، وأول صدمة نفطية، قدّم نميري الإمكانات الهيدرو-زراعية للسودان بوصفها حيوية لتجنّب نهاية مالتوسية كارثية. واستنادًا إلى صور «الحضارة الهيدروليكية» المشابهة لفكرة البريطانيين عن «قرن الوفرة في الصحراء»، كانت الوصفة بسيطة: مياه «مجانية»، وعمالة رخيصة للغاية، وأراضٍ وفيرة، ورأس مال من دول الخليج العربية، وتكنولوجيا غربية لكسر اعتماد السودان على تقنيات إنتاج “متخلّفة .(Tignor, 1987: 199–208) “وقد رأت المؤسسات المالية الدولية المتحمّسة هذا المزيج أساسيًا لمعالجة ترابط السكان-الفقر-الصراع.
ومن الجدير بالتأكيد أنه، خلافًا للصورة النمطية عن السودان بوصفه أرض المجاعات الواسعة، لم تكن هناك مشكلات منهجية تُذكر في إنتاج الغذاء قبل نميري. فقد يكون كثير من السودانيين عانوا سوء التغذية، وكانت مناطق عديدة تفتقر إلى الغذاء بانتظام، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى مجاعات جماعية أو ندوب دائمة في البنية الاقتصادية للبلاد، كما سيحدث في ثمانينيات القرن العشرين (O’Brien, 1985) .غير أن تركيز نميري
على نموذج هيدرو-زراعي كثيف رأس المال-ولا سيما على الزراعة المطرية الآلية-تبيّن أنه كارثي على المجتمعات المهمّشة في السودان. ولم تتمثل المشكلة في انحياز الإعانات لصالح المزارع الكبيرة فحسب؛ إذ جرى تهجير آلاف المزارعين التقليديين والرعاة في أماكن مثل دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق من أراضيهم، وفقدوا مراعيهم و/أو سُدّت مسارات هجرتهم. وفي بعض الأحيان حدث ذلك عبر مسارات قانونية، مثل قانون تسجيل الأراضي لعام 1970، الذي نصّ على أن جميع الأراضي مملوكة للحكومة، فاتحًا الباب لتخصيص القطع على أسس سياسية .(IFPRI, 2006: 16–18) وغالبًا ما لجأ إداريون ورجال أعمال ومسؤولو أحزاب أبدوا اهتمامًا بالهيدرو-زراعة كثيفة رأس المال إلى وسائل خارج-القانون وغير قانونية لتوسيع المساحات الخاضعة لسيطرتهم، مانعين رعاة أبقار الدينكا، ومزارعي الأنقسنا، ومُلّاك الإبل من الرزيقات من الوصول إلى مناطقهم أجدادهم.
ولم تكن هذه العمليات من نزع الملكية برعاية الدولة آثارًا جانبية غير مقصودة لاستراتيجية «سلة الغذاء»؛ بل كان بُعد الزبائنية في إصلاحات نميري هو منطقها المركزي. فقد وصل نميري إلى السلطة لهدم «السودان القديم»، لكن رؤاه الميغالومانية قامت على افتراض أن نخبًا بعينها وحدها قادرة على قذف السودان إلى الهيمنة الإقليمية، تفكير تنموي قائم على التمنّي مقرون بسياسات ملائمة سياسيًا. وقد أتاحت له استراتيجية سلة الغذاء توسيع شبكة زبائنه، في مسعى لكسر أو استمالة قواعد دعم طائفتي الأنصار والختمية، التي كانت شبكاتهما المحلية أساسية لتفوّقهما السياسي-التجاري في السودان. ولم يكن عملاء نميري الزراعيون لا من أنصار السوق الحرة المتصلّبين ولا من المزارعين الاشتراكيين، بل حلفاء نافعين في الصراع المستمر على السلطة في الخرطوم، يعتمدون على أسواق مُفبركة ووسائل شبه قانونية لتراكم الثروة.
وشهدت جونقلي محاولة أخرى لإعادة هندسة السودان. فقد دفعت القاهرة والخرطوم باتجاه تشييد قناة بطول 360 كيلومترًا لتجاوز مستنقعات السدّ ومنع تبخر كميات هائلة من المياه. وقد بدأ هذا المشروع الفرعوني المدعوم غربيًا عام 1980، وكان يهدف إلى ريّ مشروعات في المصب بمياه نيلية «مجانية»؛ وعبر الهندسة الهيدرولوجية يمكن للتنمية أن تنفذ عميقًا في السودان .(Waterbury, 1979) من هذه المشروعات-ولا يزال يعمل-شركة سكر كنانة (KSC)، التي تستخدم «الذهب الأزرق» للنيل لإنتاج «الذهب الأخضر» في الأراضي القاحلة بولاية النيل الأبيض، في أكبر مزرعة سكر في العالم. وتعتمد كنانة على وصفة سلة الغذاء لتزويد العالم العربي وأوروبا، وتقود تطوير مجمّع زراعي-صناعي قوي.⁵ وتجسّد كنانة حالة «الانحباس» السياسي الدولي التي أتاحتها سلة الغذاء. فقد كانت الخرطوم تأمل في جذب تدفقات استثمار-من أجل-التنمية بصورة مستمرة، لكنها سعت أيضًا إلى شراكات دبلوماسية أوثق. واستثمر الخليج عبر الهيئة العربية
للاستثمار والإنماء الزراعي، وفتح أسواقه للمنتجات السودانية، ولا سيما الدخن والذرة الرفيعة، من مزارع نميري الآلية ومشروعات الري. كما دعمت الولايات المتحدة في عهد ريغان خطط التوسع الزراعي، وأصبحت الفاعل المركزي في صناعة النفط الناشئة، وأقامت علاقات عسكرية مع السودان.
وكان يمكن تبرير استراتيجية سلة الغذاء لو تحققت طموحاتها: نمو تقوده الصادرات يفضي إلى زيادة الدخل، وتنمية ريفية أكبر، وتراجع الدين الخارجي. وقد وفّر فتح الأسواق فرصًا لقطاع المحاصيل النقدية لم يكن في مقدور الزراعة المعيشية التقليدية اغتنامها، وكانت إتاحة الأموال الدولية مغرية. غير أنه بحلول منتصف ثمانينيات القرن العشرين عادت المجاعة لأول مرة منذ عقود طويلة إلى السودان. ولم يكن ذلك مجرد سوء حظ.
تمثلت المشكلة الأساسية في الافتراضات الخاطئة جوهريًا بشأن البيئة وعلم الزراعة التي قامت عليها رؤية سلة الغذاء .(Oesterdikhoff and Wohlmuth, 1983) ففكرة أن اندفاعًا في العمالة الرخيصة، والمياه «المجانية»، والتكنولوجيا الحديثة سيقود بالضرورة إلى زيادة مستدامة في الإنتاج كانت مضلِّلة. وقد جرى تجاهل نصائح البيئيين، سواء ما تعلق بمخاطر استنزاف التربة بفعل الزراعة كثيفة رأس المال، أو استهلاك المياه الجوفية (أو الاعتماد المفرط على أمطار موسمية في مناطق ذات مناخ متقلب على نحوٍ معروف)، أو الاعتماد على الزراعة الأحادية وتفضيل محاصيل التصدير على إنتاج الغذاء (الموجّه داخليًا). واعتمد ملاك غائبون أساليب غير مستدامة، مدفوعين بدوافع سياسية أو برغبة في تحقيق أرباح سريعة، لا بتحويل السودان إلى قوة زراعية حقيقية .(IFPRI, 2006) وقد افتقر هؤلاء الموظفون المدنيون والنخب الحضرية وأفراد الجيش إلى المعرفة الفنية، وفضّلوا إنهاك أراضيهم ثم الانتقال إلى غيرها، مدركين أنهم يستطيعون الاعتماد على وسائل خارج-القانون لمصادرة أراضٍ جديدة، وهو ما كان أسهل من إعادة الاستثمار في قطعٍ قديمة (African Rights, 1997).
