جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 2) - ج7 (مقال مُترجَم)


حسين محمود التلاوي
2026 / 7 / 9 - 02:54     

الفرنسية
II
كما رأينا، كان الاشتراكيون البريطانيون يعتقدون أن نمو القوى المنتجة أدى إلى تعميق انقسام المجتمع إلى طبقتين: "الأثرياء" و"الفقراء". وفي الوقت نفسه، كانوا يرون أن التعارض بين هاتين الطبقتين يتمثل في التعارض بين أصحاب العمل والعمال المأجورين؛ فصاحب العمل يستولي على الجزء الأكبر من القيمة التي يخلقها عمل العامل. وكان "تشارلز هول" قد أدرك هذه الحقيقة منذ وقت مبكر، غير أن الكُتّاب الاشتراكيين الفرنسيين لم يتوصلوا إلى إدراكها إلا تدريجيًّا. وحتى أولئك الذين وعوا أن التناقض الأساسي في المجتمع المعاصر يكمن في التعارض بين مصالح رأس المال ومصالح العمل المأجور، لم يبلغوا في فهمهم لهذا التناقض الدرجة نفسها من الوضوح التي نجدها في كتابات "وليم طومسون" وجون جراي" و"توماس هودجسكين".
كان "سان سيمون"[60] امتدادًا مباشرًا للعمل الفكري الذي أنجزه منظرو الطبقة الثالثة في القرن الثامن عشر. فهو لم يتحدث عن استغلال أصحاب العمل للعمال، بل رأى أن أصحاب العمل والعمال معًا يقعون ضحية لاستغلال "الطبقة العاطلة"، التي كانت تضم أساسًا الأرستقراطية والبيروقراطية. وكان سان سيمون ينظر إلى أصحاب العمل بوصفهم الممثلين الطبيعيين والمدافعين عن مصالح العمال.
أما تلامذته فقد مضوا خطوة أبعد؛ فعند تحليلهم لمفهوم "الطبقة العاطلة"، لم يقصروه على ملاك الأراضي الذين يستغلون "الطبقة العاملة" عن طريق الريع العقاري، بل أدرجوا فيه الرأسماليين أيضًا. غير أنهم كانوا يقصدون بالرأسماليين أولئك الذين يحصلون على دخولهم من فوائد رؤوس الأموال فحسب. أما ربح صاحب العمل، في رأيهم، فلم يكن سوى مقابلٍ لعمله، ومن ثم رأوا أنه لا يتعارض مع أجور العمال.[61]
ونجد هذا الغموض نفسه في مؤلفات "برودون"، وذلك بعد ربع قرن كامل من الزمن![62] فقد كتب في مارس 1850:
"إن اتحاد البرجوازية والبروليتاريا يعني اليوم، كما كان يعني من قبل، تحرير القن، والتحالف الدفاعي والهجومي بين الصناعيين والعمال ضد الرأسمالي والإقطاعي"
أما "لويس بلان" [63] فقد كان أكثر وضوحًا في فهم هذه المسألة؛ فقد رأى أن التناقض الاجتماعي الذي نتحدث عنه يتخذ صورة التعارض بين البرجوازية والشعب. غير أنه يقصد بالبرجوازية "مجموع المواطنين الذين يمتلكون أدوات العمل أو رأس المال، ويعملون بوسائلهم الخاصة، ولا يعتمدون على غيرهم إلا إلى حد معين".
لكن ماذا يعني قوله: "إلى حد معين"؟ وكيف ينبغي أن نفهم تصوره القائل إن البرجوازيين يعملون بوسائلهم الخاصة؟ أكان يقصد البرجوازية الحرفية الصغيرة وحدها؟ أم إنه، شأنه شأن أتباع "سان سيمون"، كان يعتبر أن ربح صاحب العمل هو أجر مقابل عمله؟ إن كتاباته لا تقدم جوابًا واضحًا عن ذلك.
أما "الشعب" فيعرفه "لويس بلان" بأنه "مجموع المواطنين الذين لا يملكون رأس مال، ويعتمدون اعتمادًا كاملًا على غيرهم في توفير ضروريات الحياة".[64] وهذا التعريف، في حد ذاته، لا يدعو إلى الاعتراض. غير أن الاعتماد على الآخرين قد يتخذ صورًا متعددة؛ ولذلك فإن مفهوم "الشعب" عند لويس بلان لا يتطابق مع مفهوم "العامل المأجور" الأكثر دقة، الذي اعتمده الاشتراكيون البريطانيون في تحليلاتهم.
