لينين والفكر الماركسي في ثورة اكتوبر 1917
زيد نائل العدوان
2026 / 7 / 1 - 11:49
قام لينين، الثوري الشيوعي المعروف، بوضع خطة محكمة للثورة الشيوعية في روسيا، خطة تضمن له تحقيق ما يريد من انتصار للطبقة العاملة على الطبقة البرجوازية؛ إذ كان لينين يؤمن بأن الثورة هي الطريق الوحيد للإصلاح، وكان دومًا يقول بأن الطريق لدكتاتورية البروليتاريا يبدأ من ثورة.
كما كان على لينين أن يوائم فكر ماركس مع الثورة التي يقوم بها، وهذه الموائمة نتج عنها ما يُعرَف اليوم بـ(الماركسية- اللينينية)، وهي فكر شيوعي بحت يقوم على استخدام فكر ماركس في أغراض ثورية مختلفة، وهذا الفكر الشيوعي قد أثر في العالم في القرن العشرين بشكل كبير جدًا، ولكن كان لينين يواجه مشكلة، وهي أنه ماركس تنبأ بدايةً بوقوع الثورة في أوروبا الغربية، ومن ثم انتقالها لروسيا؛ إذ كان ماركس يرى أن روسيا لا بد لها من أن تمر بدايةً بمرحلة البرجوزاية، منتقلة بذلك من رأس المال الزراعي إلى رأس المال الصناعي، ومن ثم يعقب ذلك ثورة تحدث بها وتغير موازين القوى لصالح الطبقة العاملة.
فكان هنالك إذًا تعارض، ما بين التمسك بالتعاليم الماركسية والتطبيق الثوري الحديث في روسيا؛ إذ كانت تعاليم ماركس في بعض النواحي تتعارض نظريًا مع التطبيق الثوري للحزب البلشفي في روسيا؛ إذ من الصعب كان قيادة حركة جماهيرية واسعة وبالوقت ذاته التمسك بالمخطط الماركسي الذي رسمه ماركس لأوروبا؛ فبالتالي، عمل لينين على موازنة مصالح حزبه وطريقة قيادته للثورة مع فكر كارل ماركس؛ حيث لم يخرج عنه إلا للضرورة القصوى، وفضل البقاء ضمن إطار ممنهج ومنظم لتطبيق الثورة في روسيا.
هذا بالإضافة إلى أن لينين نفسه كان يواجه مشاكل أخرى بالحزب، منها على سبيل المثال لا الحصر وجود معارضين له عُرِفوا بـ(المنشفيين) وهم الذين كانوا يروا أن طريق الثورة لا بد أن يكون سلميًا، وأن روسيا لا بد لها أولًا من أن تمر بمرحلة (البرجوزاية) ثم يعقبها بعد ذلك الشيوعية؛ وذلك كما قال كارل ماركس، ولكن، وبحسب وجهة نظر لينين، أثبتت الثورة نجاح الطريق البلشفي وفشل الطريق السلمي، فمن وجهة نظر البلشفيين، لم يكن بالإمكان التعامل مع القيصر الروسي وأجهزته الأمنية السرية إلا بوسائل تحمل نوعًا من العنف والراديكالية؛ إذ أن القيصر الروسي نيكولاس وحاشيته في ذلك الوقت رفضوا جميع الحلول السلمية، فبالتالي، كان لينين يرى المنشفية نوع من المذهب ذو النزعة النظرية بشكل مفرط.
وبالطبع، فإن المناشفة لم يكونوا يؤيدون لينين بشكل قاطع؛ لوجود خلاف في طريقة العمل الرئيسية كما أسلفنا، فبالنسبة للينين والبلاشفة، إن طريق العمل للثورة هو طريق عملي واقعي قائم على الراديكالية، بينما بالنسبة للمناشفة، فقد كان يرون أن طريق الثورة هو طريق مسالم قائم على الحوار والتفاهم، وهو ما كان يعارضه لينين.
وبالنسبة لي، كقارىء متواضع للتاريخ الروسي، فإني أرى أن القيصر الروسي عارض جميع الحلول السلمية، ولم يقبل بالتسوية بطريقة ودية مع الشيوعيين، فكان لا بد كحتمية تاريخية من قيام ثورة شديدة ضده؛ بحيث أن هذه الثورة تنتهج الراديكالية والشدة معه؛ لإن القارىء للتاريخ يدرك أن جميع أنظمة الحكم عندما يعتريها الفساد، لا بد من الإصلاح، فإن قاومت الإصلاح واستمرت على الفساد واستمرت بالضغط على الشعب، فإن الشعب لا بد له من يوم ويثور على هذه الأنظمة، خصوصًا إذا كانت أنظمة تنتهج عدم مراعاة مصالح الشعب، ويزداد الأمر سوءً في حال كان هنالك حنق شعبي اتجاه الحكومات والأنظمة، ففي هذه الحالة تكون الثورات عنيفة وشديدة كما كانت الثورة الروسية البلشفية عام 1917.
