مؤشر الحقوق العالمي 2026: حين يصبح الهجوم على النقابات هجوماً على الديمقراطية


جهاد عقل
2026 / 7 / 1 - 16:17     

يكشف مؤشر الحقوق العالمي 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات العمالية في بروكسل ، أن العالم لا يواجه مجرد تراجع في حقوق العمال، بل يشهد أزمة ديمقراطية عميقة، تتجلى في استهداف منظم للنقابات، وتقييد الحق في الإضراب، وإضعاف المفاوضة الجماعية، وتجريم الاحتجاجات، واستخدام التكنولوجيا كأداة للرقابة والسيطرة داخل أماكن العمل. لأهمية هذا المؤشر نخصص هذا المقال لما جء فيه وما يجري من استحداث جرى مؤخراً في اوروبا والولايات المتحدة وغيرها ، يؤكد ويدعم المعطيات الواردة في المؤشر.
فالنتائج الصادمة للمؤشر تؤكد أن الانتهاكات لم تعد حالات معزولة، بل أصبحت سياسة ممنهجة في عدد متزايد من الدول. فقد وصلت انتهاكات حرية التعبير والتجمع إلى 50% من الدول، وتعرض العمال للعنف في 32% منها، فيما جرى تقييد الحق في الإضراب في 87% من دول العالم، ومنع أو إضعاف المفاوضة الجماعية في 80% من الدول. هذه الأرقام تعني أن الحقوق النقابية، التي تشكل جوهر الديمقراطية الاجتماعية، تتعرض لهجوم عالمي واسع.
إن صعود اليمين المتطرف والسلطوية السياسية يرتبط مباشرة بهذا التراجع. فالقوى اليمينية المتطرفة لا ترى في النقابات شريكاً اجتماعياً، بل تعتبرها عقبة أمام تمرير سياسات السوق المنفلت، وخفض الأجور، وتقليص الحماية الاجتماعية، وإضعاف القطاع العام. لذلك، فإن الهجوم على النقابات ليس مسألة عمالية فقط، بل هو جزء من مشروع سياسي أوسع يهدف إلى إسكات صوت العمال وتفكيك أدواتهم الجماعيوتكشف التجربة في أوروبا والأمريكيتين خطورة هذا المسار. فقد سجلت المنطقتان أسوأ متوسط تصنيف منذ بدء المؤشر عام 2014، مع تراجع واضح في دول مثل فرنسا والأرجنتين وبنما. وهذا يؤكد أن الديمقراطيات الشكلية لا تكفي إذا كانت حقوق العمال تتآكل، وإذا جرى التضييق على الإضرابات والاحتجاجات والنقابات باسم “الإصلاح” أو “الاستقرار” أو “التنافسية الاقتصادية”.

أما السياسات النيوليبرالية، فقد وفرت الأرضية الاقتصادية لهذا الهجوم. فمنذ عقود، جرى الترويج لفكرة أن تخفيض كلفة العمل، وإضعاف النقابات، وتحرير الأسواق، وتقليص دور الدولة، هي الطريق إلى النمو. لكن النتيجة كانت اتساع الفجوة الاجتماعية، وتراجع الأجور الحقيقية، وتركز الثروة، وتآكل الحماية الاجتماعية. وعندما يعترض العمال، يجري اتهامهم بعرقلة الاقتصاد، بينما تُمنح الشركات الكبرى حرية أكبر في مراكمة الأرباح والتهرب من المسؤولية الاجتماعية.

