أطلقوا سراح والده: الطبيب الذي تركته إسرائيل ليموت


جدعون ليفي
2026 / 7 / 9 - 04:48     

ما تبقى من عائلة الدكتور حسام أبو صفية يعيش متكدسا داخل شقة في مدينة ألماتي. فقد نجحت سفارة كازاخستان في تل أبيب في إخراج العائلة من غزة، بعدما اختطفته إسرائيل، وقتل ابنه إبراهيم في غارة نفذتها طائرة إسرائيلية مسيّرة، فيما أصيب ابناه الآخران بجروح. واليوم يقيم الجميع في منزل الجدة، والدة زوجته الكازاخية ألبينا.
ووفقا لما أورده المحامي الذي التقى به الأسبوع الماضي، فإن أبو صفية يحتضر.
قال المحامي إنه واجه صعوبة في التعرف عليه. وأضاف أن موكله يعاني صعوبة في التنفس والكلام وحتى في الجلوس.
لكن إسرائيل لم تبدِ أي اكتراث، إذ تعتبر الطبيب إرهابيا.
أما في المنزل الكائن في ألماتي، فإن القلق والخوف ينهشان أفراد العائلة إلى درجة أنهم لم يعودوا قادرين على النوم ليلا.
وهناك أيضا عدد من الإسرائيليين الذين تؤرقهم لياليهم بسبب مصير الطبيب المختطف، الذي أصر على البقاء إلى جانب مئات الأطفال الجرحى في مستشفى كمال عدوان الذي كان يديره.
قبل أيام، تحدثت مطولا مع ابنه الأكبر، إلياس، البالغ من العمر 28 عاما، وهو فني مختبرات. كان يتحدث إلي من شقة جدته في ألماتي، وكانت الدموع تخنق صوته في بعض اللحظات.
آخر مرة رأى فيها والده كانت في المستشفى في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2024.
حاول يومها إقناعه بالمغادرة قائلا:
"لقد قُتل إبراهيم، وأصيب إدريس بقصف استهدف منزلنا، وأصبتُ أنا برصاصة. ليس لدينا ما نأكله يا أبي... فلنغادر."
لكن أبو صفية أجابه بأنه لا يستطيع التخلي عن الأطفال الـ187 الذين كانوا يتلقون العلاج في المستشفى بسبب الحروق والإصابات البالغة.
وقال لابنه:
"أطفالي ليسوا أهم من أطفال المستشفى."
كما مارس عليه أحد عناصر جهاز جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، الذي كان يعرف باسم "الكابتن فال"، ضغوطا لمغادرة المستشفى، لكنه أجابه بأنه لن يغادر إلا برفقة مرضاه.
ويعتقد إلياس أن والده اختُطف لأنه كان يتحدث إلى وسائل الإعلام الدولية عما يجري داخل المستشفى.
ويقول:
"لم يهاجم إسرائيل قط، بل كان يحاول فقط حشد المساعدة."
وكان أبو صفية يرسل لذلك الضابط صورا من داخل المستشفى، لكن من المشكوك فيه أنها أثرت فيه.
كان المستشفى مليئا بجثامين الأطفال.
وعندما كان الآباء والأمهات يأتون بحثا عن أطفالهم، كان أبو صفية يسألهم عن عمر الطفل، ثم يسلمهم كيسا يحتوي على بقايا جثمان يتناسب وزنه مع عمره.
فالرضيع البالغ عاما واحدا: كيلوغرام واحد.
والطفل البالغ خمس سنوات: خمسة كيلوغرامات.
أطفال موتى يُسلّمون بحسب الوزن.
إذ كان من المستحيل التعرف إلى الجثامين بعدما احترقت وسُحقت، ولذلك اضطر إلى فعل ما فعل.
دفن ابنه إبراهيم، الذي قُتل بنيران الجيش الإسرائيلي، داخل ساحة المستشفى، ثم طلب من أبنائه بعد أيام نقل جثمانه إلى المقبرة.
كان يعلم أن إسرائيل ستدمر المستشفى، ولذلك كان يخشى على جثمان ابنه.
وكان إبراهيم في العشرين من عمره عندما قُتل.
بعد أربعين يوما من اختطافه من المستشفى، والذي وقع قبل نحو 550 يوما، تلقت العائلة أول دليل على أنه ما زال حيا.
كان محتجزا في الحبس الانفرادي داخل معسكر الاعتقال سديه تيمان.
ومنذ ذلك الحين، تنقل بين عدة سجون، فيما استمرت حالته الصحية في التدهور بشكل متواصل.
ومن الواضح أن إسرائيل تسيء معاملة الطبيب لمجرد الإساءة إليه.
وفي الشهر الماضي رفضت قاضية المحكمة العليا الإسرائيلية، جيلا كانفي شتاينيتس، الالتماس الذي تقدم به ضد استمرار احتجازه.
قال لي إلياس:
"هل لديك أطفال؟"
ثم تابع:
"بقدر ما يحبك أطفالك، فإننا نحن أيضا نحب والدنا ونشتاق إليه."
وفي شهر أيلول/سبتمبر المقبل، من المقرر أن تضع زوجة إلياس مولودا ذكرا في كازاخستان.
وسيطلقان عليه اسم إبراهيم، تخليدا لذكرى إبراهيم الذي قُتل.
لكن هذه ليست مجرد قصة مؤلمة عن رجل انتزع من زوجته وأطفاله.
إن ما يتعرض له أبو صفية من سوء معاملة لا يقل قسوة عن سوء المعاملة التي تعرض لها الرهائن الإسرائيليون.
فالتعذيب الجسدي والنفسي الذي يعانيه هو، في رأي الكاتب، نتاج سادية خالصة.
لقد تحول الوجه الودود لأبو صفية إلى وجه رجل لم يبقَ منه إلا شبح.
كما أصبح، بالنسبة للكاتب، وجها يجسد الشر الإسرائيلي.
ويختم جدعون ليفي مقاله بالقول:
"علينا الآن أن نفعل كل ما في وسعنا من أجل إطلاق سراحه. كان ينبغي أن يمسّ مصيره قلب كل إسرائيلي، بالقدر نفسه الذي يمسهم فيه مصير رهائنهم، لكن ذلك بات، للأسف، قضية ميؤوسا منها في واقع إسرائيل اليوم."