كان قد بات واضحًا بالفعل بحلول عام 1980 أن الخرطوم لم تستخلص دروس «الثورات الخضراء» في آسيا: إعادة توزيع الأراضي لصالح صغار المزارعين بدلًا من المنتجين (الكبار) المرتبطين سياسيًا؛ التركيز على محاصيل الغذاء بدل الاكتفاء بالإنتاج من أجل التصدير؛ الاستخدام الذكي للتكنولوجيات الجديدة؛ منع الاستخدام غير المستدام للأراضي والمياه؛ توفير الائتمان الحكومي، والدعم البحثي، والبنية التحتية؛ وسياسات تجارية استراتيجية تحمي السودان من مخاطر الاقتصاد الدولي (Sachs, 2008: 127–8, 241–(4 . ولا يعني ذلك أن الجفاف الساحلي الكبير في أوائل ثمانينيات القرن العشرين لم يؤدِّ أي دور في عرقلة
التنمية الزراعية. لكن مجاعات الثمانينيات وأوائل التسعينيات لم تقع على الرغم من خمسة عشر عامًا من استراتيجية «سلة الغذاء»، بل بسببها .فقد دفعت الأحوال الجوية المتطرفة مناطق كانت تعاني أصلًا من نقص الغذاء إلى حافة الانهيار. وبينما كان الناس يموتون جماعيًا في دارفور وبحر الغزال وجونقلي، كانت المحاصيل تُشحَن إلى خارج البلاد-كما يقتضي النموذج الاقتصادي .(Suliman, 1997) - في الوقت نفسه الذي كانت فيه المساعدات الغذائية تتسرّب إلى الداخل. والمفارقة أن إنتاج الغذاء الإجمالي ارتفع إلى حدٍّ ما، غير أن «سلة الغذاء» جعلت السودان أقل، لا أكثر، أمنًا غذائيًا. وبالنسبة للمجتمعات المهمَّشة سياسيًا، جلبت الاستثمارات الواسعة وتحويلات ملكية الأراضي زيادةً دراماتيكية في الهشاشة، إذ فقدت الأصول وتزعزعت استراتيجيات سبل العيش بالكامل بفعل العنف البنيوي والمادي .(Keen, 1994)
وبحلول عام 1983 كان النظام مفلسًا اقتصاديًا وسياسيًا، وكان ذلك جزئيًا نتيجة توظيف نميري لمخاوف «شح الموارد» العالمية لخدمة أغراضه الخاصة. انهارت الاستثمارات الأجنبية، وارتفع التضخم، وأصبحت ملوحة الأراضي واستنزافها مشكلتين واسعتي الانتشار (Holt and Daly, 1988: 210–14). وتبدّد أعظم إنجازاته—السلام الداخلي—مع صعود الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLM/A) ونضاله من أجل «سودان جديد». وبالنسبة لجون قرنق، فقد أخفق نميري لأنه عاد ليعتنق الشوفينية الثقافية–الدينية، لكن الحركة/الجيش الشعبي أشار أيضًا إلى قناة جونقلي بوصفها سببًا للحرب (casus belli)، باعتبارها ضربًا من هوس الارتباط بالسلطة لا يخدم إلا مصالح نخب «أولاد البلد» في وادي النيل على حساب المجتمعات المحلية، مهما كانت اللغة التكنوقراطية التي أُحيط بها هذا «الفيل الأبيض» (Collins, 1990: 391–3). فالقناة كانت ستُهجّر مئات الآلاف في جنوب السودان، مدمّرة نظمًا بيئية لا تُقدّر بثمن، بينما تذهب جميع المنافع إلى المزارعين الأثرياء في المصب والمستثمرين العرب. وبالنسبة للجنوبيين، لم يكن نميري مختلفًا عن حكّام السودان التقليديين؛ إذ لم تُصلح سياساته الاقتصاد السياسي للسودان، بل رسّخته (Johnson, 2003: 130–1, 145).
ويمتد الربط بين سياسات «سلة الغذاء» والديناميات (الهيدرو)سياسية–الاقتصادية والصراع العنيف إلى ما هو أبعد من غطرسة القناة: فلم يكن سكان جونقلي وحدهم من دعموا الجيش الشعبي لتحرير السودان بسبب تنمية مفروضة من أعلى تعمل ضد المجتمعات المحلية. ففي النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة أدّى نزع ملكية السكان الأصليين من أراضيهم إلى تصاعد المقاومة (Duffield, 1990). وحاول أتباع نميري الاستيلاء على مزيد من الأراضي للزراعة المطرية الآلية، مدّعين أن الأرض إما مملوكة للدولة، أو متروكة، أو لا تُستغل إنتاجيًا لأغراض التنمية. واستُخدمت البلاغة الدولية حول «سلة الغذاء» كسلاح ضد
النوبة والأنقسنا والدينكا. ومع انضمام هذه المجموعات إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان، جاء القمع سريعًا، أولًا في عهد نميري، ثم على يد ميليشيات المراحيل، وبعد عام 1989 على يد قوات الدفاع الشعبي التابعة لثورة «الإنقاذ». وفي تسعينيات القرن العشرين، جرى دمج لغة الجهاد بلغة التنمية، مدعومة بضمانات الإفلات من العقاب (De Waal and Abdel Salam, 2004: 91–8): إذ عمد نظام حسن الترابي إلى تقسيم المجتمعات المحلية، منهياً تعايشًا عمره قرون عبر أنظمة زبائنية تلاعبية. وجرت تعبئة البقارة والمسيرية بوعود الماشية والأراضي الخصبة والجنة. وليس مصادفة أن الشبان الذين قاتلوا لصالح الخرطوم كانوا من تلك المجتمعات التي كانت، في حالات كثيرة، أكبر الخاسرين من إلغاء نميري للإدارة الأهلية، وانتشار الزراعة الآلية، واتساع فجوة المركز–الأطراف. فالأشخاص أنفسهم—وغالبًا ما كانوا رعاة شبه رحّل—الذين رأوا مسارات هجرتهم تُغلق مع قدوم زراعة التصدير وتجفّ مواردهم المائية، جرى توظيفهم الآن لمهاجمة مجموعات أقل حرمانًا قليلًا، كانت قاعدة أصولها الأكثر وفرة نسبيًا تجعلها عرضة للاستهداف (Keen, 1994).
وتلجأ السرديات التبسيطية للحرب في وسط السودان إلى «أحقاد إثنية قديمة» أو تفسيرات مالتوسية لسبب لجوء المسيرية والبقارة—بدعم من القصف الجوي الحكومي—إلى عنفٍ مفرط، غير أن الوقائع أكثر تعقيدًا من انهيار قبلي–بيئي. فقد كانت «الضغوط البيئية» عبر الحزام الساحلي نتائجٍ لصراعات على السلطة، وللاستيلاء المحلي على سردية البيئة–التنمية، ولمطالب الاقتصاد العالمي. ولم تكن خطأ «محليين متخلّفين» يجهلون إدارة نظم بيئية شحيحة الأرض والمياه؛ إذ إنّ تأريخ الندرة ووضعها في سياقها التاريخي أمرٌ أساسي. ولا يمكن فهم الروابط بين الموارد والصراع إلا عبر تحليل إيكولوجيا تراكم الثروة والسلطة لدى نخب ضيقة واعتمادها على الزبائنية والحداثة المفروضة من أعلي عبر مشاريع الهيدرو-زراعية.
دارفور وشبح صراعات تغيّر المناخ
لم تكن فوضى «سلة الغذاء» الحالة الوحيدة التي استولى فيها فاعلون سياسيون سودانيون على خطابات وأوهام عالمية بوصفها أصولًا ثمينة في صراعات داخلية. فقد حظيت صراعات دارفور باهتمام غربي كبير: إذ صاغ تحالف «أنقذوا دارفور» سردية عدالة عالمية ذات طابع لا-سياسي إلى حدٍّ كبير إزاء نظام «إبادي» (Mamdani, 2009: 48–71)، وتسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى إحضار عمر البشير إلى لاهاي. لكن إلى جانب سردية «لوم البشير» ثمة خطاب أحادي آخر، يصوّر دارفور بوصفها «أول صراع حديث لتغيّر المناخ»،⁷ دليلًا على دخول العالم عصر حروب خضراء لا-سياسية. ومع أن قلة من المؤلفين يذهبون إلى حد
القول إن «الاحترار العالمي قد يكون المسؤول الأساسي» (Faris, 2007)، فإن الميل إلى ربط العنف بالتغيرات البيئية واسع الانتشار. وهذا إشكالي لأنه يُقصي إلى حدٍّ كبير الفاعلية البشرية في تعريف «الندرة» والتلاعب العنيف بالسياسة المحلية، فضلًا عن نوع الحلول التي يقترحها للصراع.
ويجسّد جيفري ساكس السردية التبسيطية التي تُحمّل «البيئة» المسؤولية:
«كان النمو الموثوق الوحيد في دارفور هو نمو السكان، من أقل من مليون نسمة في مطلع القرن العشرين إلى ما يُقدّر بستة إلى سبعة ملايين اليوم. لكن مع هذا الارتفاع السكاني، تراجعت القدرة الاستيعابية للأرض بسبب الانخفاض الطويل الأمد في الهطول المطري. … والنمط اللافت هو تراجع الأمطار بدءًا من أواخر ستينيات القرن العشرين، وهو نمط واضح في عموم الساحل الأفريقي. … وكانت النتائج كارثية على نحو متوقّع. فقد أصبحت المنافسة على الأرض والمياه قاتلة.» (Sachs, 2008: 248–9)
وحذّرت الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، في تقريرٍ مؤثر، من النظر إلى المناخ بوصفه السبب الوحيد، لكنها مع ذلك أسهمت في السردية المالتوسية أيضًا:
«توجد علاقة قوية جدًا بين تدهور الأراضي والتصحر والصراع في دارفور… [شمال دارفور] يمكن اعتباره مثالًا مأساويًا على الانهيار الاجتماعي الذي قد ينجم عن الانهيار البيئي» (UNEP, 2007).
ولا يوجد إجماع حول وجود علاقة ارتباط بين العنف وتراجع الهطول المطري في الساحل/دارفور (Kevane and Gray, 2008)، لكن بالنسبة لمن يروّجون حجة «صراعات المناخ»، فإن المنطق يتكرر على الدوام: إقليم فقير، يتعايش فيه الرعاة والمزارعون—في أحسن الأحوال—تعايشًا متوترًا، يتعرّض لتغيرات بيئية كارثية. وتُطلق الندرة الناجمة عن ذلك «مأساة المشاع» التي تنتهي بتدافعات دموية بين القبائل على الأرض والمياه، فيما تقمع الحكومة التمرد وتختار أطرافًا في هذه الحرب الإثنو–إيكولوجية (Time, 2007). ووفقًا لبان كي مون، «بدأ صراع دارفور كأزمة بيئية، نشأت على الأقل جزئيًا عن تغيّر المناخ… وليس من قبيل المصادفة أن العنف في دارفور اندلع أثناء الجفاف» (Ban Ki-Moon, 2007). وعلى الرغم من التحفّظ الافتراضي القائل بأن «الروابط معقّدة»، فإننا إزاء نزعة جوهرانية فاعلة، تفترض عداءاتٍ متأصّلة بين الرعاة والمزارعين، وأن الفقر يقود إلى انعدام الأمن، وأن الندرة متغير مستقل يسبب الصراع. وإذا ذُكرت الهشاشة أصلًا، فإنما تُذكر في عبارات لا-سياسية من قبيل «كانت دارفور منذ زمن بعيد هامشًا تنمويًا لبلدٍ فقير» (Sachs, 2008: 248).
