مرجان سترابي : حزن وفاتها و عشق الحياة ذات المغزى
شادي الشماوي
2026 / 6 / 25 - 08:39
جريدة " الثورة " عدد 962 ، 22 جوان 2026
www.revcom.us
ملاحظة ناشري موقع أنترنت revcom.us : هذه رسالة من قارئ نُشرت باللغة الإسبانيّة على " الراية الشيوعيّة " ، موقع أنتر نت المجموعة الشيوعيّة الثوريّة ، كولمبيا (GCR ) و قام متطوّعون من موقع https://www.revcom.us بترجمته إلى الأنجليزيّة .
---------------------------------------------
بحزن و أسي كبيرين ، يودّع العالم مرجان سترابي : امرأة متميّزة ، معارضة للتيوقراطيّة الإيرانيّة و مقاتلة في سبيل تحرير النساء في إيران . في 4 جوان 2026 ، غيّب الموت مرجان سترابي ، الروائيّة التخطيطيّة ، و الكاتبة و المخرجة السينمائيّة ، و سنّها 56 سنة . كانت حياتها القصيرة تزخر بالمعاني منذ نعومة أظافرها ، و قد قاتلت من أجل ذلك إلى أيّامها الأخيرة . و أحيانا ، نسينا أنّ حياة الإنسان محدودة و أنّ زمنها له نهاية ، و سيكون من المفيد أن نفكّر في ما نفعله بالزمن الذى لدينا .
و قد كان إلتزام سترابي بإدانة إضطهاد النساء إلتزاما نموذجيّا . و قد رسمت صورا كاريكاتوريّة حول نساء إيران ، و جمّعت معا عديد الفنّانين لإيجاد نشريّة عن تمرّد " النساء ، الحياة ، الحرّية " التي إندلعت عقب قتل مهسا ( جينا ) أميني، و في شريط أفردته لماري كوري ، لم تبيّن أهمّية مشاركة المرأة في الحقل العلمي فحسب ، و إنّما أيضا في النضال السياسيّ.
بخطوط عريضة و سوداء لروايتها المصوّرة " برسيبوليس " Persepolis ، حوّلت رواية سيرة ذاتيّة إلى صورة عن المجتمع الإيراني خلال فترة محوريّة . و من خلال عيون مرجان الشابة ، نشاهد تمرّد الشعب الإيراني ضد الشاه المكروه و حكمه العميل المدعوم من الولايات المتّحدة . و نتعرّف على الدور الحيويّ للفنون و المثقّفين و المحترفين في النضال ضد هذا النظام ، و لدينا لمحة عن تنوّع القوى في صفوف التمرّد و ضمنها ليبراليّين و شيوعيّين ( بعض الماويّين ) ، و وجوه دينيّة إسلاميّة لعبوا أدوارا هامة .
في روايتها المصوّرة الشهيرة عالميّا ، تنادينا سترابي إلى التعلّم كيف أنّه ، بعد الإطاحة بالنظام الملكي و إستيلاء الأصوليّين الإسلاميّين على الثورة ، إنطلقت أمواج من القمع و الإعتقالات و التعذيب و النفي و الإعدامات و تحمّلت النساء عبئها – حتّى البحث عن تأبيد اللباس الإجباري للخمار – ما أخذ يميّز حياة ملايين الإيرانيّين و شكّل جزءا من العالم نعيش فيه الآن.
و قد شهّرت سترابي و ندّدت بإضطهاد و قمع الإيرانيّين و الإيرانيّات من قبل الأصوليّين الإسلاميّين و نشرت رغبة مستقبل مغاير لبلدها ، لكن هذا لا يعني أنّها وقفت إلى جانب الإمبرياليّين الذين إستغلّوا الكره الشرعي للجمهوريّة الإسلاميّة لمزيد تعميق هيمنتهم الإمبرياليّة . و مثلما أعربت عن ذلك : " هناك عديد الأشياء أريدها لبلدي : أريد أن يكون بلدي حرّا ، أريد أن يكون بلدي ديمقراطيّا ، لا أريد أن يُسجن أيّ صحفيّ بسبب مقال كتبه في بلدي . لكن إن هاجمت الولايات المتّحدة الأمريكيّة بلدي ، مهما كان الأمر ، سأقف ضد الولايات المتّحدة . "
و أكّدت سترابي في عدّة حوارات صحفيّة ، " من المهمّ للغاية أنّ تتمّ الإطاحة بهذا النظام " إلآّ أنّها شدّدت على أنّ ذلك " لا يمكن أن يحصل بين ليلة و ضحاها . أعتقد أنّه من المهمّ الحفاظ على الأمل ." طبعا ، هذا صحيح ، لكن يجب على الأمل أن يقوم على فهم علميّ لنوع النظام الذى نعيش في ظلّه ، و تناقضاته ، و ديناميكيّته و الحلّ المناسب . و على وجه الضبط هذا ما يميّز مجموعة من الإيرانيّين عن الأخرى من المجموعات التي إستاءت لصعود الأصوليّة الإسلاميّة و قد كرّست هذه المجموعات حياتها للإطاحة بها و للإطاحة بالإمبرياليّة .
