قراءة سريعة لثورة أكتوبر الشيوعية
زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 24 - 00:12
تُعدّ ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 من أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن مجرد تغيير سياسي داخل روسيا، بل شكلت نقطة تحول عالمية أثرت في الفكر والسياسة والعلاقات الدولية طوال القرن العشرين.
فقد نجح البلاشفة بقيادة فلاديمير لينين في الإطاحة بالحكومة المؤقتة الروسية وإقامة نظام سياسي جديد قائم على المبادئ الشيوعية؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور الاتحاد السوفيتي لاحقاً باعتباره إحدى القوى العظمى في العالم، وقد جاءت هذه الثورة في ظل ظروف استثنائية عاشتها روسيا خلال الحرب العالمية الأولى؛ حيث تفاقمت الأزمات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، مما هيأ البيئة المناسبة لصعود البلاشفة ووصولهم إلى السلطة.
شهدت روسيا خلال عام 1917 حالة من الفوضى والاضطراب السياسي بعد سقوط الحكم القيصري، فقد عانت البلاد من خسائر عسكرية كبيرة في الحرب العالمية الأولى، كما تدهورت الأوضاع الاقتصادية وارتفعت معدلات الفقر والجوع بين السكان، وفي هذا المناخ المضطرب؛ عاد فلاديمير لينين إلى روسيا في أبريل 1917 حاملاً مشروعه الثوري الهادف إلى إسقاط الحكومة المؤقتة وإقامة سلطة اشتراكية جديدة، وقد رفض لينين فكرة إصلاح النظام القائم أو الحفاظ عليه، ودعا بدلاً من ذلك إلى ثورة شاملة تنقل السلطة إلى العمال والفلاحين.
في تلك الفترة كان ألكسندر كيرينسكي يتولى رئاسة الحكومة المؤقتة، وقد حاول مواصلة الحرب ضد ألمانيا أملاً في الحفاظ على مكانة روسيا الدولية، غير أن الهجوم العسكري الذي أطلقه فشل فشلاً ذريعاً، مما زاد من تراجع شعبية الحكومة ومنح البلاشفة فرصة لتعزيز نفوذهم السياسي، ورغم فشل محاولة تمرد بلشفية في يوليو 1917؛ فإن لينين لم يتخلَّ عن مشروعه، بل واصل التخطيط للثورة من منفاه المؤقت في فنلندا.
وقد ساعدت عدة عوامل على تقوية موقع البلاشفة؛ من أبرزها ما عُرف بقضية كورنيلوف، عندما اتُّهم قائد الجيش الجنرال لافار كورنيلوف بمحاولة الاستيلاء على السلطة، وقد أدى هذا الحدث إلى زيادة المخاوف من عودة الحكم العسكري، الأمر الذي دفع العديد من العمال والجنود إلى دعم البلاشفة باعتبارهم قوة قادرة على مواجهة التهديدات التي تواجه الثورة الروسية.
بحلول أكتوبر 1917 أصبح البلاشفة يتمتعون بأغلبية داخل سوفييت بتروغراد، وهو مجلس يمثل العمال والجنود، وهنا اتخذ لينين القرار الحاسم بالتحرك للاستيلاء على السلطة؛ وحينها، لعب ليون تروتسكي دوراً محورياً في تنظيم العملية بصفته رئيساً لسوفييت بتروغراد ورئيس اللجنة العسكرية الثورية، وفي ليلة الرابع والعشرين إلى الخامس والعشرين من أكتوبر بدأت القوات البلشفية بالسيطرة على المراكز الحيوية في العاصمة.
وبالتالي، جاءت اللحظة الحاسمة عندما أطلقت الطرادة "أورورا" إشارة الهجوم على قصر الشتاء، مقر الحكومة المؤقتة، ورغم الرمزية الكبيرة لهذا الحدث، فإن عملية الاستيلاء على القصر تمت بسرعة نسبية ولم تشهد مقاومة كبيرة، وبذلك تمكن البلاشفة من إسقاط الحكومة المؤقتة وإعلان انتقال السلطة إليهم فيما أصبح يُعرف لاحقاً باسم "ثورة أكتوبر الحمراء".
بعد نجاح الانقلاب السياسي تحرك البلاشفة بسرعة لتثبيت سلطتهم، فقد أعلن لينين أن الجماهير المضطهدة ستنشئ حكومتها الخاصة وأن مؤسسات الدولة القديمة ستُزال بالكامل، ومع انسحاب الأحزاب الاشتراكية المنافسة من مؤتمر السوفييتات، أصبح الطريق مفتوحاً أمام البلاشفة للهيمنة السياسية، ورغم ادعائهم أنهم يحكمون باسم السوفييتات، فإن السلطة الفعلية أصبحت بيد مجلس مفوضي الشعب الذي ترأسه لينين، بينما تولى تروتسكي الشؤون الخارجية، وتولى جوزيف ستالين مسؤولية شؤون القوميات.
ومع وصوله إلى السلطة، أظهر لينين إيماناً راسخاً بضرورة إقامة دكتاتورية ثورية لحماية النظام الجديد، وعندما جرت انتخابات الجمعية التأسيسية في نوفمبر 1917 وحصل البلاشفة على أقل من ربع الأصوات، قاموا بحل الجمعية بالقوة، في خطوة عكست رفضهم للمسار الديمقراطي التقليدي عندما تعارض مع أهدافهم السياسية.
كما شرع النظام الجديد في إعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع، فقد جرى تأميم المصانع والأراضي وإخضاعها لسيطرة الدولة، وأُنشئت في ديسمبر 1917 الشرطة السرية المعروفة باسم "التشيكا"، التي أوكلت إليها مهمة حماية الثورة والقضاء على المعارضين، وسرعان ما أصبحت هذه المؤسسة رمزاً للقمع السياسي، حيث نفذت حملات اعتقال واسعة ضد الخصوم السياسيين.
على الصعيد الدولي، سعى البلاشفة إلى تنفيذ وعدهم بإنهاء مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى، ولهذا وقعوا معاهدة بريست-ليتوفسك مع ألمانيا عام 1918، وهي معاهدة فرضت على روسيا خسائر إقليمية واقتصادية كبيرة، ورغم قسوة شروطها، اعتبرها لينين خطوة مؤقتة تهدف إلى كسب الوقت وحماية الثورة الوليدة.
لكن خروج روسيا من الحرب لم يؤدِّ إلى الاستقرار؛ بل دخلت البلاد في سلسلة من الحروب الأهلية بين البلاشفة وخصومهم المعروفين باسم "البيض"، كما واجهت الحكومة الجديدة مقاومة من الفلاحين وبعض القوى الأجنبية التي تدخلت لدعم خصومها، وقد أسفرت هذه الصراعات عن ملايين الضحايا نتيجة القتال والمجاعة والأوبئة.
تمثل ثورة أكتوبر البلشفية حدثاً مفصلياً في التاريخ العالمي، إذ أدت إلى قيام أول دولة شيوعية في العصر الحديث وغيرت موازين القوى السياسية والفكرية لعقود طويلة، وقد نجح لينين والبلاشفة في استغلال الأزمات التي كانت تعصف بروسيا للوصول إلى السلطة، إلا أن نجاحهم اقترن باستخدام واسع للقوة والقمع من أجل تثبيت حكمهم، وبينما اعتبر أنصار الثورة أنها فتحت الطريق أمام بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة، رأى منتقدوها أنها أرست أسس نظام استبدادي جديد، وبغض النظر عن الموقف منها، تبقى ثورة أكتوبر إحدى أهم المحطات التاريخية التي أسهمت في تشكيل العالم المعاصر.