غير أنّ العنف في دارفور ليس بأي حال من الأحوال انهيارًا مالتوسيًا؛ بل هو مزيج قاتل ظلّ يتشكّل على مدى عقود من خلال تداخل سياسات القوة في الخرطوم، والتهميش السياسي-الاقتصادي لدارفور، والإحباطات المحلية الناجمة عن ندرة مُصطنعة جرى خلقها عمدًا. إنّ التحليل الذي يربط البنية العميقة للإقصاء بالفعل السياسي، وكذلك بالأنماط التاريخية للعنف، يغيب تمامًا عن خطابات «الحرب الخضراء». ونادرًا ما يتم فحص الرابحين من مثل هذه الأزمات في السودان.
يلعب العامل البيئي دورًا في العنف في دارفور، لكن سواء جرى تصوّره على أنه «تغير مناخي»، أو «ندرة مياه»، أو «تدهور الأراضي»، فإنه لا يشكّل شرطًا كافيًا ولا ضروريًا لتفسير ديناميات الصراع. فقد عانت دارفور بلا شك من تراجعات طويلة الأمد في معدلات هطول الأمطار—ولا سيما في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين—وألحقت موجات الجفاف ضربات مميتة بسكان دارفور خلال مجاعة 1984–1985، حتى وإن كانت تسعينيات القرن الماضي أكثر رطوبة على نحو ملحوظ في عموم إقليم الساحل (مازو، 2010: 66–67). غير أنّ ما يهم حقًا هو العمليات طويلة الأمد من التهميش وخلق الندرة—أي الشروط التي تجعل الناس عرضة للكوارث «الطبيعية» من خلال تشكيل استراتيجيات سبل العيش المتاحة لهم—إلى جانب المؤسسات الاجتماعية (التي باتت الآن واهنة) التي طوّرها أهل دارفور على مدى عقود للتعامل مع الأزمات الحادة. وبعبارة أخرى، فإن العوامل التمكينية طويلة الأمد للصراع والجوع، والمحددات المؤسسية قصيرة الأمد للتكيّف مع التغير، هي جوهر المسألة.
لقد أُجبرت دارفور، التي كانت يومًا سلطنة مستقلة، على الدخول في علاقة شديدة الاختلال مع الخرطوم. فرغم أن الخليفة عبد الله، خليفة المهدي، كان من التعايشة البقّارة، فإن تعيينه قوبل بمعارضة من النخب النيلية التي تعاونت مع البريطانيين. وعلى وجه الخصوص بين قبيلة الجعليين القوية، لم يُغفر قطّ ما ارتكبته قوات الخليفة من مجازر في المتمّة عام 1897: فـ«الغرابة»—أي السودانيون الغربيون—يجب إقصاؤهم عن السلطة بأي ثمن (رويسلر، 2010). وبعد المهدية، أُديرت دارفور عبر الحكم غير المباشر البريطاني، وعانت من نقص مزمن في الاستثمار ومن شبه انعدام للخدمات الاجتماعية بعد الاستقلال. خدم أبناء دارفور كقوة عمل رخيصة في مشروع الجزيرة، لكنهم أُقصوا بصورة منهجية عن دوائر الحكم. وفي البداية، تُركت إلى حدّ كبير آليات ملكية الأرض التقليدية وتسوية النزاعات في دارفور، والتي تطورت على مدى عقود طويلة، دون مساس. ورغم وجود نقاش حول مدى استدامة هذه الممارسات دائمًا، فإن الرعاة، وشبه الرحّل، والمزارعين طوّروا استراتيجيات معيشية مرنة بما يكفي للتكيّف مع الظروف البيئية غير المتوقعة (دي وال، 2005).
لم تُجرَّب «إعادة هندسة» دارفور إلا في عهد نميري. وكان إلغاء الإدارة الأهلية محاولة من النظام «الحديث» لإزالة البُنى «البدائية» التي استغلها البريطانيون للسيطرة منخفضة التكلفة على الأقاليم البعيدة والأقل نفعًا في السودان. وقد اعتبر نميري هذه الآليات عوائق أمام التنمية، وخشي أن يقوم قادة دارفور المحليون (الذين كانوا تقليديًا موالين لأسرة المهدي) بعرقلة خططه. ولم تتمحور الإصلاحات حول مشروع «سلة الغذاء»—إذ لم يكن حجم الزراعة الآلية قابلًا للمقارنة بما جرى في جنوب كردفان والنيل الأزرق—بل تمحورت أكثر حول محاولة مباش رة لخلق طبقة جديدة من ملاك الأراضي الموالين. عبث نميري بالمؤسسات الاجتماعية التي تتوسط العلاقات بين أهل دارفور بعضهم ببعض، وكذلك علاقتهم بالبيئة (مامداني، 2009: 184–193). وكان يأمل في تحقيق ذلك بأقل كلفة ممكنة: إذ ظل غرب السودان محرومًا من الخدمات العامة، وجاءت الاستجابة لمجاعة 1984–1985 قائمة على الإنكار.
لقد حد الهجوم المزدوج لثورة الانقاذ من قدرة دارفور على التعامل مع الأزمات، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان: فعلى الرغم من الوعود المقدمة للإسلاميين في غرب السودان، فإنها عمّقت أكثر التخلف البنيوي لدارفور، وأبقت المناصب السياسية-العسكرية العليا في المركز بيد «أولاد البلد». واحتمال أن تلد امرأة بحضور كادر طبي في شمال السودان يزيد على ضعف الاحتمال في دارفور، كما انخفضت معدلات معرفة القراءة والكتابة بين الرجال بنسبة 33 في المئة في ظل حكم الإنقاذ. إضافة إلى ذلك:
«تتمتع المنطقة الشمالية والخرطوم بإنفاق وإيرادات للفرد أعلى بكثير من أي منطقة أخرى، تزيد على ضعف تلك الخاصة بالغرب. … [وعلى الرغم من] هذا التفاوت الكبير القائم في قدرة الأقاليم على جمع إيراداتها الذاتية، فإن مستويات الدعم الحكومي للفرد للولايات متحيزة في الاتجاه نفسه: إذ تحظى الولايات الشمالية بدعم يزيد على ضعف ما يُمنح للغرب». (كوبهام، 2005: 5–8)
لعب الإسلاميون سياسة «فرّق تسد» في دارفور عبر الأرض والرعاية السياسية للقضاء على شبكات الأنصار القديمة وبناء قاعدة دعمهم الخاصة. وقد تفاقم ذلك مع ازدياد إنتاج الثروة الحيوانية المُوجه للسوق («التنمية»)، ما أدى إلى الضغط على الممارسات الجماعية، وتسوير المراعي، وتدهور الأراضي ومصادر المياه (يونغ وآخرون، 2005: 63–69).
إن هذا السياق من التفقير المتزايد وندرة الأراضي والموارد والمياه—مع تراكم الثروة لصالح مجموعات محددة جدًا، محليًا ووطنيًا—هو المحرك الحقيقي للعنف، وقد اندمج، كما هو الحال دائمًا في حروب السودان،
مع التداعيات الإقليمية لمناورات السلطة في الخرطوم (دي وال، 2007). بدأت الاشتباكات المحلية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين في أعقاب الحرب الأهلية في تشاد، لكنها تصاعدت تدريجيًا مع غياب آليات التسوية التقليدية؛ كما ارتفع الإحباط المحلي من دعم الخرطوم الانتقائي لمجموعات عربية بعينها إلى مستويات خطيرة. ولم يخرج الوضع عن السيطرة بسبب «نقطة تحوّل» بيئية، كما يدّعي البعض، بل بسبب التفكك السياسي الوطني.
أدى الصراع على السيطرة على نظام الإنقاذ بين الترابي ومساعديه السابقين في عامي 1999–2000 إلى تطهير أعضاء النظام من أبناء دارفور الذين عُدّوا حلفاء للترابي. وقد انتصر المعسكر المناهض للترابي في الخرطوم، لكنه خسر فعليًا السيطرة المجتمعية على دارفور، إذ بدّل الوسطاء المحليون الحيويون ولاءاتهم، وبدأ عناصر سابقون في النظام بالتحضير للتمرد (رويسلر، 2010). ومع حرمان الحكومة من الشبكات التي كانت تقمع توغلات الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، لم تعد قادرة على الحفاظ على الأمن. وبدأت حملة قمع مضادة مروّعة عام 2003، مكرّسة نمط الحرب في مناطق أخرى من السودان: عنف لامركزي، مع قيام القوات الحكومية بأدوار داعمة؛ واستخدام مليشيات بالوكالة مكوّنة من أكثر فئات الإقليم تهميشًا؛ والنقل المنهجي للأصول (الأراضي، موارد المياه، الماشية)، مستندًا إلى الإفلات من العقاب لمن يدمّرون خيارات سبل العيش للمجتمعات المستهدفة (فيرهوفن وآخرون، 2009).