و قد رغبت سترابي في الديمقراطيّة للبلد . و بالنسبة للكثيرين و ربّما بالنسبة لها أيضا ، يشمل هذا التطلّع إلى هذه الديمقراطيّة رغبة في وضع نهاية للقمع الذى يمارسه راهنا نظام آية الله في إيران ، رغبة في حرّية التعبير و إزدهار المعارضة . و يسمّى العديد من الناس هذا على أنّه " مجتمع ديمقراطيّ " . و الرغبة في الحرّيات السياسيّة هذه و من اجل مجتمع يسمح بالمعارضة بإعتبارها شرعيّة و إيجابيّة ؛ ما هو موضع السؤال هو الفكرة ( الشائعة جدّا ) بأنّ هناك ( أو أنّه من الممكن بلوغ ) " ديمقراطيّة " مجرّدة في مجتمع منقسم طبقيّا ، على غرار كافة المجتمعات المعاصرة .
و حتّى موضع سؤال أكثر هو ربط ( ليس أنّ مرجان سترابي أعربت عن ذلك بصفة مباشرة أو صريحة ، و لكنّه شائع) عن " الديمقراطيّة " بأنواع من الأنظمة القائمة في " الغرب " . ما هي الديمقراطيّة في نظام قائم على إستغلال و إضطهاد ملايين الناس ؟ ما هي الديمقراطيّة في مجتمع منقسم إلى طبقات إجتماعيّة و لامساواة عميقة ؟ و هذه الديمقراطيّة الغربيّة المرغوب فيها رغبة كبيرة هي ذات الديمقراطيّة التي تقصف بالقنابل و تخطف حياة أطفال غزّة و التي تقصف اليوم الصواريخ على لبنان و إيران ، ما يثير سؤال لماذا ليست الديمقراطيّة في النظام الرأسمالي أكثر من دكتاتوريّة أقلّية من المضطهِدين ضد أغلبيّة من المضطهَدين .
و النقاش حول هذه المسائل ليس مجرّد نقاش نظريّ ؛ هذه نقاط حيويّة حول ما إذا كان مجتمعا إضطهاديّا مثل تلك في إيران، و الولايات المتّحدة أو إسرائيل ، أو ما إذا سيضع مجتمع حيث سينتهي كلّ الإستغلال و الإضطهاد ، كجزء من ذلك ن مجتمع أين تزدهر المعارضة ، مثل ذلك الذى حلمت به مرجان ، سيتحقّق حقّا .
و أجل ، صحيح أنّ هذا المجتمع لن يظهر بين ليلة و ضحاها . فهذا يقفتضى صراعا شديدا . و هنا مثل هذه المسائل تصبح هامة : لماذا سنكرّس حياتنا ؟ هل من الممكن أن يكون العالم مغايرا و أفضل ؟ هذه مسائل للذين لم يعودوا يطيقون رؤية العذابات و اليأس من ملايين البشر الذين يتسأءلون ، و الذين سيتقدّمون لفهم أسباب و العمل بإخلاص من اجل تحرير الإنسانيّة .
