الإقطاع الجديد: الفلاح بين مطرقة الدولة وسندان الواقع


عائد ماجد
2026 / 7 / 6 - 15:55     

بدأ النظام الإقطاعي في العراق منذ الزمن العثماني، واستمر بظلم الفلاحين الذين يمثلون جزءًا كبيرًا من الحياة الاقتصادية داخل العراق، ليتوقف بعد قوانين الإصلاح الزراعي قبل ستة عقود من الآن. رغم هذا، لم يتحرر الفلاح العراقي من السلطة أبدًا، فعاش الستة عقود التي يفترض أن يكون فيها حرًا بين مطرقة الدولة وسندان الواقع. وبناءً على أن ما مضى انتهى، لذا علينا أن نرى ما يحدث اليوم، ورؤية ملامح الإقطاع والبرجوازية الجديدة التي تتكون وتنضج بشكل مستمر في ظل تدهور كل شيء على كافة الأصعدة.

الفلاح اليوم يمتلك الأرض، وهو قادر على زراعتها، وهذا أهم ما تركز عليه الدولة وتحاول أن تبرر به ما يحدث من فشل، فهي تسلم الأراضي للفلاحين وتعطيهم تعويضات على محاصيلهم التي تفسد بدون أن تدخل للسوق، ولا يدخل إلا جزء قليل منها. ومقارنة بالمنتجات الأجنبية التي تملأ الأسواق، أصبح أكبر منتج زراعي في العراق الحنطة فقط، بينما الفواكه والخضروات يضطر الفلاح إلى بيع منتوجه بأقل الأسعار، لأن الأسواق غالبًا تكون غارقة بالمنتجات المستوردة بأسعار منخفضة من إيران وتركيا وغيرها، في حين يصرف الفلاح على محصوله تكلفة المبيدات والأسمدة والبذور ووقتًا كبيرًا من الاهتمام، وأيضًا الري، فهو مشكلة أخرى بحد ذاته سوف نتطرق لها فيما بعد. هنا نجد دور الدولة الضعيف في حماية الفلاح وحماية المحصول المحلي، فلا توجد مخازن لهذا النوع من المحاصيل بشكل كافٍ، فكل ما يستطيع الفلاح فعله هو بيع هذا المحصول بسرعة بسعر رخيص مقابل المنتج المستورد في منافسة غير عادلة، وهذا ما يجعل هذه المحاصيل ضعيفة. وحتى أكبر محصول ينتجه العراق، وهو الحنطة، يواجه الفلاح في زراعته وحصاده وبيعه تعامل الدولة المجحف، وكلما خرج الفلاحون في احتجاج على هذه المعاملات تعرض الفلاح لشيئين: إما العنف، أو الحلول المؤقتة التي لا تستمر، وتظهر مشاكل أخرى فور قدوم الموسم الزراعي التالي. وهذه هي دولة الريع التي لا تحل مشاكلها، وتمثل أكبر ساحة للصراع، كونها دولة طرف رأسمالي.

وهذا يقودنا إلى مشكلة الري، وهي المشكلة التي أعادت الكثير من الفلاحين في محافظات الجنوب الكادح، مثل ميسان والبصرة وديالى وذي قار وغيرها، إلى عصر الإقطاع. فكما نعلم جميعًا، يعاني العراق من مشكلة المياه بسبب جيرانه الودودين، فأصبحت الإطلاقات المائية قليلة، وهذا سمح لملاك مضخات المياه ومشاريع الري باستغلال الفلاحين أبشع ما يكون من استغلال، أعادهم حرفيًا إلى زمن الإقطاع. فصاحب المضخة يقول للفلاح: تريد المياه؟ إذًا طبق شروطي، وإن أبيت فلا مياه لك. هذا ما يجعل الفلاح غير القادر على حفر مصدر مياه له معتمدًا بشكل كلي على صاحب المضخة، الذي يتحكم بأسعار المياه، الذي من شأنه أن يضيف تكلفة عالية على كاهل الفلاح، إضافة إلى باقي المصاريف، ويمكن أن يفضل هذا المُستغِل فلاحين على آخرين بناءً على صلاته بأي منهم. وهذا النوع منتشر جدًا في الجنوب في ظل الحياة العشائرية. هكذا تم إنتاج نوع جديد متخفٍ من الإقطاع بدون تدخل الدولة، فهي المسؤول الأول عن مشكلة المياه، وهي بالتالي المسؤول عن ظهور عوائل مشاريع الري في جنوب العراق. هذه العوائل التي تمتلك مشاريع الري في الجنوب، والتي تمتلك أموالًا طائلة وآلاف الدونمات الزراعية، ويأخذون أجزاءً من محاصيل الفلاحين الذين يشتركون في مشروعهم، وهذا فتح الباب لهذه العوائل لدخول ساحات الاستثمار وتوسيع أملاكهم. والدولة تعرف تمامًا هذه العوائل الكبيرة، وحتى أصحاب مشاريع الري الصغيرة الذين يوجد لديهم نوع من الفساد، رغم هذا لا تشملهم حملات الفساد، وهذا حتى مع شكاوى المواطنين. ففي أكتوبر من عام 2022 اعترض العديد من الفلاحين في محافظة ديالى، مؤكدين أنهم يتعرضون لنوع من الاستغلال يشابه الإقطاع، رغم هذا لم تتصرف الدولة، وأكدت إن ما يحدث هو نظام طبيعي.

مشاكل الفلاحين لا تحل بقوانين الإصلاح الزراعي، ومشاكل العمال لا تحل بقوانين تقر حقوقهم، والفساد لا يحل بهذه الطرق المؤقتة لإرضاء الشارع. ما يعطي الفلاحين والعمال حقوقهم هو إسقاط البنية الأساسية التي تشكل قاعدة بناء الفساد والظلم.