يحبّ النظام خطاب «حرب المناخ» لأنه يحجب دوره هو، وفوق ذلك المشكلة الجوهرية في السودان منذ الاستقلال: منطق الحكم في الخرطوم مرتبط ارتباطًا لا ينفصم بالإقصاء والمحسوبية والعنف. وقد اغتنم اللوبي الموالي للحكومة التغطية الإعلامية المتزايدة التي تربط بين تغير المناخ و«صراع متقطع على مدى عقود بين الرحّل… والمزارعين المستقرين» (تايم، 2007) لرفض أي نقاش بنيوي حول عدم المساواة—ومن يستفيد منها—في السودان. ويقود الرأي القائل بأن «لا شك في أن تغير المناخ والتدهور البيئي المرتبط به مباشرة قد أسهما في إسناد سياسات الصراع في دارفور» (هويل، 2008: 38) بسهولة إلى الاستنتاج بأن دارفور تحتاج إلى الكثير من أموال التنمية الخارجية (التي يمكن إدخالها في شبكات المحسوبية التي تديرها الخرطوم)، وأنها مشكلة محلية بالأساس لا وطنية، ناتجة عن الاحترار العالمي (ساكس، 2008: 249–250). وللأسف، تبنّى ساكس وبان كي-مون هذا الطرح اللاسياسي القائل بأن التنمية تعالج الندرة، وفشلا في إدراك أن «التنمية» التي تقودها الخرطوم هي بالضبط ما تسبب في الندرة والعنف منذ البداية.
مهمة الخرطوم الهيدرو-زراعية: «ثورة خضراء» أم إعادة معايرة للاقتصاد السياسي؟
لم يتزامن مطلع القرن الحادي والعشرين مع تزايد القلق بشأن تغيّر المناخ وتداعياته الأمنية فحسب؛ فمع ارتفاع أسعار السلع مدفوعة بزيادة الطلب الآسيوي، والمضاربات الدولية، ونقص الاستثمار في توسيع العرض، والتعطّش للوقود الحيوي، بلغت أسعار الغذاء مستويات قياسية، ما أدى إلى اندلاع اضطرابات من هايتي إلى موزمبيق، ودفع خمسين مليون شخص إلى براثن الفقر المدقع (بان كي-مون، 2008). وقد غذّى ترابط الغذاء–المناخ مخاوف نيومالتوسية بشأن اختناق الموارد، مترجمًا ذلك إلى نبوءات كارثية. واشترى مستثمرون آسيويون وعرب وأوروبيون مساحات شاسعة من الأراضي في البلدان النامية للحد من اعتمادهم على الأسواق المتقلبة، وللسيطرة المباشرة على مناطق إنتاج الغذاء المستقبلية (كوتولا وآخرون، 2009).
قفزت الحكومة الإسلامية في السودان إلى قطار الغذاء–المناخ، محاولة إدراج إعادة معايرتها للاقتصاد السياسي السوداني ضمن أجندة عالمية لزيادة الإنتاج. ويُسوَّق «برنامج النهضة الزراعية» في الخرطوم، الموجَّه سياسيًا من قبل نائب الرئيس طه، بوصفه تحديثًا أكثر حكمة لمشروع «سلة الغذاء» في عهد نميري (المجلس الأعلى للنهضة الزراعية، 2008)، غير أن الخطاب حول فوائده الأسطورية وكيفية الاستغلال الكامل لإمكانات السودان الزراعية هو الخطاب نفسه. ففي يوليو/تموز 2009، أعلن البشير استعداد السودان لوضع موارده في خدمة أفريقيا: «إن السودان… في وضع يمكّنه من تقديم مساهمة كبيرة في تحقيق الأمن الغذائي في أفريقيا… ونحن ملتزمون بتقديم جميع الضمانات اللازمة للشركات ورجال الأعمال الذين لديهم اهتمام حقيقي بالاستثمار الزراعي».
والخطاب ذاته يغري ممولي دول الخليج العربية، الذين أُسقطت تجاربهم الفاشلة لزراعة القمح في صحراء السعودية. وفي خضم الشائعات المالتوسية، باتت الصناديق السيادية والشركات الخاصة على استعداد لإنفاق مليارات الدولارات للحصول على السيطرة على سلسلة إنتاج الغذاء. ويصعب الحصول على أرقام دقيقة، غير أن تكتلات أردنية وسعودية ومصرية وصينية استثمرت في مئات الآلاف من الأفدنة من الأراضي الخصبة، خصوصًا في المناطق المحورية من شمال السودان (نهر النيل، الجزيرة، سنار) للزراعة المروية. وتسيطر رؤوس أموال إماراتية بالفعل على 2800 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية السودانية.10 وتأمل الخرطوم، عبر عرضها «أراضي مجانية، عمالة رخيصة، ومياه مجانية»، في جذب أكثر من مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام المقبل. لقد عادت «سلة الغذاء» من جديد.
تشكل السدود الكبرى عنصرًا حيويًا في «المهمة الهيدرو-زراعية» لنظام الإنقاذ. فهي تتيح إمكانات واسعة لتوليد الكهرباء والري، بما يساعد على إطعام سكان السودان المتزايدين وتزويد الأسواق العربية-الأفريقية
الأبعد. ويثير برنامج السدود في السودان جدلًا واسعًا بسبب اللعبة الجيوسياسية شديدة الحساسية حول نهر النيل،11 إلا أنه يُعد أولوية قصوى للنظام. فقد تجاوزت كلفة سد مروي الضخم في أقصى الشمال 3.5 مليارات دولار أمريكي، كما ستبلغ الكلفة الإجمالية لرفع تعلية خزان الروصيرص في ولاية النيل الأزرق ذات الأهمية الجيوسياسية نحو مليار دولار إضافي. وهناك عشرة سدود إما قيد الترميم أو في مراحل التخطيط/البناء—كجبار، والشريك، وستيت—تبلغ كلفة كل منها ما لا يقل عن 800 مليون دولار أمريكي (وحدة تنفيذ السدود، 2010أ)، مع مساهمات مهمة من ممولين عرب خليجيين وشركات إنشاءات صينية. ويشكك خبراء في كلفة الفرصة البديلة لهذا البرنامج الباهظ في ضوء احتياجات السودان للتنمية البشرية؛ 12 غير أن مثل هذه الانتقادات (المغربي، 2006) لا تلقى أثرًا يُذكر، نظرًا لأن الاندفاعة الهيدرو-زراعية تتعلق باستراتيجية الإنقاذ طويلة الأمد للبقاء.
لطالما فكّر الإسلاميون في السودان على المدى الطويل في الآليات السياسية-الاقتصادية التي تربط دوائر اجتماعية حيوية بهم.13 فقد دعمت إصلاحات الترابي المالية في عهد نميري نشر «رأس المال الإسلامي» واختراق الأجهزة الأمنية، ما أدى تدريجيًا إلى تآكل النظام من الداخل. ورأت الحركة الإسلامية الفرص التي يتيحها مشروع «سلة الغذاء»، فوجهت الاستثمارات نحو الزراعة الآلية التصديرية، وصممت تشريعات كرّست المزيج السحري من «المياه المجانية»، والعمالة الرخيصة، وسهولة الحصول على الأرض، والتمويل الإسلامي. وقد جلب المثلث القوي بين البنوك، والإسلاميين، ومشروعات الزراعة فوائد تجارية وسياسية لجميع المتآمرين المعنيين.14 وبعد انقلاب عام 1989، وتحت راية المشروع الحضاري، استخدم نظام الإنقاذ خطاب التنمية لإضفاء الشرعية على التطهير العرقي وإخضاع السكان المعادين عبر قطعهم عن نقاط المياه ومناطق إنتاج الغذاء. ولم تكن عمليات نقل الأصول مجرد دافع جشع لدى المقاتلين ذوي الرتب الدنيا؛ بل كان العنف يستند إلى منطق اقتصادي واضح: استغلال محلي، وتراكم وطني، وأسواق دولية. وقد واجهت شعوب «غير ممتنة» و«غير منتجة» مثل النوبة عنفًا ذا طابع إبادي، بذرائع تمزج بين الحداثوية الفائقة والدعاية البدائية لتبرير القضية African Rights) ، 1995( . وكان «الجهاد» تشديدًا راديكاليًا لعمليات بدأت في عهد نميري، لكنه لم يكن مختلفًا جذريًا، إذ تبنّى تصورات محددة جدًا عمّا تعنيه التنمية، ومن ينبغي أن تستفيد، وكيف تندرج المصادرات المحلية ضمن عمليات أوسع للتراكم والديناميات الاقتصادية العالمية، وكيف تُبنى تحالفات سياسية مع أقليات مهمة تُسهم في ترسيخ الحكم العسكري-الإسلامي في الخرطوم والأطراف.