و صلب إيران ذاتها ، لدينا عديد الأمثلة . آزار درشكان كانت عضوة بارزة في الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي – اللينيني – الماويّ ) .و قد غادرت إيران أواسط ثمانينات القرن العشرين . و بما أنّها كانت تقاتل بلا هوادة الإضطهاد البطرياركي / الأبوي / الذكوري في إيران و في العالم ، قد فهمت بعمق الدور الحيويّ للنظريّة الشيوعيّة في تطوير الفهم العلميّ لمصدر الإضطهاد و طريق التحرّر بواسطة الثورة الشيوعيّة . و قد كانت أوروبا منفاها ، عملت آزار لأجل إنشاء قوّة ثوريّة داخل الحركة النسويّة الإيرانيّة . و كانت ملتزمة بحماس لتدريب الشيوعيّين الثوريّين و بتكريس نفس كبير إلى نهاية حياتها ، و ساهمت قدر مستطاعها في تحرير العالم من كابوس الرأسماليّة . وهي مثال لامع للمثابرة و التمسّك السليم بالمبادئ و بنوع الأخلاق المطلوبة ، و فرح لا ضفاف له وجدت في فهم الخطوات المتقدّمة في النظريّة الشيوعيّة ، و الثبات على تكريس حياتها للتقدّم نحو عالم خال من الإستغلال و الإضطهاد .
لذا عندما يقع سحق حياة غالبيّة الناس ، عندما يقع كسر أرواح الناس ، عندما يوجد تهديد بحرب نوويّة ، عندما تتسارع الكارثة البيئيّة ، ما الذى ينبغي أن يكون دورنا في كلّ هذا ؟ هل يتعيّن أن يشلّنا هذا أم يتعيّن أن نستمرّ في حياتنا متعامين عن ما يجرى و محاولين الحصول على المزيد من الأشياء لأنفسنا ضمن هذا النظام ؟ أم ، بالعكس ، هل يمكن أن نكرّس حياتنا للقتال من أجل شيء مغاير راديكاليّا ، من أجل عالم أفضل ؟ و بما أنّ الحياة محدودة ، من الأفضل أن نكرّس حياتنا لبلوغ الأهداف التحريريّة . لنتعلّم من تمرّد و شجاعة و جرأة المقاتلات الإيرانيّات على غرار سميّة كرغر و سبيده غوليان، و عديد و عديد المقاتلات الأخريات في السجون الإيرانيّة اللواتي تحلم و تجتهد ، حتّى في أصعب الأوضاع ، لإعطاء حياتهنّ معنى تحريريّا .
و يبيّن واقع العالم أنّنا نوجد كجسم واحد ، كإنسانيّة . و لدينا أشياء مشتركة أكثر بكثير مع الإيرانيّين و الفلسطينيّين و الكنغوليّين أو المكسيكيّين من التي لدينا مع الطبقات الحاكمة للبلدان التي نعيش فيها . و للمستغلّين و المضطهَدين كذلك شيء مشترك في كلّ مكان من العالم – الحفاظ على نظامهم .
و لئن مضينا مع التيّار ، نفرّط في فرصة و إمكانيّة وضع نهاية لهذا النظام ، بينما نوفّر لهم المزيد من تحطيم حيوات الآخرين مثلنا حول العالم .
أن نفهم و أن نرتئي حياة لها معنى أمر في حاجة إستعجاليّة الآن في علاقة بحروب الإمبراطوريّة التي شنّتها الإمبرياليّة ، و بصعود الفاشيّة في العالم ، و بتدمير البيئة .
إنّنا في حاجة إلى نوع من النضال الذى خاضته مرجان سترابي ، بشجاعتها و فنّها و روحها التمرّديّة ، و نقدها اللاذع للطغيان . و مثلها ، بعض المثقّفين تحرّكهم التناقضات الأساسيّة في المجتمع لمعارضة بعض أشكال الإضطهاد حينما يتوصّلون إلى طبيعة العلاقات المهيمنة التي فات أوانها . لكن أكثر من ذلك ، يجب على هذا الفهم أن يقودهم إلى ضرورة تغيير العالم و إنشاء عالم آخر على أساس جديد تماما ، للوقوف إلى جانب المضطهَدين . و يتطلّب هذا الصنف من النضال حتّى معان أعظم حينما يلتقى مع نضالات أكثر تقدّما . و تكتسب حياتنا معنى لمّا نستخدمها للمساهمة قدر المستطاع في تحرير الإنسانيّة . و اليوم ، أكثر من أيّ زمن مضي ، نحن في حاجة إلى قلوبنا كي تخفق كقلب واحد لخوض قتال مصمّم ضد هذا النظام الرأسمالي – الإمبريالي .