محاولات نشر الشيوعيين للشيوعية في العالم
زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 24 - 06:41
شكّلت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي العالمي؛ إذ لم ينظر قادتها إلى نجاحهم بوصفه حدثًا محليًا يخص روسيا وحدها، بل اعتبروه الشرارة الأولى لثورة عالمية شاملة تقضي على الرأسمالية وتؤسس لنظام شيوعي عالمي.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، ازداد اعتقاد فلاديمير لينين ورفاقه بأن الظروف أصبحت مواتية لانتشار الثورة في أوروبا والعالم، ومن هنا ظهرت فكرة "نشر الشيوعية في العالم"؛ التي تمثلت في استخدام القوة العسكرية والدعاية السياسية والتنظيمات الدولية لنشر الشيوعية خارج حدود روسيا، إلا أن هذه الطموحات واجهت تحديات وعقبات كبيرة أدت في النهاية إلى تراجع الآمال بتحقيق الثورة العالمية السريعة.
فمع نهاية الحرب العالمية الأولى، بدأت القيادة البلشفية بتنفيذ مشروعها الثوري على أرض الواقع، فقد تحرك الجيش الأحمر باتجاه دول البلطيق وبولندا وأوكرانيا أملاً في الوصول إلى ألمانيا، حيث توقع البلاشفة اندلاع ثورة عمالية واسعة، وفي الوقت نفسه كانت روسيا تشهد حربًا أهلية شرسة بين البلاشفة وخصومهم من الملكيين والثوريين الاشتراكيين والفوضويين والقوى الأجنبية المتدخلة، ورغم تعدد خصومهم، تمكن البلاشفة بحلول عام 1920 من تحقيق النصر وترسيخ سلطتهم.
كان للجيش الأحمر دور حاسم في هذا الانتصار، فقد قام ليون تروتسكي، مفوض الحرب، بتنظيم هذا الجيش وتحويله إلى قوة عسكرية ضخمة بلغ تعدادها نحو خمسة ملايين جندي، واعتمدت الحكومة خلال تلك المرحلة سياسة عُرفت باسم "شيوعية الحرب"؛ حيث جرى تأميم المصانع ومصادرة المحاصيل الزراعية وإخضاع الاقتصاد لسيطرة الدولة الكاملة؛ بهدف دعم المجهود الحربي والحفاظ على السلطة الجديدة، وقد تركت هذه السياسة آثارًا عميقة على المجتمع والاقتصاد السوفيتي.
ولتعزيز مشروع الثورة العالمية، أسس البلاشفة عام 1919 منظمة "الأممية الشيوعية"؛ والتي هدفت إلى توحيد الأحزاب الشيوعية في مختلف أنحاء العالم تحت قيادة موسكو، وسرعان ما تحولت هذه المنظمة إلى مركز دولي لنشر الفكر الشيوعي وتنسيق النشاطات الثورية، وفي مؤتمرها الثاني عام 1920 وضع لينين واحدًا وعشرين شرطًا للانضمام إليها؛ أبرزها الالتزام بخط الحزب البلشفي ورفض الإصلاحية الاشتراكية والاستعداد للصراع الثوري العالمي.
ضمت الأممية الشيوعية شخصيات بارزة مثل غريغوري زينوفييف وكارل راديك وفيكتور سيرج، وقد لعب هؤلاء دورًا مهمًا في بناء شبكة دولية من الأحزاب والمنظمات المؤيدة للشيوعية، كما اجتذبت الأممية الشيوعية العديد من المثقفين والثوريين من مختلف البلدان، ومن بينهم الكاتب الأمريكي جون ريد، الذي اشتهر بكتابه «عشرة أيام هزت العالم» حول الثورة البلشفية، وأصبح من أبرز المدافعين عن التجربة السوفيتية قبل وفاته في موسكو عام 1920.
ومن نتائج نشاط الأممية الشيوعية ظهور أحزاب شيوعية جديدة في عدد من الدول، مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين واليابان، كما انضم إليه عدد من القادة الذين أصبحوا لاحقًا شخصيات تاريخية بارزة، ومنهم الزعيم الفيتنامي هو تشي منه، وكانت موسكو تأمل أن تتحول هذه الأحزاب إلى أدوات لنشر الثورة في بلدانها، وأن تشكل نواة لنظام عالمي جديد يقوده العمال والفلاحون.
غير أن الواقع لم يكن دائمًا منسجمًا مع هذه الطموحات؛ ففي عام 1919 شهدت المجر قيام جمهورية سوفيتية بقيادة بيلا كون، أحد أنصار لينين، وقد حاول النظام الجديد تطبيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية، لكنه واجه أزمات اقتصادية حادة ونقصًا في الغذاء وتدخلات عسكرية خارجية أدت إلى انهياره بعد 133 يومًا فقط، وفي الفترة نفسها تقريبًا أُعلنت جمهورية سوفيتية في بافاريا الألمانية، لكنها لم تستمر سوى أسابيع قليلة قبل أن تسقط على يد القوات المعادية للشيوعية.
وجاءت الحرب السوفيتية البولندية عام 1920 لتشكل اختبارًا حاسمًا للمشروع الثوري، فقد اعتقد البلاشفة أن الجيش الأحمر سيتمكن من الوصول إلى ألمانيا عبر بولندا، وأن العمال والفلاحين البولنديين سينضمون إلى الثورة، إلا أن المقاومة البولندية أوقفت التقدم السوفيتي عند مشارف وارسو، وانتهت الحرب باتفاق سلام عام 1921، وقد شكل هذا الفشل ضربة قوية لآمال لينين في نشر الثورة إلى أوروبا الغربية.
وفي الوقت نفسه واجه النظام السوفيتي تحديات داخلية خطيرة، والتي على إثرها أدرك لينين أن البلاد تمر بأزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة، فقرر التراجع جزئيًا عن سياسات شيوعية الحرب وأطلق "السياسة الاقتصادية الجديدة" والتي سمحت بقدر محدود من النشاط الاقتصادي الخاص، مما ساهم في إنعاش الاقتصاد السوفيتي مؤقتًا.
وإذ تكشف تجارب الحزب الشيوعي لنشر الشيوعية في العالم عن حجم الطموح الذي حمله البلاشفة بعد نجاح ثورتهم في روسيا، فقد سعوا إلى تحويل انتصارهم المحلي إلى ثورة عالمية تقضي على النظام الرأسمالي في مختلف البلدان، غير أن إخفاق الثورات في المجر وبافاريا، وفشل الحرب السوفيتية البولندية، والمشكلات الداخلية التي واجهها النظام السوفيتي، دفعت القيادة البلشفية إلى إعادة النظر في توقعاتها.
ومع تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية عام 1922؛ انتقلت الأولوية من تصدير الثورة الفوري إلى بناء الدولة السوفيتية وتعزيز قوتها، وهكذا تراجعت أحلام الثورة العالمية السريعة، لكن الاتحاد السوفيتي بقي لعقود طويلة أحد أهم الفاعلين في السياسة الدولية حتى انهياره عام 1991.