ورجوعًا على الاختلاف بين لينين وماركس، فإن تعاليم ماركس كانت ترى أن روسيا لا بد من أن تمر بمرحلة "البرجوازية" أولًا ثم تعقبها ثورة البروليتاريا، بينما لينين كان يرى أن ثورة البروليتاريا تحدث مباشرة سواء سبقتها مرحلة البرجوازية أم لم تسبقها، وفي هذا الاختلاف تتوضح عقلية كل من الرجلين، فماركس رجل نظري بحت ماهر بصياغة النظريات الاقتصادية والسياسية المختلفة، بينما لينين رجل عملي واقعي يولي للنتائج أهمية أكثر من إيلائه أهمية للنظريات، فرغم أن لينين كان يستند للنظرية الماركسية في كثير من الأحيان، بل حتى في أغلب الأحيان، إلا أن لينين كان يخرج عن ما يقوله ماركس في حال قد تبين له أن الواقع له رأي مختلف عن رأي النظرية، فمثلًا، أثبت الواقع أن الثورة في البلدان الزراعية تحدث أسرع وبشكل أكثر سلاسة من الثورة في البلدان الصناعية، وهذا ما اتبعه لينين، فهو لم يوقف الثورة لعدم توافق بعض أمورها مع أقوال ماركس، بل قام بإكمال الثورة حتى آخر رمق منه.
وهذا بحد ذاته كله، كما يقول المؤرخون:" يقوض أساسات النظرية الماركسية"؛ وهذا ما اختلف معه أنا، فبنظري، فإن النظرية الماركسية نظرية مرنة وغير متصلبة، فبالتالي، يمكن تطويعها لخدمة الظروف الثورية المختلفة دون الوقوع في خلل عملي/ نظري كبير؛ إذ أن أساس نظرية ماركس يقول بأن وقوع ظلم على الطبقة البروليتارية من شأنه إشعال فتيل الثورة، وهذا فعليًا ما حدث بروسيا، إذ كانت الطبقة البروليتارية مضطهدة، مما من شأنه أن ينبأ بوقوع ثورة، أما بالنسبة لضرورة أن تمر روسيا بمرحلة البرجوازية فهذه تعد إحدى نتائج اضطهاد الطبقة البروليتارية، وتعد إحدى نتائج التطور الصناعي والاقتصادي، والتي قد تحدث أو لا تحدث باعتبارها نتيجة تخضع لعوامل متغيرة ومختلفة، فكما نعلم، فإن الاقتصاد علم يعتمد على معطيات متغيرة ومختلفة، ولا يمكن اختزاله بثوابت معينة، ولذلك؛ فإنه يجب تطوير النظرية الماركسية دومًا بما يتوافق مع المعطيات الاقتصادية المختلفة والمتغايرة، وهذا ما قام به لينين بذاته؛ إذ عمل في مؤلفاته وفي تطبيقه العملي للنظرية الماركسية على تعديلها وإصلاح فجواتها، وهو أمر يُحسَب له لا عليه.
ومن ثم، يُتوقَع حسب نظرية ماركس وتعديلات لينين، أن تستلم الطبقة البروليتارية وسائل الإنتاج كلها بعد قيام الثورة الشيوعية، وهذه مرحلة طبيعية حسب الفكر الماركسي في تاريخ البشرية؛ ذلك أن حسب هذا الفكر فإن وسائل الإنتاج عادةً ما تكون بيد الطبقة البرجوازية أو طبقة الأسياد، ومن ثم، وعندا قيام الثورة البروليتارية، يسيطر العمال على وسائل الإنتاج؛ تمهيدًا لتوزيع نتاجها بشكل عادل بين الطبقة البروليتارية؛ بحيث يصبح كل فرد من البروليتاريا يتمتع بحصة من الإنتاج، عند ذلك، يصبح المجتمع مجتمعًا اشتراكيًا؛ بحيث يعمل على حماية حقوق الطبقة العمالية وضمان الفرص العادلة والمناسبة لهم.
إذًا، ختامًا، من الممكن القول أن الاختلاف بين ماركس ولينين لا يمنع من قيام الثورة الشيوعية ولا يمنع من اتباع الفكر الماركسي نبراسًا من قبل اليساريين في روسيا قديمًا، أو حتى حديثًا، فماركس نفسه لو كان موجودًا حين اشتعال فتيل الثورة الروسية (أو في العصر الحديث حتى) لكان قد قام بتعديل بعض الأساسات الاقتصادية والأيديولوجية لفكره بغية أن يكون مرنًا وخادمًا للفكر الثوري الحر.