وعلى أية حال، لم يكن لويس بلان شديد الاهتمام بالمفاهيم الاقتصادية؛ فقد أولى هذه المفاهيم اهتمامًا أكبر كل من "جان رينو"[65] و"بيير ليرو".[66] وكان الاثنان قد انتميا في البداية إلى مدرسة سان سيمون، ثم سرعان ما انصرفا عنها لعدم اقتناعهما بتعاليمها.
وقد ذهب "جان رينو" إلى أن الشعب يتكون من طبقتين متعارضتي المصالح: البروليتاريا والبرجوازية. فعرف البروليتاريين بأنهم "الذين ينتجون كل ثروة الأمة، ولا يملكون شيئًا سوى الأجر اليومي الذي يتقاضونه لقاء عملهم". أما البرجوازية فعرفها بأنها "الذين يمتلكون رأس المال ويعيشون من عوائده".
وقد وافق "بيير ليرو" على صحة هذين التعريفين، بل حاول أن يحدد عدد البروليتاريين، فذهب إلى أن عددهم في فرنسا يبلغ نحو ثلاثين مليون نسمة.[67] ومن الواضح أن هذا الرقم كان مبالغًا فيه؛ إذ لا يوجد في فرنسا، حتى في الوقت الحاضر، هذا العدد من البروليتاريين. وقد نشأت هذه المبالغة من إدخاله الفلاحين والمتسولين ضمن البروليتاريا، وكان يقدر عدد المتسولين وحدهم بنحو أربعة ملايين.
ووقع "جان رينو" في الخطأ نفسه عندما أدرج فلاحي الريف ضمن البروليتاريا، رغم أن تعريفه لمفهوم البروليتاري لا ينسجم مع ذلك. ومن هذه الناحية، تبدو آراؤه وآراء بيير ليرو قريبة جدًا من آراء الترودوفيكيين الروس.[68]
ومن السهل أن نفهم، في ضوء ذلك، السبب الذي جعل التصورات الاقتصادية للاشتراكيين الفرنسيين في العصر الطوباوي أقل وضوحًا من نظيراتها عند الاشتراكيين البريطانيين؛ فقد كانت السمات المميزة للعلاقات الرأسمالية في بريطانيا أكثر تطورًا وظهورًا منها في فرنسا.
ومع ذلك، فإن هذا الوضوح النسبي الذي تميز به الاشتراكيون البريطانيون في المسائل الاقتصادية لم يمنعهم من الاعتقاد بأن البروليتاريا والبرجوازية، رغم تعارض مصالحهما الاقتصادية تعارضًا جذريًا، تستطيعان أن تنجزا الإصلاح الاجتماعي في جو من الوفاق التام. لقد أدركوا وجود الصراع الطبقي في المجتمع القائم، لكنهم أدانوه بصورة قاطعة، ولم يروا في أي ظرف من الظروف أن تحقيق مشروعهم الإصلاحي ينبغي أن يرتبط به.
وفي هذا الجانب، لم يكن هناك فرق بينهم وبين غالبية الاشتراكيين الفرنسيين. فقد كان "سان سيمون" وأتباعه، وـشارل فورييه" والفورييريون، و"إتيان كابيه"، و"برودون"، و"لويس بلان"، على الرغم من اختلافاتهم الواسعة في كثير من القضايا، متفقين جميعًا على أن الإصلاح الاجتماعي لا يقوم على الصراع الطبقي، بل على المصالحة الكاملة بين الطبقات.
وسنرى لاحقًا أن الاشتراكيين الطوباويين الفرنسيين لم يكونوا جميعًا رافضين للصراع الطبقي. إلا أنه ينبغي أن نتذكر الآن أن أغلبهم كانوا يعارضونه، وأن هذه المعارضة هي التي تفسر ابتعادهم عن العمل السياسي.
وفي منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أعرب أبرز تلامذة "فورييه"، "فيكتور كونسيديران"،[69] عن ارتياحه لتراجع اهتمام الفرنسيين بالسياسة. وكان يعزو ذلك إلى "الأخطاء النظرية" التي وقع فيها السياسيون؛ إذ كانوا، بدلًا من البحث عن الوسائل الكفيلة بالتوفيق بين المصالح، يؤججون الصراع بينها؛ وهو صراع — كما قال — "لا يعود بالنفع إلا على أولئك الذين يتاجرون به".[70]
