من دون صحيفة هآرتس، لما عرف الإسرائيليون أن هناك احتلالا
جدعون ليفي
2026 / 7 / 4 - 08:50
خلال عطلة نهاية الأسبوع، وجّه غادي طعوب لائحة اتهام إلى صحيفة هآرتس. ففي مقال نشره في الأسبوعية اليمينية مكور ريشون، زعم أن المهمة الأيديولوجية للصحيفة هي تفكيك الدولة اليهودية، وأنها تُعد واحدة من أكثر المحركات فاعلية لمعاداة السامية في العالم.
هذا الادعاء مستهلك وفارغ. ولست أكتب هنا ردا باسم الصحيفة، ولا دفاعا عن الهدفين الرئيسيين لهجوم طعوب، وهما الناشر عاموس شوكن أو رئيس التحرير ألوف بن. إنما أكتب بصفتي أحد كتاب الصحيفة، الذي تختلف آراؤه أحيانا كثيرا عن آراء معظم زملائه فيها، وقبل كل شيء بصفتي واحدا من أكثر قرائها إخلاصا.
بالنسبة لي، ولأمثالي، لا تكمن أهمية هآرتس في أنها لا بديل لها بسبب الحالة البائسة التي تعيشها وسائل الإعلام في البلاد فحسب. فإسرائيل من دون هآرتس ستكون دولة مختلفة, ليس فقط أسوأ في نظر نفسها، بل أيضا أسوأ في نظر العالم، في الأماكن التي ما زالت تُقدر حرية التعبير والشجاعة والمعايير الصحفية، وهي قيم كادت تُنسى بالكامل في إسرائيل.
لا يستطيع توجيه مثل هذه الاتهامات إلى الصحيفة إلا من لا يفهم دور الصحافة. فـهآرتس تعرّف نفسها بأنها صحيفة صهيونية، وقد ناضلت من أجل إسرائيل عادلة وديمقراطية كما لم تفعل أي وسيلة إعلام أخرى.
في السنوات الأخيرة، ربما غيّر ناشرها ورؤساء تحريرها بعض مواقفهم. وقد شعرت بالرضا والفخر تجاه بعض تلك التغييرات. لكن دور الصحيفة، في نظرهم، كان ولا يزال الحفاظ على إسرائيل كديمقراطية في وقت يكاد فيه الجميع من حولها يعملون على تقويضها.
أما أنا، فأرى أنه ينبغي الاختيار بين أن تكون الدولة ديمقراطية أو يهودية، لأن هناك تناقضا جوهريا بين الأمرين في دولة واحدة يعيش فيها شعبان. أنا وأمثالي اخترنا الديمقراطية، بينما اختار طعوب وأمثاله يهودية الدولة.
أما هآرتس فما زالت تؤمن بإمكانية الجمع بين الاثنين. غير أن إسرائيل لن تكون ديمقراطية في واقع دولة واحدة لشعبين، ولذلك فإن طعوب وأمثاله هم من يلحقون بإسرائيل أشد الأضرار، ويقرّبون نهايتها.
وهذا ليس تشويها لصورة إسرائيل في الخارج، لأن العالم يرى دولة ترتكب إبادة جماعية وتمارس نظام فصل عنصري، وتحظى بدعم متحمس من معظم وسائل إعلامها. ولذلك يستنتج العالم, وبحق, أن الحكومة اليمينية ليست وحدها التي تتبنى نظام الفصل العنصري، بل إن وسائل الإعلام الإسرائيلية أيضا تفعل ذلك.
ومن هذه الزاوية، لم يكن لإسرائيل يوما أداة دعاية خارجية أكثر فاعلية من هآرتس. فعدد غير قليل من منتقدي إسرائيل يعتقدون أن هذه الصحيفة ليست سوى ورقة توت ينبغي نزعها وإزالتها. وربما يكونون محقين.
لكن، وحتى الآن، لا تزال هذه الصحيفة تستخدم آخر أوراقها لإثبات وجود "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، والمتمثلة في حرية التعبير التي تتمتع بها هآرتس نفسها. وهذه الحرية تتيح لي ولأمثالي أن نعبر بلا خوف عن آراء الأقلية المهرطقة، الهامشية، والمنبوذة.
لولا هآرتس، لما عرف الإسرائيليون أن هناك احتلالا. ولولا هآرتس، لما عرفوا أن هناك انقلابا قضائيا استهدف تدمير الديمقراطية الخاصة باليهود. ولولا هآرتس أيضا، لبدت الحياة هنا وكأنها عسل مصفى، ولظهرت المستوطنات وكأنها جنة. ولأصبح الجيش الإسرائيلي "الأكثر أخلاقية في العالم". ولما كان هناك فلسطينيون أبرياء، بل في الحقيقة، لما كان هناك بشر فلسطينيون أصلًا.
إن هآرتس تدحض كل تلك الأكاذيب البغيضة، وتفسد مهرجان الدعاية الذي يقوده طعوب وزملاؤه. وهذه الدعاية تحقق نجاحا كبيرا داخل إسرائيل، لكنها تفشل فشلا ذريعا في الخارج، حيث يعرف الناس الحقيقة لأنهم لا يتغذون على الرواية التي تقدمها وسائل الإعلام الإسرائيلية السائدة.
على مدى نحو أربعين عاما، كنت أسافر أسبوعا بعد أسبوع إلى الأراضي المحتلة لتوثيق الجرائم التي تُرتكب فيها. وقد وجد طعوب، بعد بحثه في ملايين المرات وبين جبال من التقارير، مقالًا واحدًا ربما لم يكن موثقا بما يكفي. فلنضع ذلك جانبا.
إذا لم يكن هذا العمل مشروعا صحفيا، فأنا لا أعرف ما هو المشروع الصحفي. وإذا كان إخفاء الجرائم هو الصهيونية، فلنصبح جميعا مناهضين للصهيونية. وإذا كانت الصحافة مجرد دعاية، فلنتخل عن أهم آلية ديمقراطية عرفها البشر.
وأقول لطعوب: إنني فخور بالكتابة في هآرتس. وفخور بأن أعيش في بلد توجد فيه صحيفة مثل هآرتس. ولو كان الأمر بيدك وبيد من يشبهونك سياسيا، لكان هذا أيضا قد اختفى منذ زمن بعيد.