ظننتها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو عملا فنيا... لكنها كانت صورة فلسطيني مقيد إلى عمود في غزة
جدعون ليفي
2026 / 7 / 7 - 03:47
كان مستلقيا على بطنه، شبه عار، لا يرتدي سوى ملابسه الداخلية. عيناه معصوبتان بقطعة قماش، ووجهه مضغوط إلى سرير ميداني وضعه عليه خاطفوه. يداه موثقتان خلف ظهره بأربطة بلاستيكية محكمة الإغلاق، تشد معصميه بقسوة وألم. كما رُبط جذعه إلى السرير بالحبال، وتظهر على ساقه كدمتان حمراوان.
حتى هذه اللحظة، تبدو الصورة مشهدا مألوفا لفلسطيني معتقل، لكن هذه المرة أضيف إلى مشهد الإذلال عنصر غير مألوف: عمود خشبي، غُطي أعلاه بالحديد لسبب غير واضح. وقد رُبط بمحاذاة جسده بالكامل، ليبدو كأنه رمح إفريقي. وقد يخمّن المرء أن الغرض منه منع الضحية من الانحناء أو الحركة، ولو للحظة واحدة.
للوهلة الأولى، ظننت أن الصورة عمل فني احتجاجي، أو ربما صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تعكس اليأس أمام أهوال غزة. لكنها لم تكن كذلك. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه "تم تحديد الحادثة المعنية"، وأنها "تخضع للتحقيق على مستوى القيادة"، وأن "المتورطين سيُعاملون وفقاً لنتائج التحقيق".
ولا حاجة لإهدار الكلمات في توقع كيفية "التعامل" معهم. ففي أفضل الأحوال، قد يُعلق عمل الجنود المسيئين لساعتين فقط. فهذا، في نهاية المطاف، هو "الخدمة المهمة" التي حلموا بأدائها في غزة.
لقد شاهدنا صورا أكثر رعبا من هذه، لكنها لم تكن مرعبة بالطريقة التي ترعب بها هذه الصورة. فلا دماء فيها، ولا أطراف مبتورة، ولا أجساد ممزقة على ما يبدو. كل ما فيها رجل مقيد إلى عمود. ونحن لا نعرف من يكون هذا الرجل.
وقد سارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى وصفه بأنه "إرهابي"، كما تصف كل فلسطيني في غزة، من دون أن تعرف عنه شيئا. لكن هويته، أو حتى ذنوبه إن كانت له ذنوب، لا أهمية لها إطلاقا. فلا أحد يستحق مثل هذا الإذلال. كما أننا لا نعرف كم من الوقت ظل على تلك الحال: ساعة؟ شهرا؟ لكن الأهم هو ما الذي كان يدور في أذهان الجنود الذين فعلوا ذلك.
ما الذي يدفع شابا إسرائيليا، يخدم في وحدة قتالية، إلى تعذيب إنسان عبر تقييده إلى عمود؟ هل أساء إليهم بشيء؟ فهو في النهاية في العمر نفسه تقريبا. هل فكروا في حياته؟ في أحلامه؟ في ماضيه وحاضره ومستقبله؟ هل ما زال إنسانا في نظرهم، أم مجرد جسم مشبوه؟
من الواضح أنهم لا يشعرون بأي خجل مما يفعلونه. بل إنهم فخورون بما يفعلونه إلى درجة أنهم يلتقطون الصور وينشرونها على وسائل التواصل الاجتماعي. انظروا إلينا... نحن أبطال الشعب.
إنهم يعلمون أنهم أبطال إسرائيل في هذه الأيام. ومن أين جاءوا بذلك العمود؟ ربما هو العمود نفسه الذي استخدمه أولئك "المقاتلون" الممجدون في "القوة 100" في معتقل سديه تيمان، أولئك الذين اعتبروا ضحايا "فرية دموية" بحسب وصف مراسل القناة الثانية عشرة غاي بيليغ.
فكيف جرى الأمر؟ هل أحضر أحدهم العمود؟ وهل تكفل آخر بتغليف أعلاه بالحديد؟ ثم اقترح ثالث قائلا: "لنربطه إلى العمود، ستكون صورة رائعة للنشر على الإنترنت". ثم نفذ بعضهم الفكرة.
لقد شدوا ضحيتهم العاجز بإحكام، كما تربط طرد بريدي من شركة "أمازون"، ثم أضافوا العمود كأنه قطعة زينة. لا بد أنهم انفجروا ضاحكين. وربما أرسلوا الصورة عبر مكالمة فيديو إلى صديقاتهم، اللواتي سيعجبهن الأمر. وربما أيضاً إلى آبائهم وأمهاتهم، ليروا كم هم وطنيون وشجعان.
ماذا سيحمل هذا الضحية معه طوال ما تبقى من حياته؟ هل سيحكي لأطفاله وأحفاده يوما ما ما جرى له؟ وهل سينجو من معسكر التعذيب الذي اقتيد إليه، مع عشرات الآلاف من البشر الآخرين، كثير منهم أبرياء، وجميعهم محتجزون من دون محاكمة؟
أشتاق إلى زمن آخر. ففي السادس والعشرين من فبراير/شباط 1988، صوّر فريق من شبكة CBS News بقيادة الصحفي الأسطوري Bob Simon، وبرفقة المصور الإسرائيلي Moshe Alpert، أربعة جنود إسرائيليين وهم يعتدون بالضرب على شابين فلسطينيين باستخدام صخرة، ويكسرون أذرعهما على تلة صخرية قرب Nablus. وقد التقطت الصور من مسافة 300 متر تقريبا، وأثارت موجة غضب دولية.
لكن الأمر لم يقتصر على العالم. فقد ضجت إسرائيل نفسها غضبا. هل يمكن تصديق ذلك؟ لقد مضى نحو أربعين عاما. ألف طفل قتيل في غزة لم يثروا الغضب نفسه الذي أثاره آنذاك مشهد كسر الأذرع فوق سفحٍ صخري قرب نابلس.
أما صورة الرجل المقيّد إلى عمود، فلم تُثر هنا إلا قدراً ضئيلاً جداً من ردود الفعل. وهذه هي، باختصار، قصة اليأس.
إنني أشتاق إلى زمن آخر، إلى عام 1988، وإلى رد الفعل الذي شهدته إسرائيل عندما صوّر فريق CBS News أربعة جنود من الجيش الإسرائيلي وهم يضربون شابين فلسطينيين.