وللوهلة الأولى، يبدو هذا الميل السلمي لدى أغلب الاشتراكيين الطوباويين الفرنسيين غريبًا في بلد لم يمضِ على الثورة الكبرى فيه وقت طويل، وكان المنتظر أن يكون مفكروه التقدميون أكثر الناس تعلقًا بتقاليدها الثورية. غير أن التمعن في الأمر يكشف أن ذكريات تلك الثورة نفسها هي التي دفعت مفكرين؛ مثل "فيكتور كونسيديران"، إلى البحث عن الوسائل الكفيلة بوضع حد للصراع الطبقي. فقد كانت نزعتهم السلمية، في حقيقتها، رد فعل نفسيًّا على الأهوال الثورية التي شهدها عام 1793.
لقد كان معظم الاشتراكيين الطوباويين الفرنسيين يرتعدون من احتمال أن يبلغ صراع المصالح مرة أخرى الحدة نفسها التي بلغها في ذلك العام التاريخي. ففي أول مؤلَّف لـ"فورييه"، نظرية الحركات الأربع والمصائر الاجتماعية، الصادر عام 1808، تحدث بغضب عن "كارثة عام 1793"، التي رأى أنها دفعت المجتمع المتحضر إلى حافة الهمجية.
أما "سان سيمون"، فقد سبق فورييه إلى وصف الثورة الفرنسية بأنها أعنف انفجار عرفه التاريخ، وأشد الكوارث فتكًا.[71]
وقد دفع هذا الموقف من "كارثة عام 1793" فورييه إلى اتخاذ موقف سلبي من فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر، مع أنه كان مدينًا لها في المبادئ الأساسية لنظريته. ولم يكن "سان سيمون" أكثر قبولًا لتلك الفلسفة، على الأقل من حيث بدا له أنها كانت نزعة هدامة أسهمت في أحداث عام 1793.
ورأى "سان سيمون" أن المهمة الأساسية للفكر الاجتماعي في القرن التاسع عشر هي البحث عن الوسائل الكفيلة "بوضع حد للثورة".[72] وقد حاول أتباعه في ثلاثينيات وأربعينيات القرن نفسه حل المشكلة ذاتها، وإن كان اهتمامهم قد انصرف إلى ثورة عام 1830 لا إلى الثورة الفرنسية الكبرى.
وكان من أبرز الحجج التي ساقوها دفاعًا عن مشروعهم للإصلاح الاجتماعي أن هذا الإصلاح — أو "التنظيم" أو "التشارك"، بحسب تعبيرهم — كفيل بإيقاف الثورة. ولذلك كانوا يلوحون لخصومهم بشبح الثورة.
وفي عام 1840، أشاد "بارتليمي بروسبر أنفانتان" بأتباع "سان سيمون" لأنهم كانوا قد أطلقوا في ثلاثينيات القرن، عندما بدأت البروليتاريا تختبر قوتها في انتفاضة ناجحة ضد العرش، صرختهم الشهيرة: "ها هم البرابرة قادمون!". ثم أضاف، في شيء من الاعتزاز، أنه لا يزال، بعد مرور عشر سنوات، يردد الصرخة نفسها: "ها هم البرابرة قادمون!".[73]

رابط الجزء الأول:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917949&nm=1

رابط الجزء الثاني:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918514

رابط الجزء الثالث:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918863&nm=1

رابط الجزء الرابع:
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=921650&r=0

رابط الجزء الخامس:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=923185&nm=1

رابط الجزء السادس:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=924942&nm=1