الولايات المتحدة الأمريكية :قرار قضائي هام
اتحاد العمال الأمريكي AFL-CIO يوم 30 حزيران/يونيو 2026 يصدر بياناً يشيد بقرار المحكمة العليا القاضي بتثبيت حق المواطنة بالولادة
أصدرت رئيسة اتحاد العمال الأمريكي AFL-CIO، ليز شولر، البيان التالي تعليقًا على قرار المحكمة العليا الصادر يوم ،30 حزيران/يونيو 2026 والذي أكد حق المواطنة بالولادة:“اليوم، أكدت المحكمة العليا أحد الوعود الأساسية التي يكفلها دستور الولايات المتحدة، وهو أن كل طفل يولد على الأراضي الأمريكية هو مواطن أمريكي.
يرفض هذا القرار أحدث محاولات إدارة ترامب لتقسيم الطبقة العاملة واستهداف العائلات المهاجرة التي تشكل جزءًا من نسيج مجتمعاتنا وأماكن عملنا ونقاباتنا. وفي وقت يتعرض فيه العمال لهجمات متواصلة على حقوقهم وحرياتهم الأساسية، أوضحت المحكمة أن الحقوق الدستورية لا يمكن إلغاؤها بمجرد أمر تنفيذي.
واحد من كل خمسة عمال في الولايات المتحدة هو مهاجر. هؤلاء هم زملاؤنا في العمل، وجيراننا، وأفراد عائلاتنا، وإخوتنا وأخواتنا في الحركة النقابية، وهم جزء لا يتجزأ من اقتصادنا وأماكن عملنا. ويعلم العمال جيدًا أن من يقف في طريقهم نحو الوظائف اللائقة ليس المهاجرون، بل أرباب العمل الذين يستغلون العمال. وعندما يستهدف السياسيون المجتمعات المهاجرة، فإنهم في الحقيقة يستهدفوننا جميعًا.
إن حكم اليوم يحافظ على المكاسب التي تحققت بعد نضال طويل من أجل الكرامة الإنسانية والمساواة العرقية، لكننا ندرك أن الطريق لا يزال طويلًا. فما زال ملايين العمال وعائلاتهم يعيشون حالة من عدم اليقين بسبب نظام الهجرة الأمريكي المختل، الذي يجعل حياتهم ومستقبلهم رهينة لتقلبات أرباب العمل والسياسيين. وعلى الكونغرس أن يتحمل مسؤوليته أخيرًا، وأن يسن تشريعًا يفتح مسارًا واضحًا للحصول على الجنسية، ويضمن لكل عامل أن يعيش ويعمل بكرامة وحرية وتكافؤ للفرص. وستواصل الحركة النقابية نضالها حتى يصبح ذلك واقعًا".
لذلك نحن نؤكد تعقيباً على هذا القرار بالتأكيد بأنه :"يكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ضوء ما ورد في مؤشر الحقوق النقابية العالمي 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)، الذي وضع الولايات المتحدة على قائمة المراقبة لأول مرة، محذرًا من التراجع المتسارع في الحريات النقابية والديمقراطية. ومن هذا المنطلق، يرى اتحاد عمال أمريكا ( AFL-CIO) أن الدفاع عن حق المواطنة بالولادة هو دفاع عن منظومة الحقوق الدستورية بأكملها، لأن أي انتقاص من حقوق المهاجرين أو الفئات المستضعفة ينعكس مباشرة على حقوق جميع العمال، ويضعف قدرتهم على التنظيم والدفاع عن مصالحهم" .
ومن أخطر ما يبرزه مؤشر 2026 أن التكنولوجيا الحديثة لم تعد تستخدم فقط لزيادة الإنتاجية، بل أصبحت أداة للرقابة والانضباط وإسكات العمال. فالخوارزميات، وأنظمة التتبع، ومنصات العمل الرقمية، والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول إلى وسائل لمراقبة الأداء، ومعاقبة النشاط النقابي، وتقويض العلاقة الجماعية بين العمال وأصحاب العمل. وهنا تظهر الحاجة إلى نقابات قوية قادرة على فرض قواعد ديمقراطية لاستخدام التكنولوجيا في أماكن العمل.