اليوم، تخلّى نظام الإنقاذ عن الحرب المقدسة ومعظم مشروعات الزراعة المطرية، لكنه ما يزال يؤسّس قوته السياسية على عمليات إدماج انتقائي. وقد منح النفط النظام حياة ثانية بعد انقسام البشير–الترابي، ومكّنه من توسيع الالتحاق بالتعليم، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز عتاد الجيش، فضلًا عن طفرة عمرانية في الخرطوم (البنك الدولي، 2009). غير أن الفوائد بقيت في أيدي أقلية كبيرة، وعلى الرغم من الفساد المستشري، استطاع البشير وطه توظيف سجلّهما الاقتصادي سياسيًا، عبر المقارنة بين سنوات النمو وتقديم الخدمات لبعض الفئات في ظل الحكم الإسلامي، وبين أزمات الغذاء والتضخم في الأنظمة السابقة. وقد اتسعت شبكات المحسوبية على نحو ملحوظ، واستوعبت مختلف الفئات تحت الخيمة الإسلامية العريضة. وتشكلت نخبة معولمة ذات صلات قوية بدول الخليج وشرق آسيا وتركيا أحد المستفيدين الرئيسيين من الأموال المتدفقة إلى المناطق المحورية في السودان؛ ويفتخر هؤلاء رواد الأعمال بتديّنهم الإسلامي ونجاحهم التجاري، على نحو لا يختلف كثيرًا عن الرأسماليين الأناضوليين المتدينين الذين يقفون خلف—ويستفيدون من—صعود حزب العدالة والتنمية ذي النزعة الإسلامية المعتدلة في تركيا (هيل وأوزبودون، 2009). وتُهيمن كوادر الحزب على الشركات الزراعية-الصناعية والمالية والإنشائية الكبرى. وهكذا باتت سياسات الإنقاذ مزيجًا من التكنوقراطية، والمحسوبية، والاقتصاد المحافظ.
غير أن طفرة النفط لن تدوم؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ الإنتاج ذروته في عام 2012 (IMF، 2010)، ومع استقلال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 سيأخذ معه نحو 75–80 في المائة من الاحتياطي النفطي المؤكد. وحتى في حال استمرار تقاسم الإيرادات، يقرّ الإسلاميون بأن ذلك يمثّل ضربة قاسية لما أعلنوه «معجزة اقتصادية»، ولا سيما في ظل عدم اليقين بشأن ما إذا كانت العقوبات الأميركية سترفع أم لا.15 وعليه، تصبح مهمة الخرطوم الهيدرو-زراعية—برنامج السدود وبرنامج النهضة الزراعية—ضرورية لإيجاد محرّكات جديدة للنمو وتوسيع تقديم الخدمات، مثل الكهرباء، إلى القلب السياسي الذي يمثله «مثلث حمدي» الممتد من دنقلا إلى كردفان فسنار.16 فالكهرباء مطلوبة لدعم خطط التوسع في التصنيع والخدمات في شمال السودان، وكذلك لنزعة الاستهلاك لدى نخب الخرطوم. كما أن إحياء الزراعة المروية، الذي ييسّره برنامج السدود، وإدماج السودان في النقاش العالمي حول أزمة الغذاء، يشكّلان مشروعًا مربحًا للنظام، إذ يرسّخان الشراكات مع دول المستثمرين، ويجلبان «دولارات زراعية»، ويفتحان فرصًا جديدة للمحسوبية من شأنها أن تساعد نظام الإنقاذ على الصمود في مواجهة انفصال الجنوب.
وتتجلى أهمية استراتيجية السدود–الزراعة ليس فقط في الدور المحوري الذي يلعبه طه والمليارات التي تضمنها، بل قبل كل شيء في صعود هيئة جديدة بالغة النفوذ، هي وحدة تنفيذ السدود (DIU).17 ويرأس
هذه الوحدة أسامة عبد الله، أحد النجوم الصاعدين في نظام الإنقاذ. وقد أُنشئت الوحدة في الأصل لبناء سد مروي، لكنها تحولت إلى الوكالة التنموية الأبرز في السودان في مجال سياسات السدود ومشروعات البنية التحتية، متحكمة في ميزانيات ضخمة، ومعتمدة أسلوب عمل شديد السرية. وهي لا تخضع للمساءلة إلا أمام الرئيس. ولها حراس أمن خاصون، وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب عدة مجازر في شمال السودان (OMCT، 2007)، ونادرًا ما تنظّم مشاورات عامة. وتُدار الوحدة بواسطة مهندسين، وتكاد لا توظف اقتصاديين أو إيكولوجيين أو أنثروبولوجيين، وهي خبرات أساسية للتعامل مع آثار السدود. وليس هذا من قبيل المصادفة؛ إذ جرى تنشئة أجيال من المهندسين السودانيين على الاعتقاد بأن الطبيعة يجب أن تُخضع للسيطرة، وأن المبادرات الكبرى—والسدود أقصاها—قادرة على إحداث القفزة النوعية في التنمية اللازمة لتحقيق «العظمة».
لقد أثبتت الرؤى الحداثية العليا في السودان (بريطانيا والجزيرة، وسلة نميري الغذائية) قدرًا كبيرًا من الاستمرارية، كما تُلهم تجارب الصين وماليزيا التنموية التفكيرَ الراهن. وفي الخرطوم الإسلامية ما تزال أفكار نشر «الحضارة» و«التقدم» راسخة؛ فقد وصف البشير سد مروي بأنه «مشروع القضاء على الفقر في السودان»،18 فيما تشير وحدة تنفيذ السدود (2008) إلى سد كجبار بوصفه «مشروع إعادة بناء الحضارة». وقد اعتزّ نظام الإنقاذ دائمًا بتوصيف نفسه كثورة (وهو ادعاء يطعن فيه خصومه بقوة). ورغم أن مرحلة ما بعد الترابي خفّفت من محاولات التحول الثقافي–الديني الصريحة، واتسمت ببراغماتية أكبر في السياسة الخارجية، فإن الهندسة الاجتماعية والهيدروليكية للمجتمع لم تُهجر من قبل الخرطوم.
غير أن الوجه الآخر لاندفاعة الخرطوم الهيدرو-زراعية لا يقتصر على كلف الفرصة البديلة الباهظة للسدود؛ فالبرامج التي تزعم تحويل السودان إلى بلد متوسط الدخل تُضعف على نحو عميق شرائح واسعة من السكان. فقد أُجريت دراسات الأثر البيئي والاجتماعي (ESIA) لسدي مروي والروصيرص بعد أن كانت الأعمال قد بدأت بالفعل. وقد جرى—أو سيجري—تهجير عشرات المجتمعات قسرًا، وفي حالة الروصيرص ربما يصل العدد إلى 73 ألف شخص، من دون تزويدهم بمعلومات لائقة عن المشروع، أو استشارتهم بشأن التنمية بعد السد، أو تعويضهم تعويضًا مناسبًا عن خسائر الأصول.19 ويصف مصادر—طلبت جميعها عدم الكشف عن هويتها لأسباب وجيهة—ثقافةً تنظيمية تتسم بالسرية والتدخل السياسي المستمر لتغيير النتائج؛ وبحسب مستشار رئيسي لأسامة عبد الله: «وحدة تنفيذ السدود تستحوذ على مشروعات التنمية في أنحاء البلاد، ولا أحد يستطيع الاقتراب منها. وهي تتولى مهام لا تمتلك أصلًا المؤهلات اللازمة لها».20
وقد تصاعد الجدل حول سد مروي وما رافقه من تدمير للتراث الثقافي النوبي—واختفاء بقايا أثرية وأراضٍ خصبة موروثة—إلى حد قيام قوات وحدة تنفيذ السدود بقتل متظاهرين، وانتشار شائعات عن اندلاع نزاع جديد (Hashim، 2009). غير أنه في ظل غياب دعم خارجي ومنظمات سياسية نوبية قوية لمواجهة الوحدة، فإن آلاف المهجّرين قسرًا إلى «قرى نموذجية» (مدن صحراوية) يملكون هامشًا ضئيلًا من القدرة على التأثير. أما وضع الروصيرص فهو أشد تفجّرًا، ليس فقط بسبب العدد الأكبر من المتأثرين، بل أيضًا بسبب الموقع الحساس للسد بعد تعليته. وبالنسبة لكثير من سكان النيل الأزرق، فهذه هي الجولة الثانية—وأحيانًا الثالثة—من التهجير الذي تسببه الحكومة. ويشيع الإحباط، مع تهديد شيوخ محليين بإرسال أبنائهم للانضمام إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي (SPLA/M)، التي تدير الحكم المحلي، بدلًا من الاستمرار في تقليد التجنيد في القوات المسلحة السودانية. لقد كانت ولاية النيل الأزرق خط تماس خلال حرب الخرطوم–الحركة الشعبية، كما كانت موضوع حملة «الدعوة» التي قادها علي عثمان طه لتحويلها إلى ولاية نموذجية في تسعينيات القرن الماضي—وهو مثال صارخ على الهندسة الاجتماعية الثورية لنظام الإنقاذ (African Rights، 1997: الفصل 9). وقد فُرضت «تنمية» إسلامية على سكانها عبر الجمعيات الخيرية الدينية، والجنرالات ذوي النزعة التجارية، ورواد الزراعة الآلية؛ وحتى عام 2011 ظلّت المجتمعات المحلية متشككة بشدة إزاء أفكار «التقدم» و«التنمية» الفوقية القادمة من الخرطوم.
وعلاوة على ذلك، تشير المعلومات المتاحة إلى أن الغالبية الساحقة من فوائد تعلية سد الروصيرص ستذهب إلى المناطق الواقعة أسفل السد؛ وقد شدد والي النيل الأزرق مالك عقار: «أنا ضد تعلية السد تمامًا. لا شيء فيها لصالح أهل النيل الأزرق».21 فالكهرباء ستتجه إلى سنار والنيل الأبيض والخرطوم، بينما ستتدفق مياه الري الإضافية إلى توسعة قدرها مليونا فدان لمشروعي الرهد وكنانة،22 وهما مشروعان كبيران كثيفا رأس المال، يرتبطان على نحو متكرر بإنتاج الغذاء برؤوس أموال عربية للأسواق الشرق أوسطية. وكما في حالة مروي (وحدة تنفيذ السدود، 2010ب)، يأتي الممولون الرئيسيون لسد الروصيرص من دول الخليج العربية، مع الكويت بوصفها الفاعل الأبرز؛ ويصعب عدم رؤية منطق المقايضة هنا.
