نحو ثورة ظافرة و حقيقية ، ما بعد هزائم الربيع العربي


مازن كم الماز
2026 / 7 / 9 - 14:10     

لا شك ان الثورات الانكليزية و الفرنسية و الامريكيه و الروسية من بين عدد يكاد لا يحصى من الثورات قد لعبت دورًا هائلًا في تشكيل عالمنا اليوم سلبًا أو إيجابًا ، صحيح ان الإعداد لهذه الثورات قد جرى في عقول بعض المفكرين ، في نقاشاتهم و كتاباتهم لكن هذه الثورات كانت تمرينًا فعليًا لأعداد كبيرة من الأفراد و مقدمة لتشكل الجماهير و تنامي دورها في السياسة على عكس ما عرفته البشرية من قبل بتركز السياسة بيد الحكام و حاشياتهم و اقتصار دور "الجماهير" على تقديم لحمها الحي لخدمة السادة الحاليين و المحتملين خاصةً على مذبح الأديان و تفرعاتها التي لم تكف عن الظهور و التوالد حتى يومنا … في منطقتنا بعيدًا عن التمردات و الصراعات العشائرية أو المرتبطة بجماعات دينية و طائفية يمكن القول أن الثورة التركية 1908 و الثورة الدستورية الايرانية 1905 - 1911 هما أول ثورتين حديثتين في تاريخ منطقتنا ، ثورتين جماهيرتين نسبيًا أبعد من مجرد انقلاب في القصر كما اعتاد الشرق قبلهما ، و ثورتين ناجحتين و لو موقتًا ، تمكن رجال تركيا الفتاة من إنهاء قرون من الملكية المطلقة و استبدالها أخيرًا بديكتاتورية الباشوات الثلاثة بعد شهر عسل ديمقراطي قصير و انقلاب رجعي فاشل … سقطت ديكتاتورية الباشوات الثلاثة بعدما قادت الدولة العثمانية إلى هزيمة ماحقة متأخرة في الحرب العالمية الاولى ليكمل مسيرتها ديكتاتور مصنف على انه علماني في إنجاز "مهام" و أهداف ثورة 1908 ؛ في إيران لم تقم الجمهورية حتى عام 1979 و كانت جمهورية إسلامية … لا شك أن نتائج الثورات لا تتحدد بأهداف من مهدوا لها بأفكارهم و نقدهم الراديكالي للواقع و لا حتى من قاموا بها ، هذه النتائج تعتمد على نتيجة صراع و مخاض طويل تخوضه القوى المجتمعية المختلفة و المتعارضة ، لم تكن الثورة الروسية 1917 ثورة بلشفية منذ البداية و لو أن البلاشفة كانوا جزءً فاعلًا و مهمًا فيها لكنها ستنتهي كذلك ، و لعبت الصفات و القناعات الشخصية "للآباء المؤسسين" أو لقادة الثورة الامريكية دورًا حاسمًا في شكل و مضمون البديل التالي أو الدولة الامريكية الوليدة … يمكن القول بعد كل ذلك ان الربيع العربي كان نتيجة مخاض طويل او لنكون اكثر تحديدا فترة إعداد طويلة نسبيًا من لعبة القط و الفأر بين جماعات من الناشطين الحقوقيين الذين جذبتهم ثقافة ليبرالية مائعة و بقايا تنظيمات سياسية كان الإسلاميين أكثرها جماهيرية و قدرات و تنظيمًا و حصولًا على الدعم الخارجي المؤثر و بين الأنظمة السابقة التي اعتقدت أنها قادرة على الإمساك بخيوط اللعبة و لم تكن تنتظر دخول الملايين أو حتى مئات الآلاف إلى ساحة الفعل المباشر ، و هذا ما نرى الأنظمة الحالية تتحاشاه بكل حرص و إصرار ، يمكن القول بدرجة عالية من الصحة ان الفرق بين انتفاضة 1977 في مصر و انتفاضات الخبز في تونس و المغرب و انتفاضة الجزائر 1988 و بين انتفاضات الربيع العربي هو أنه في عام 2010 - 2011 كانت قد تشكلت حلقة واسعة نسبيًا من الناشطين السياسيين و الحقوقيين الذين تمتعوا بدرجة معينة من حرية العمل و الكلام حتى في سوريا و اليمن و ليبيا و البحرين و هذا بالضبط ما تحرص الأنظمة الحالية على قمعه و تقييد خطره عبر قمع و إلغاء أي هامش للفعل و الاحتجاج السياسي المنظم ، ليس فقط نظامي السيسي و سعيد ، و لا أنظمة الخليج السوبر استبدادية ، بل نظام الجولاني في دمشق الذي يستخدم كل وسيلة متاحة من الطائفية و تسعير الكراهية بين السوريين و حتى بين البشر لمحاصرة أي احتمال لفعل أو احتجاج سياسي منظم و ما يشبه ذلك من تكريس لحالة الفوضى و سلطة الميليشيات في ليبيا و حالة الحرب الاهلية في اليمن و السودان … تمكنت حلقات الناشطين السياسيين و الحقوقيين بعد انضمام جماهير واسعة من مفاجأة نظام زين العابدين ثم مبارك و إطالة فترة الاحتجاجات و الاعتصامات و من ثم من إجبار رأس النظام على التنحي لإنقاذ النظام بفضل رفض الجيشين التونسي و المصري التدخل المباشر ضد الثوار ، عندما بدأت الاحتجاجات في ليبيا و سوريا و اليمن و البحرين كانت الأنظمة أكثر استعدادًا و تصميمًا على المقاومة حتى النهاية و كانت تتمتع بسيطرة أكبر على قواتها المسلحة التي سرعان ما دخلت المعركة دفاعًا عن رأس النظام بالذات