الاتحاد الأوروبي والموقف من حقوق العمال المهاجرين
ولا يمكن قراءة نتائج مؤشر الحقوق العالمي بمعزل عن الجدل الدائر داخل الاتحاد الأوروبي بشأن سياسات الهجرة والعمل. فعلى الرغم من إقرار المفوضية الأوروبية مؤخراً إجراءات تهدف إلى تعزيز حماية العمال المهاجرين، وتحسين تطبيق قواعد العمل الموسمي، ومكافحة الاستغلال والعمل غير النظامي، فإن التقارير الرسمية نفسها تؤكد استمرار فجوات كبيرة في التطبيق، وضعف آليات الإنفاذ، وصعوبة وصول العديد من العمال المهاجرين إلى حقوقهم الفعلية، بما في ذلك السكن اللائق، وإمكانية تغيير صاحب العمل، وآليات الشكاوى والإنصاف. كما يثير تنفيذ ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي مخاوف متزايدة لدى المنظمات الحقوقية بشأن أوضاع الأطفال وأسر المهاجرين، واحتمال تعرضهم لإجراءات أكثر تقييداً إذا لم تُطبق الضمانات القانونية بصورة كاملة. وتكشف هذه الوقائع أن معاناة العمال المهاجرين وأسرهم لم تعد تقتصر على ظروف العمل، بل تمتد إلى الحماية الاجتماعية، والاستقرار الأسري، والحقوق المدنية، وهو ما يؤكد أن الدفاع عن حقوقهم يشكل جزءاً لا يتجزأ من معركة الحركة النقابية العالمية ضد التمييز والاستغلال ومن أجل العدالة الاجتماعية.

العالم العربي في قلب الأزمة
في العالم العربي، تبدو نتائج المؤشر أكثر إلحاحاً، خاصة مع إدراج دول عربية ضمن أسوأ عشر دول للعمال، مثل مصر وتونس، إضافة إلى إدراج إسرائيل على قائمة المراقبة، وتسليط الضوء على اقتحام قوات الاحتلال لمقر الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في نابلس. ويعكس ذلك واقعاً مركباً تتداخل فيه القيود السياسية مع ضعف الحريات النقابية، وارتفاع البطالة، وانتشار العمل الهش، وتراجع الحماية الاجتماعية، وتقييد الحق في التنظيم والإضراب. إن الحركة النقابية العربية مطالبة اليوم بتجديد أدواتها، وبناء تحالفات اجتماعية أوسع مع الشباب والنساء والعمال غير المنظمين والمهاجرين، لأن الدفاع عن الحقوق النقابية في المنطقة هو أيضاً دفاع عن الكرامة والعدالة والديمقراطية.

الرد يكون بإعادة بناء القوة النقابية
إن ما يسميه الاتحاد الدولي للنقابات “انقلاب المليارديرات على الديمقراطية” ليس توصيفاً دعائياً، بل تلخيص لواقع عالمي تتراجع فيه سلطة الشعوب أمام سلطة المال. فحين تُضعف النقابات، يضعف صوت العمال في السياسة والاقتصاد. وحين تُقيد المفاوضة الجماعية، يصبح العامل فرداً معزولاً أمام سلطة صاحب العمل. وحين يُجرّم الإضراب، تُفرغ الديمقراطية من مضمونها الاجتماعي.
لذلك، فإن الرد لا يكون بالدفاع القانوني فقط، بل بإعادة بناء القوة النقابية على الأرض: تنظيم العمال، توسيع العضوية، حماية القيادات النقابية، الدفاع عن الحق في الإضراب، ربط قضايا الأجور بالحريات، ومواجهة الخطاب اليميني الذي يحاول تقسيم العمال على أساس القومية أو الدين أو الهجرة أو الهوية.
إن مؤشر الحقوق العالمي 2026 يوجه رسالة واضحة: لا ديمقراطية حقيقية من دون نقابات حرة، ولا عدالة اجتماعية من دون مفاوضة جماعية، ولا مستقبل كريم للعمل في ظل سياسات تحول العمال إلى أرقام وتمنح الثروة والسلطة للأقلية. والحركة النقابية، رغم كل الضغوط، تبقى أكبر قوة ديمقراطية منظمة في العالم، وقادرة عبر التضامن والتنظيم والنضال الجماعي على وقف هذا التراجع وفتح طريق جديد نحو عالم أكثر عدلاً ومساواة وحرية.
إن الدفاع عن العمال المهاجرين واللاجئين وأسرهم لم يعد قضية إنسانية فحسب، بل أصبح معياراً حقيقياً لقياس احترام الدول للديمقراطية وحقوق الإنسان. فالمجتمع الذي يعجز عن حماية أكثر العمال هشاشة، لن يكون قادراً على حماية حقوق جميع العاملين.