إن إعادة ابتكار الخرطوم لسلة الغذاء في القرن الحادي والعشرين هي استراتيجية ممولي نظام الإنقاذ ومنظّريه للحفاظ على السلطة وتعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي. ويستند إسلاميون بارزون إلى سردية تغيّر المناخ وأزمة الغذاء العالمية للانتقال إلى الهجوم وإعادة معايرة الاقتصاد السياسي السوداني على نحو يزيد فرص المحسوبية، والشراكات الخارجية، والموارد المالية المتاحة للشركات التي يقودها الحزب. وتأتي اللغة تكنوقراطية؛ إذ جرى منذ زمن تحديد انخفاض الإنتاجية بوصفه المشكلة الأساسية للزراعة السودانية،
وما يزال يُعزى إلى «تخلّف» المزارعين العاديين.23 وكما في عهد نميري، يتحدث المسؤولون عن الإمكانات غير المستغلة للسودان كأمة زراعية عظيمة، وعن «أراضٍ مهملة تنمويًا». وتُعد الزراعة المروية التي تيسّرها السدود مرادفًا مضمونًا لزيادة الإنتاج. إن تشييد السدود الكهرومائية الكبرى يروّض النهر ويتيح للمهندسين تنظيم الجريان، وتوجيه كميات كبيرة من مياه النيل إلى الحقول الجافة لإحيائها «لصالح الشعب السوداني»—لاحظ أصداء هيرودوت ومحمد علي عن الحضارة الهيدروليكية في مصر، أو البريطانيين عن مشروع الجزيرة (Fuller، 1984). لقد تحولت حداثة نميري إلى حداثة نظام الإنقاذ، المعتمدة على النفط، والتمويل الدولي، والهندسة المائية عالية التقنية، ومشروعات البنية التحتية الضخمة.
وقد يكون هذا قِصر نظر يتقمص هيئة رؤية؛ فمع أن السودان يمتلك بالفعل إمكانات زراعية، فإن القليل—إن وُجد—من الأراضي الجيدة غير مأهول حقًا، ومن شبه المؤكد أن الاستيلاء عليه للاستثمار التجاري سيؤدي إلى صدامات عنيفة مع صغار المزارعين أو الرعاة؛ كما ينبغي التعامل بحذر مع الأفكار التي تدعو إلى وضع المراعي في «استخدامات أكثر إنتاجية»، بالنظر إلى السجل الكارثي لثورات الخرطوم الزراعية وهندسة المياه تحت راية «الحضارة». وعلى الرغم من الادعاء بفرض «شروط صارمة» على الاستثمارات الأجنبية في الأراضي والسدود،24 يُتجاهل منتجو الكفاف، ويُقال للجمهور إن «معجزة كنانة» المذكورة آنفًا هي نموذج المستقبل. وحتى اليوم، بعد خمسة وثلاثين عامًا، ما يزال موقع شركة سكر كنانة (KSC)—التي يضم مجلس إدارتها عددًا من الإسلاميين—يكرر فلسفة «سلة الغذاء» حرفيًا.25 وستتيح تعلية سد الروصيرص للسودان—لأول مرة—الوفاء بحصته وفق اتفاقية مياه النيل (18.5 مليار متر مكعب من المياه المستخدمة)، ما سيفرض خيارات صعبة بشأن أين تُخصص المياه للري وأين لا. ومن المتوقع أن تُؤطر هذه الخيارات بلغة التنمية التكنوقراطية والضرورات العالمية في محاولة لحجب كيف يُعاد، مرة أخرى، خلق الندرة وروابطها بالعنف على نحو مصطنع لضمان استدامة نظام الإنقاذ.
الخاتمة: الجانب المظلم لأوهام فاتا مورغانا1 التنموية
في السنوات الأخيرة، ارتبطت النبوءات الكئيبة بتغير المناخ والأمن الدولي وفشل الدولة. لقد تحدى هذا المقال الفرضية القائلة بزيادة «الصراعات البيئية» ومفهومها اللاسياسي لـ «الندرة» وغالبًا، «التنمية». من الناحيتين النظرية والعملية، رفض المقال التقليد المالتوسي وافتراضاته المتعلقة بمآسي الملكيات المشتركة وتركيزه على البيئة كمتغير خارجي ومستقل يسبب الحرب. هناك بعد بيئي للصراع، لأن تفاعلات الناس مع
بيئتهم تُعدّ حاسمة في تشكيل استراتيجيات معيشتهم، ولأن سبل العيش مرتبطة بدورها بالعنف، لكن هذا أمر واضح من نفسه. البيئة والتنمية والصراع مترابطون، ومع ذلك، ما هو مطلوب ليس التشاؤم المتهم للفقراء كمصدر لانهيار البيئة، بل تحليل متعمق للأسباب والنتائج. مستند إلى التاريخ ومتميز بفحص كيفية تشكيل الديناميات المحلية كجزء من العمليات الوطنية والعالمية الأوسع للاحتواء والاستبعاد والمقاومة، تقوم هذه المقاربة بفحص الواقعين المادي والخطابي. ومن ادعاءات هذا المقال أن «الأزمات» السياسية والسرديات البيئية العالمية يتم توظيفها بنشاط من قبل فاعلين من الجنوب العالمي لأغراضهم الخاصة، بطرق يمكن أن تكون ضارة للغاية للمجتمعات المحلية. وقد يخفي خطاب المناخ–الصراع هذه المناورات الإشكالية.
إن الربط المتزايد والمنهجي بين تغير المناخ والأمن ليس نتيجة أدلة موضوعية جُمعت من مناطق الحرب مثل دارفور، بل هو نتاج ثلاثة تطورات مختلفة. الأول بلا شك هو أمننة الجنوب العالمي بعد عام 1989 والسعي المستمر لأمريكا لصياغة هوية أمن قومي في القرن الحادي والعشرين. في عصر الحرب العالمية على الإرهاب، تم تحديد «الدول الفاشلة» كتهديد مركزي، وبناءً على نموذج أفغانستان، يُنظر إلى الندرة البيئية كأحد الأسباب الداخلية للفشل (فيرهوفن، 2009). الثاني هو رغبة الأصوات الإصلاحية، على غرار بان كي مون، في دفع صانعي السياسات الرئيسيين إلى التعامل مع تغير المناخ بجدية أكبر من خلال ربطه بمخاوف الأمن المتأصلة عند الاتجاهات اليمينية. هذه الاستراتيجية مفهومة، لكنها، كما يتضح من دارفور، خطيرة لأنها تُعفي الجهات الفاعلة القوية من مسؤوليتها وتقترح حلولاً إشكالية مثل «المزيد من التنمية». الثالث هو الميل في صناعة السياسات والأكاديميا لتسليط الضوء على تعدد الأسباب. هذا اتجاه مرحب به، لكن التأكيد على «التعقيد» ليس بديلاً عن محاولة توضيح الروابط المقترحة بين البيئة والصراع وفحص الأسباب والنتائج الدقيقة التي يتم (أو لا يتم) تضمينها في النموذج.
لا يقلل هذا المقال من تأثير تغير المناخ على توفر الموارد. ومع ذلك، فإن الإصرار على فصل هذه التأثيرات عن الآليات الاجتماعية–السياسية والمعاني الثقافية التي تتوسط علاقة الإنسان بالبيئة يضيف القليل من حيث فهم الخيارات الواقعية المتاحة للمجتمعات واحتمالية نشوء العنف. علاوة على ذلك، ما يلفت الانتباه في عصر تغير المناخ هو غياب الصراع العنيف في البيئات الصعبة، وليس انتشاره المذهل: لماذا تتمكن معظم المجتمعات والدول من منع السيناريوهات المالتوسية؟ اللغز الحقيقي يكمن في فهم أفضل لكيفية استمرار التعاون بشأن استخدام الموارد بشكل عام (حتى لو كان غالبًا من خلال علاقات قوة غير متكافئة)، ولكنه ينهار أحيانًا؛ وتبدو الإجابات متجذرة في الترتيبات المؤسسية (الرسمية وغير الرسمية) التي تحكم مثل هذه التفاعلات وحسابات الفاعلين الرئيسيين المتغيرة.
القدرة على التكيف مع الاضطرابات البيئية الحقيقية أو المتصورة هي جزء من تحدي تغير المناخ (ريبوت، 2010)؛ والسؤال المركزي يبدو أنه يتعلق باستعداد النخب المحلية والوطنية لاستغلال هذه الحقائق البيئية الجديدة وإعادة إشعال الهياكل التي تشترك في تحديد قدرة المجتمع على الصمود. غالبًا ما يجب عدم اعتبار انهيار المؤسسات والعنف المصاحب لها فشلًا مؤسفًا لنظام قديم نتيجة صدمة بيئية، بل نتاجًا لوكالة النخبة التي تؤدي وظيفة معينة وتعتمد على السردية اللا-سياسية للتغيير البيئي الخارجي الذي «يُجبر» (أحيانًا بعنف) على تعديل التوازن المؤسسي.
