إدارة التوحش السوري


مازن كم الماز
2026 / 7 / 6 - 19:12     

دون ان يدري أحد من الثوار العرب كان أبو بكر الناجي يراهن على خلق حالة توحش عربي إسلامي و ربما عالمي و تبين أن الرجل كان على حق ، صحيح أن الثوار العرب و أنا منهم كنا نرغب بمزيد من الحرية و العدالة للجميع لكن اتضح أن الرجل كان يعرف مجتمعاتنا أكثر منا بكثير … لكن ذلك كان جزءً فقط من عملية خلق و إدارة التوحش في مجتمعاتنا ، في سوريا و غالبًا في أماكن أخرى تنتظر التمكين كان عالم الناشطين السوريين و العرب يشتغل بجد لإنتاج وحوش و تزويدهم ليس بالسلاح الذي تولت أنظمة متعددة عملية تأمينه ، بل بإنتاج العقل المتوحش ، أو لنكون أكثر تحديدًا بلا عقل المتوحش … احتاج هتلر لستة سنوات من البروباغندا النازية و قمع كل مخالف لتحويل جيل كامل من الشباب إلى شباب هتلر و قوات الإس إس ، في ادلب احتاجت جبهة النصرة و منظريها إلى عشرة سنوات لتحويل جيل كامل إلى قتلة و مجرمين بلا ضمير يستطيعون رمي بشر آخرين لا يعرفوهم من فوق الأبنية العالية و قتلهم و إحراقهم و اغتصابهم … ليست المحاولة جديدة ، سبقهم الشيخ مروان حديد و تلامذته بتجربة ألهمت أجيالًا من الجهاديين العرب و السوريين ، محاولة حظيت بدعم مكتوم و خجول أو بترحاب و ابتهاج معلن من قبل قوميين و بعثيين و ناصريين و شيوعيين معارضين لنظام الأسد ، قد يمكن تفسير هذا الدعم و الترحيب و الابتهاج بمجازر الطليعة المقاتلة تفسيرًا "عقلانيًا" أو مصلحيًا انطلاقًا من أن عدو عدوي هو صديقي لكن ما جرى فيما بعد من بقايا و تلاميذ هؤلاء يكشف عن موقف أكثر تماه مع هذا التوحش … بينما يعاني الإسلاميون من فقر فكري لدرجة العجز خارج منظومتهم "الفكرية" المغلقة تولى ناشطون سوريون يساريون سابقون من مدعي الليبرالية اليوم ، الفكرة الوحيدة التي قد تأخذ على محمل الجد و الوحيدة التي تطعم المنتسبين إليها ، إنتاج الفكر الذي سيستند إليه هؤلاء في توحشهم ، الافكار التي تربى عليها شباب ادلب قبل أن يتم إفلاتهم على ما تبقى من سوريا كانت من صنع هؤلاء ، الكراهية التي حقن بها هؤلاء و ما زالوا أنتجها ليبراليون سوريون يتحدثون بمصطلحات حنا ارندت و ادوار سعيد … كان سعيد نفسه قد سبقهم للتأسيس لهذا الفكر عندما قسم العالم الى داري الحرب و السلم و اعتبر الغرب كتلة واحدة ضد الإسلام تحديدًا لا ضد المسلمين بدون حتى ان يحاول أن يعرف ما هو هذا الإسلام أو حتى ان يكترث لذلك ، كانت هجمات 11 سبتمبر نتيجة منطقية لتعاليم سعيد و ربما صدمته هذه الهجمات خاصة عندما أنتجت رد فعل شديد القسوة فاجئه بقسوته ، و لما كان الرجل يروج لبضاعته هذه و يحاول بيعها في امريكا و الغرب أساسًا حاول ان يعيد ضبط فكرته عن التوحش ضد العالم دون أن يجرؤ أو ان يحاول تعديل أفكاره الأصلية لتبدو محاولته تلك لضبط التوحش العربي الاسلامي ضد العالم مهزلة و بلا معنى … نفس الشيء يحدث اليوم مع منظري التوحش السوري ، ملأتهم اليوفوريا بعد مجازر الساحل و حاولوا جهدهم التخفيف من ارتدادات مجازر السويداء كاظمين غيظهم من نجاح السويداء الصغيرة من التصدي للفزعة العشائرية و مضوا ينكرون و يبررون مع ضحكات مكتومة سبي العلويات ، لقد اشتغل الليبراليون السوريون و هم جماعة معزولة من العرب السنة و من المتسننين من طوائف اخرى على الإعداد الطويل لإبادة جماعية لكل غير العرب و المسلمين في سوريا و يقتربون اليوم من تحقيق أول إبادة ضد العلويين ، صحيح أن التوحش السوري يعتمد على الافكار التي صاغها هؤلاء لكن هؤلاء معزولين تمامًا عن المجتمع الذي زودوه بأسلحة ابادية و وضعوه في مواجهة كل جيرانه و مواجهة العالم … مع ذلك لا يجب المبالغة بما صنعه هؤلاء فصناعة التوحش السوري هي من إنتاج المجتمع السوري نفسه في الأساس ، ليس المجتمع باسره بل قوى اجتماعية محافظة بشدة عنفية و معبأة بالكراهية تجاه كل مختلف هي تقريبًا نفسها القوى التي قادت مجزرة 1850 في حلب و 1860 في دمشق ضد المسيحيين … إلى ماذا سينتهي التوحش السوري ، إبادة للعلويين و ربما للدروز و الأكراد و من تبقى من المسيحيين ، و هل سيتوقف هنا ؟ كان هتلر على رأس بلد خضع طويلًا لبيروقراطية شديدة التنظيم و ذا تقاليد عسكرية عريقة و إمكانيات صناعية هائلة لكنه مع ذلك تعرض لهزيمة ماحقة عندما واجه العالم ، و على الصعيد الإقليمي عجز التوحش الصدامي عن هزيمة و إخضاع أي من جيرانه و اضطر في النهاية للاكتفاء بقتل بعض خدمه و حكم عاصمته على طريقة آخر خلفاء بغداد ، ماذا غير إبادة العلويين و غيرهم على يد التوحش السوري ؟