نظرة إلى حال الاضرابات (1)
عبدالحميد برتو
2026 / 6 / 28 - 16:18
مؤشرات أولية عامة
قد يَطرح المناضلُ التقدمي الحقيقي أحيانًا على نفسه سؤالًا، عند مراقبته لوضع النضال الاجتماعي و المهني في بلاده والعالم، خاصة إذا كان لا يسعى إلى رسم صورة زاهية عن الواقع، بل يسعى إلى خلق تغييرات جدية صوب العدالة في الواقع الإجتماعي: لماذا خَفّ دوي الإضرابات العمالية والمهنية عامة في السنوات الأخيرة بل في العقود الأخيرة؟ وربما يتطرف البعض و يسأل: لماذا لا توجد إضرابات عمالية في السنوات الأخيرة أصلًا؟
لكن حين يدقق في الواقع، يلاحظ أن الاضرابات العمالية والمهنية لم تنقطع في السنوات الأخيرة تمامًا، بل على عكس ذلك شهدت بعض الدول موجات إضرابات هامة و واسعة، خاصة بعد جائحة كورونا، التي إنعكست في ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل. ففي الولايات المتحدة مثلاً وصل عدد الإضرابات الكبرى عام 2023 إلى أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين، واستمرت الأعداد مرتفعة نسبيًا إلى العام الحالي 2026.
توجد نقطة مهمة بصدد السؤال الأساسي نفسه، حيث لا يصح طرح السؤال على هذا النحو: هل توجد إضرابات؟ بل ينبغي أن يطرح على النحو التالي: لماذا لا تبدو الإضرابات حاضرة إعلاميًا كما كانت سابقاً، أو على الأقل حاضرة في سجالات المهتمين بشؤون الأحداث والتحولات السياسية والاجتماعية؟
ظلت الانطباعات العامة السائدة والغالبة تفيد بأن الإضرابات أصبحت أقل حضورًا، مما كانت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين. تُعد نوعية الانطباعات في هذا المجال عاملًا حيويًا جدًا، حيث تساعد الانطباعات الايجابية عن دور الاضرابات على خلق إستعدادات نضالية أوسع في الأوساط الشعبية. كما تدفع السلبية عنها في اتجاه الإحباط والإنطواء الاجتماعي. نجد تفسيرًا ومبررًا لما توصل إليه القائلون بتراجع النضال الإضرابي، في عدة أسباب ومؤثرات و حالات عامة، منها:
ـ يُلاحظ تراجعٌ وإنحسارٌ في قوة ونفوذ قيادات بعض النقابات والاتحادات والمنظمات المهنية داخل صفوفها، وفي داخل الطبقات أو الفئات الإجتماعية المعنية بها. يتشكل رأي بعض المتابعين والملاحظين والباحثين بهذا الاتجاه، من خلال بعض المظاهر المهمة. اذ يمكن الإشارة إلى انخفاض نسبة العمال المنضوين تحت ظل النقابات في عدد غير قليل من البلدان. ومن النتائج السلبية لذلك الضعف في التنظيم النقابي، ما يتجسد في تقلص امكانيات حشد عناصر الفئة المعنية بالإضراب من أجل حقوقها المشروعة والمصادرة في الوقت ذاته. بديهي أن ينعكس تقلص عدد المضربين سلبًا على تحقيق هدف الإضراب، أي قيمته وتأثير، وينخفض ضغطه على أصحاب الشركات والمؤسسات والحكومات، ويتراجع زخمه في داخل المنظمات الداعية للإضراب أيضًا، و يضعف أثره الإجتماعي.
ـ يُشار إلى تغيرات حصلت خلال العقود الأخير في الطبيعة البنيوية للاقتصاد. إذ تقلصت الصناعات الثقيلة والمصانع الكبيرة، التي كانت تجمع آلاف العمال في مكان واحد. توزعت حلقات العمليات الإنتاجية في تلك المصانع وأنتشرت في مواقع عديدة. كما توسعت في الوقت ذاته قطاعات الخدمات والعمل الفردي والعمل عبر المنصات الرقمية، وهي قطاعات يصعب فيها التنظيم النقابي و التماسك الاجتماعي التضامني والإضرابات الجماعية.
ـ يسود حاليًا نوع من الخوف المتعلق باحتمالات فقدان الوظيفة بين أوساط الشغيلة عامة، خاصة بالفترات التي تشهد توترات في العلاقات الدولية أو اضطرابات بحركة السوق. كما بدأت ترتفع بصورة غير مسبوقة أعداد العقود المؤقتة و السنوية، بما يجعل فرص العمل غير المستقر، ويجعل الكثير من العمال والموظفين مترددين في المشاركة بالإضرابات، لما قد يعرضهم إلى خسارة دخلهم أو وظائفهم. يذكر أن العقود السنوية أو المؤقتة لا تتضمن بعض الإمتيازات للعمال عند إنهاء خدماتهم من جانب الشركات أو المؤسسات.
ـ رفعت بعض الحكومات في العقود الأخيرة مستويات القيود القانونية ضد ممارسة العمليات الإضرابية. كما زادت صلاحياتها القمعية وصلاحيات الشركات أيضًا، خاصة فيما يتعلق بالإستغناء عن خدمات أي شغيل دون تعويضات، أو الفصل الجائر للعمال والموظفين. وشددت القوانين المتعلقة بالإضرابات عامة، وفرضت شروطًا معقدة لإعلانها قانونيًا. بل توجد في بعض الدول غرامات أو قيود خاصة على المضربين في قطاعات معينة. والأخطر أن بعض الدول قد أدراجت الإضرابات و حالات الدعوة لممارستها في إطار القوانين الخاصة بتهديد الأمن القومي.
ـ تحوّل الاحتجاجات إلى أشكال نضالية أخرى، حيث لم يعد الإضراب التقليدي الوسيلة الوحيدة للضغط المهني والنقابي، من وجهة نظر بعض المهتمين بمصالح زملائهم. و برزت وسائل وأساليب جديدة في النضال من أجل الحقوق المشروعة، منها: حملات الدعاية و الاعلام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اللقاءات المباشرة مع العاملين، التوعية بحقوق الشغيلة في مختلف الحقول الإنتاجية، إقامة الدعاوى القضائية الجماعية، حملات المقاطعة والضغط الإعلامي والسياسي. تجري هذه النشاطات حسب الظروف الملموسة لكل بلد، و مستوى الوعي السياسي والاجتماعي للعاملين أنفسهم، و عمق شعورهم بأنهم موضع استغلال وتلاعب. وتبقى مسألة الثقة بالداعين إلى الإضراب تلعب دورًا أساسيًا في قوة التحشيد وصلابة المواجهات. هذه العوامل مجتمعة تلعب أدوارًا حيوية في إتجاه اتساع نطاق الإضرابات، أو انحسارها عند غيابها أو تراجعها.
ـ إتساع نطاق عولمة بعض فروع العمل والخدمات والإنتاج، خاصة فيما يتعلق بامكانية نقل الإنتاج إلى مواقع أخرى جديدة، تحت تأثير وبسبب البحث عن قوة عمل أرخص. تقوم بعض الشركات بنقل جزءٍ أو أجزاء من أعمالها إلى دول أخرى، أو الاعتماد على سلاسل توريد عالمية، مما يقلل من تأثير الإضرابات المحلية مقارنة بالفترات الماضية. كما إن الكثير من الأعمال لا تحتاج إلى أن يكون الشغيل في ذات موقع مؤسسته، خاصة تلك الأعمال التي تستخدم العمل الرقمي.