توضح دراسات الحالة السودانية هذه النقاط. لقد تم إسقاط أحلام فاتا مورغانا حول وفرة الموارد على طول النيل ومخاوف الانهيار المالتوسي في حزام السودان الساحلي منذ الحقبة الاستعمارية، لكنها كانت دائمًا أكثر من مجرد سوء فهم كارثي للإيكولوجيا السياسية المعقدة. كانت — ولا تزال — سرديات قوية تبرر مشاريع معينة من «التنمية» التي تدمج بشكل غير متكافئ أجزاء معينة من السودان في الاقتصاد العالمي، وتستبعد الآخرين بعنف. لقد تبنى النظام الحديث للنميري إعادة الهيكلة العالية تحت دعم المؤسسات المالية الدولية والخليجيين في ظل المخاوف بشأن أزمة الموارد العالمية، مما مهد الطريق للحرب والمجاعة. قامت الإنقاذ بتطبيق متطرف للاستراتيجية السياسية–الاقتصادية للنميري، أولًا عبر تطويرها لإنشاء علاقة عابرة للحدود بين الإسلاميين والمصرفيين والمزارعين والجنرالات، ثم دفعها إلى أقصى حدود العنف عند إطلاق ثورة الخلاص. وقد ترسخت عدم المساواة وهيمنة أولاد البلد، مما أدى إلى التمرد في دارفور. لم تكن دارفور حربًا قبلية–إيكولوجية، بل اندمجت الفوارق السياسية–الاقتصادية الطويلة الأمد مع تداعيات صراعات السلطة الوطنية؛ دارفور ليست أول صراع ناجم عن تغير المناخ، والتنمية اللا-سياسية ليست الحل.
مدى الضرر الذي يمكن أن تسببه التنمية «الخضراء» بقيادة الخرطوم يتضح من إحياء سلة الغذاء في ظل تصاعد القلق بشأن أسعار الغذاء العالمية وتغير المناخ. تتصور المهمة الهيدرواقتصادية الإسلامية إدماج الموارد الطبيعية السودانية في الاقتصاد العالمي لضمان استمرار الهيمنة. وتعود فوائد السدود والزراعة المكثفة بالري إلى العملاء المحليين والنخبة التجارية المتدينة والممولين الصينيين–العرب؛ بينما تتحمل التكاليف عادة المجتمعات المهمشة والمعارضون السياسيون. لقد استخدم المهندسون والمضاربون والساسة المحليون منذ زمن طويل الروابط المزعومة بين البيئة والتنمية لتبرير أحلامهم؛ وبفضل التشجيع الخارجي جزئيًا، تحولت هذه الأحلام إلى كوابيس لملايين السودانيين.
وبالتالي، يُصدر هذا المقال تحذيرًا بشأن صعود حكمة تقليدية جديدة: الصراع نتيجة تغير المناخ، والتنمية كحل. لقد كان النقاش عقب ارتفاع أسعار السلع سطحيًا، ولم يشر إلا قليلًا إلى كيفية ارتباط الأزمات المالية والغذائية والبيئية بشكل منهجي وإنتاج العنف في السياقات المحلية عبر الجنوب العالمي. هناك حاجة إلى حوار متعدد المستويات حول جانب الطلب لأزمات الموارد (بدلًا من الإفراط في التركيز على نقص الاستثمار في العرض) لفهم تزايد انعدام الأمان في الحقوق لكميات متزايدة من الناس والمستفيدين «العالمي–المحلي» من هذه الهشاشة المزمنة.
الاحتباس الحراري حقيقي، بما في ذلك في السودان حيث تتنبأ النماذج بزيادة معدل هطول الأمطار الإجمالي، مما يخفي زيادة الجفاف والفيضانات المفاجئة، والتي ستكون تحديات كبيرة لمنتجي المحاصيل الأساسية مثل الدخن والذرة. وسيضع ذلك ضغوطًا شديدة على استراتيجيات المعيشة المتاحة للمجتمعات الرعوية. السؤال المركزي هو ما إذا كانت المؤسسات العالمية والجهات الفاعلة السودانية ستتخلى عن الرؤى الكبرى غير المثبتة لمواجهة الفجوات الكبيرة في السلطة وفشل التنمية بقيادة الخرطوم الذي مزق البلاد. ما هو مطلوب أولًا هو الاعتراف بتعقيد التكيفات السياسية–الإيكولوجية المحلية، ثم تعديل المحفزات الهيكلية للتكيف مع «الصدمة»، بالإضافة إلى الترتيبات المؤسسية والآليات الاجتماعية–الاقتصادية التي تسمح بتكيفات مرنة قصيرة الأجل مع تزايد حالة عدم اليقين. ومع ذلك، بالنظر إلى الخطابات العالمية الحالية التي تجمع بين السذاجة والأمننة، فمن المرجح أن يعزز تغير المناخ الأنماط الأساسية للاقتصاد السياسي (الهيدروليكي) السوداني بدلاً من إضعافها. تواصل استراتيجيات العنف للنخب التظاهر بأنها ضرورات اقتصادية وصراعات بيئية لحماية مصالحها.

1. كلمة إيطالية وتشير للشكل المعقد من السراب الذي يظهر في نطاق ضيق





























المراجع
AFP (2008) ‘France Warns Climate Change Driving War, Hunger’. Agence France Presse
18 April. http://afp.google.com/article/ALeqM5h7l_NjlMjZF-QWDOwxIbibX5AEuA
African Rights (1995) Facing Genocide: The Nuba of Sudan. London: African Rights.
African Rights (1997) Food and Power in Sudan. London: African Rights.
Ahmed, A.G. (2008) ‘Transforming Pastoralism: A Case Study of the Rufa’a al Hoi Ethnic
Group in the Blue Nile State’. Sudan Working Paper. Bergen: Chr. Michaelsen Institute.
Al-Moghraby, A. (2006) ‘The State of the Environment in the Sudan, Fifty Years after Independence’.
Unpublished paper, Khartoum.
Amery, H. and A.Wolf (2000) Water in the Middle East. Austin, TX: University of Texas Press.
Ban Ki-Moon (2007) ‘A Climate Culprit in Darfur’, Washington Post 16 June.
Ban Ki-Moon (2008) Millennium Development Goals Report. New York: United Nations.
26. Interviews in Northern Sudan in 2009–10 see also Sudan’s National Adaptation Plan
(http://unfccc.int/resource/docs/napa/sdn01.pdf) and UNEP (2007).
Barbour, K.M. (1980) ‘The Sudan since Independence’, The Journal of Modern African Studies
18(1): 73–97.
Barnett, T. (1977) The Gezira Scheme. An Illusion of Development. London: Frank Cass.
Bassett, T.J. (1988) ‘The Political Ecology of Peasant–Herder Conflicts in the Northern Ivory
Coast’, Annals of American Geographers 78(3): 453–72.
Benjaminsen T. (2008) ‘Does Supply-Induced Scarcity Drive Violent Conflicts in the African
Sahel?’, Journal of Peace Research 45(6): 819–36.
Blaikie, P., T. Cannon, I. Davis and B. Wisner (2004) At Risk: Natural Hazards, People’s
Vulnerability and Disasters. London: Routledge.
Boserup, E. (1965) The Conditions of Agricultural Growth. London: Allen and Unwin.
Brown, L. (2008) Plan B 3.0. London: Norton.
Buhaug, H. (2010) ‘Climate not to Blame for African Civil Wars’, Proceedings of the National
Academy of Sciences 107(138):16477–82.
CNA Corporation (2007) National Security and the Threat of Climate Change. Alexandria,
VA: The CNACorporation. http://securityandclimate.cna.org/report/National%20Security%
20and%20the%20Threat%20of%20Climate%20Change.pdf
Cobham, A. (2005) ‘Causes of Conflict in Sudan: Testing the Black Book’. Working
Paper. Oxford: Oxford University, Department of International Development.
http://www3.qeh.ox.ac.uk/RePEc/qeh/qehwps/qehwps121.pdf
Collins, R. (1990) The Waters of the Nile. Hydropolitics and the Jonglei Canal 1900–1988.
Oxford: Oxford University Press.
Cotula, L., S. Vermeulen, R. Leonard and J. Keeley (2009) Land Grab´-or-Development Opportunity?
Agricultural Investment and International Land Deals in Africa. London: International
Institute for Environment and Development. http://pubs.iied.org/pdfs/12561IIED.pdf
Council of the European -union- (2008) ‘Climate Change and International Security. Report from
the Commission and the Secretary-General/High Representative to the European Council’.
7249/08 (3 March). Brussels: CEU.
Crossette, B. (1995) ‘Severe Water Crisis Ahead for Poorest Nations in Next Two Decades’,
New York Times 10 August.
Dalby, S. (2007) ‘Geopolitical Knowledge: Scale, Method and the “Willie Sutton Syndrome”’,
Geopolitics 12: 183–91.
Dam Implementation Unit (2008) ‘The Project of the Kajbar Dam: An Informative Summary.
The Project of Re-building Civilization through Re-Settlement’ [in Arabic]. Khartoum: DIU.
Dam Implementation Unit (2010a) ‘Contract Signed to Implement Upper Atbara and Siteit
Dam’ (25 May). Khartoum: DIU. http://www.diu.gov.sd/en/admin-en/newspublish/home.
viewdetails.php?news_id=192
Dam Implementation Unit (2010b) ‘Merowe Dam Project: A Battle of Dignity and Independence
of Decision’. Khartoum: DIU.
Deng, F. (1995) War of Visions. Washington, DC: Brookings Institution.
Deudney, D. (1990) ‘The Case against Linking Environmental Degradation and National Security’,
Millennium: Journal of International Studies 19(3): 461–76.
Diamond, J. (2006) Collapse: How Societies Choose to Fail´-or-Survive. New York: Penguin.
Duffield, M. (1990) ‘From Emergency to Social Security in Sudan: Part I’, Disasters 14(3):
188–203.
Ehrlich, P. (1971) The Population Bomb. London: Pan Books.
El Zain, M. (2006) ‘Reshaping the “Political”. The Nile Waters of Sudan’, in T. Tvedt and R.
Coopey (eds) A History of Water. The Political Economy of Water, pp. 117–50. London: IB
Tauris.
Fairhead, J. and M. Leach (1998) Reframing Deforestation. Global Analyses and Local Realities.
London: Routledge.
Faris, S. (2007) ‘The Real Roots of Darfur’, The Atlantic (April). http://www.theatlantic.
com/doc/-print-/200704/darfur-climate
Forsyth, T. (2003) Critical Political Ecology: The Politics of Environmental Science. London:
Routledge.
Fuller, T. (1984) ‘The Professionals’, in R. Collins and F. Deng (eds) The British in the Sudan,
1898–1956, pp. 134–71. London: Macmillan Press.
Gleditsch, N.P., H. Hegre and H.P. Wollebaek Toset (2007) ‘Conflicts in Shared River Basins’,
in V. Grover (ed.) Water: A Source of Conflict´-or-Cooperation?, pp. 39–66. Enfield: Science
Publishers.
Gleick, P. (1993) ‘Water and Conflict. Fresh Water Resources and International Security’,
International Security 18(1): 79–112.
Hale, W. and E. Ozbudun (2009) Islamism, Democracy and Liberalism in Turkey. London and
New York: Routledge.
Hales, G. (2010) Under Pressure. Social Violence over Land and Water in Yemen. Geneva:
Yemen Armed Violence Assessment/Small Arms Survey.
Hardin, G. (1968) ‘The Tragedy of the Commons’, Science 162(3859): 1243–8.
Hartmann, B. (1998) ‘Population, Environment and Security: The New Trinity’, Environment
and Urbanization 10(2): 113–27.
Hashim,M.J. (2009) ‘The Dams of Northern Sudan and the Policy ofDemographic Engineering’.
Paper presented at the International Sudan Studies Conference, Pretoria (25–28 November).
Hassan, F. (1997) ‘The Dynamics of a Riverine Civilization. A Geoarchaeological Perspective
on the Nile Valley, Egypt’, World Archaelogy 29(1): 51–74.
Hensel, P., S. McLaughlin Mitchell and T. Sowers (2006) ‘Conflict Management of Riparian
Disputes’, Political Geography 25 (Special Issue): 384–411.
Higgins, G.M., A.H. Kassam and L. Naikan (1982) Potential Population Supporting Capacities
of Lands in the Developing World. Rome: Food and Agriculture Organization.
Hoile, D. (2008) Darfur: The Road to Peace. London: European-Sudanese Public Affairs Council.
Holt, P.M. and M.W. Daly (1988) A History of the Sudan. New York: Longman.
Homer-Dixon, T. (1999) Environment, Scarcity and Violence. Princeton, NJ: Princeton University
Press.
International Food Policy Research Institute (2006) ‘Empowering the Rural Poor under Volatile
Policy Environments in theNear East andNorth Africa Region. Case Study Sudan’.Khartoum
and Rome: IFPRI/IFAD.
International Monetary Fund (2010) ‘Sudan’. Country Report No. 10/256. Washington, DC:
IMF.
Johnson, D. (2003) The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Oxford: James Currey.
Kaplan, R. (1994) ‘The Coming Anarchy’, The Atlantic 273 (February): 44–76.
Keen, D. (1994) The Benefits of Famine. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Kevane, M. and L. Gray (2008) ‘Darfur: Rainfall and Conflict’, Environmental Research Letters
3: 1–10.
Khalid, M. (1985) Nimeiri and the Revolution of Dis-May. London: KPI.
Malthus, T. (1798) An Essay on the Principle of Population. London: J. Johnson.
Mamdani, M. (2009) Saviors and Survivors. London: Verso.
Mazo, J. (2010) Climate Conflict. How Global Warming Threatens Security and What To Do
About It. London: International Institute for Strategic Studies.
Meadows, D.H., D.K. Meadows, J. Randers and W.W. Behrens (1972) The-limit-s to Growth.
London: Earth Island.
Mitchell, T. (1989) The Colonization of Egypt. Cairo: American University Press.
Myers, N. (1993) Ultimate Security. London: Norton.
Niblock, T. (1987) Class and Power in Sudan. Basingstoke: Macmillan Press.
O’Brien J. (1985) ‘Sowing the Seeds of Famine’, Review of African Political Economy 33
(August): 23–32.
O’Lear, S. (2003) ‘Environmental Terrorism: A Critique’, Geopolitics 8(3): 127–50.
Oesterdikhoff, P. and K.Wohlmuth (1983) ‘The “Breadbasket” Is Empty’, Canadian Journal of
African Studies 17(1): 35–67.
Organisation Mondiale Contre la Torture (OMCT) (2007) ‘Sudan. Ongoing Violence against
Communities Resisting Dam Construction in the Northern Nile Valley’. Geneva: OCMT.
Peluso, N.L. and M. Watts (eds) (2001) Violent Environments. Ithaca, NY: Cornell University
Press.
Rangasami, A. (1985) ‘“Failure of Exchange Entitlements” Theory of Famine. A Response’,
Economic and Political Weekly XX (41/42): 1747–51, 1791–1800.
Ribot, J. (2010) ‘Vulnerability Does Not Just Come from the Sky: Framing Grounded Pro-poor
Cross-scale Climate Policy’, in R. Mearns and A. Norton (eds) Social Dimensions of Climate
Change: Equity and Vulnerability in a Warming World. New Frontiers of Social Policy, pp.
47–74. Washington, DC: The World Bank.
Robbins, P. (2008) ‘The State in Political Ecology’, in K. Cox, M. Low and J. Robinson (eds)
The SAGE Handbook of Political Geography, pp. 205–18. London: Sage
Roessler, P. (2010) ‘Internal Rivalry, Threat Substitution and Civil War: Darfur as a Theory-
Building Case’. Unpublished manu-script-, University of Oxford.
Sachs, J. (2008) Commonwealth: Economics for a Crowded Planet. London: Allen Lane.
Sanderson, G.N. (1985) ‘The Ghost of Adam Smith. Ideology, Bureaucracy and the Frustration
of Economic Development in the Sudan, 1934–1940’, in M.W. Daly Modernisation in the
Sudan, pp. 101–20. New York: Lilian Barber Press.
De Soysa, I. (2000) ‘The Resource Curse: Are Civil Wars Driven by Rapacity´-or-Paucity?’, inM.
Berdal and D. Malone (eds) Greed & Grievance, pp. 113–35. Boulder, CO: Lynne Rienner.
Stucki, P. (2005)WaterWars orWaterPeace? Geneva: Programme for Strategic and International
Security Studies.
Suliman, M. (1997) ‘Civil War in Sudan: The Impact of Ecological Degradation’, Contributions
in Black Studies 15(1). http://scholarworks.umass.edu/cibs/vol15/iss1/7
SupremeCouncil forAgriculturalRevival (2008) ‘The Executive Programme for the Agricultural
Revival’. Khartoum: SCAR.
Thomas, D.S.G. and T. Middleton (1994) Desertification: Exploding the Myth. Chichester:
Wiley.
Tiffen, M. (1995) ‘Population Density, Economic Growth and Societies in Transition’, Development
and Change 26(1): 31–66.
Tignor, R. (1987) ‘The Sudanese Private Sector. A Historical Overview’, The Journal of Modern
African Studies 25(2): 179–212.
Time (2007) ‘How to Prevent the Next Darfur’, Time 26 April. http://www. time.com/time/
magazine/article/09171,1615171,00.html (accessed 7 December 2010).
Mazo J. (2010) Climate Conflict. London: International Institute for Strategic Studies
United Nations Environmental Programme (UNEP) (2007) ‘Sudan: Post-Conflict Environmental
Assessment’. http://www.unep.org/sudan (accessed 30 January 2011).
Verhoeven, H. (2009) ‘The Self-Fulfilling Prophecy of Failed States. Somalia, State Collapse
and the Global War on Terror’, Journal of Eastern African Studies 3(3): 405–25.
Verhoeven, H. (2011) ‘Black Gold for Blue Gold? Energy Policy in the Horn of Africa and the
Limits to Regional Integration for Sudan and Ethiopia’. Briefing Paper. London: Chatham
House.
Verhoeven, H., L.Kemunto-Bosire and S. Srinivasan (2009) ‘Understanding Sudan’s Saviors and
Survivors. Darfur in the Crossfire between Humanitarian Fundamentalism and Khartoum’s
Divide and Rule’, Review of African Political Economy 36(122): 630–5.
De Waal, A. (2005) Famine That Kills. Oxford: Oxford University Press.
De Waal, A. (2007) ‘Sudan. What Kind of State? What Kind of Crisis?’. Occasional Paper.
London: Crisis States Research Centre.
De Waal, A. and A.H. Abdel Salam (2004) ‘Islamism, State Power and Jihad in Sudan’, in A.
De Waal Islamism and its Enemies in the Horn of Africa, pp. 71–113. London: Hurst &
Company.
Waterbury, J. (1979) Hydropolitics of the Nile Valley. Syracuse, NY: Syracuse University Press.
Waterbury, J. (1983) The Egypt of Nasser and Sadat. The Political Economy of Two Regimes.
Princeton, NJ: Princeton University Press.
Westing, A.H. (1981) ‘A World in Balance’, Environmental Conservation 8(3): 177–83.
Wittfogel, K.A. (1957) Oriental Despotism. New Haven, CT: Yale University Press.