في كشف حمة الهمامي و اليسار الاصلاحي


سامر بن عبد السلام
2026 / 6 / 23 - 20:11     

ما كتبه حمّة الهمّامي استوقفني في بعض النقاط التي سأوضّحها باقتضاب، لا كردّ على أمين عام حزب العمّال، لأنّي أعتقد أنّه منتهٍ سياسياً ولا يستحقّ الردّ عليه، بل كتمرين ماركسي للكشف عن هؤلاء اليساريين المتخفّين وراء الماركسية والمتشدّقين بها، وهم في الحقيقة ما هم إلا برجوازية صغيرة حاملة لفكر ليبرالي لا يمتّ للمادية الجدلية بصلة.
-اولا: مسألة "المحاكمة العادلة" كما يطرحها تكشف مدى ابتعاد هذا "الماركسي" عن المادية الجدلية، وتحديداً عن الديالكتيك الهيغلي. فالرفيق ينظر للمسائل بطريقة ميكانيكية غير جدلية؛ فالمحاكمة عنده إما "عادلة صرفة" أو "غير عادلة صرفة". هذا الطرح يمثل تواصلاً فجاً للمنطق الصوري الأرسطي الذي ينفي التناقض داخل المفهوم الواحد، ويتعامل مع أي مفهوم على أنه كيان ثابت ومطلق ومكتفٍ بذاته (أ = أ).
في حين أن الجدل الهيغلي يعلمنا أن المفهوم يحمل نقيضه في ذاته، أي أن (أ = أ) و(أ = لا أ) في نفس الوقت. لذلك، ومن منظور ماركسي، لا يمكن التعامل مع أي محاكمة على أنها عادلة بالمطلق أو غير عادلة بالمطلق. فمن الطبيعي والموضوعي أن تحتوي المحاكمة على عناصر "لا عادلة" تعكس تناقضات الواقع وأجهزة الدولة، ولكن وجود هذه العناصر لا يحولها ميكانيكياً إلى محاكمة "لا عادلة صرفة"، والعكس صحيح. التفكير بخلاف ذلك هو سقوط في المثالية البرجوازية التي تبحث عن نقاء المفاهيم خارج حركة التاريخ.
-ثانياً: يتحدث الرفيق "موش وقتو" بسذاجة عن "القضاء المستقل"، في حين أنّه لا ماركس ولا لينين ولا أيّ قيادة من قياداتنا الثورية تحدثت يوماً عن استقلالية القضاء كهدف للماركسيين الثوريين. نحن لا نهدف أصلاً لتحقيق ما يُسمّى بـ"استقلالية القضاء"، لا في ظل نظام رأسمالي أو رأسمالي تابع، ولا حتى في ظل الاشتراكية؛ لأن مفهوم الاستقلالية هذا يتعارض جذرياً مع أبجديات المادية التاريخية ومفهوم "المصلحة الطبقية".
في الاشتراكية: القضاء ليس مستقلاً ولا محايداً، بل هو جهاز منحاز بوضوح للدفاع عن الطبقات الكادحة وخدمة مصالحها.
في الرأسمالية (والتابعة منها): القضاء بطبيعته غير مستقل لأنه أداة قمع مبنية لخدمة الطبقات الرجعية السائدة وحماية مصالحها.
وأكبر دليل على هذا الفهم المادي هو تعامل لينين وتروتسكي مع مؤسسة القضاء؛ فقد اعتبراها مجرد مجال للصراع الطبقي وساحة دعائية لنشر الأفكار الشيوعية. حتى أن لينين كان يؤكد دائماً على أن دور الشيوعيين عند وقوفهم أمام المحاكم هو استغلال منصة المحاكمة للخطابة، والدعاية الثورية، وفضح تناقضات النظام البرجوازي، وليس التباكي الحقوقي للإفلات من العقاب أو محاولة تجنب العقوبة التي هي آتية لا محالة من جهاز وُجد بالأساس لسحقهم.
-ثالثاً: أما النقطة المتعلقة بقوله إن المعركة متواصلة لأن مع أول تغيير سياسي سيتم التشكيك لا في الأحكام فقط بل في الجريمة ككل؛ فلِسائل أن يسأل هنا: كيف لإنسان يدّعي الماركسية أن يكون بمثل هذا الضعف والهوان الاستسلامي؟
إذا كان هناك تشكيك قادم في الجريمة، فإن دور اليسار الثوري هو أن يكون مستعداً مسبقاً، وأن يعبّئ جماهيره ويخلق لنفسه قاعدة شعبية متينة ومتجذرة بين الكادحين، ليتصدى بصلابة وفي الشارع لأي محاولة تشكيك من قبل الإسلاميين. التشكيك في الجريمة عند حدوث أي تغيير سياسي هو تحصيل حاصل لا محالة، حتى لو عولجت كل الإجراءات الشكلية التي تجعل المحاكمة "عادلة". فالإسلاميون سيتحججون دائماً بأن القضاء كان مسيساً، وبأنهم لا يقبلون أحكاماً صدرت في ظل سلطة "انقلاب" تتعامل معهم كخصم سياسي.
القضية هنا ليست في محاولة الهروب وتفادي تشكيك سيقع بالضرورة، بل الجوهر هو أن يكون اليسار الثوري الماركسي هو الطرف السياسي الأقوى والمهيمن عند حدوث التغيير، ليفرض حقيقة الجريمة الإخوانية ويدافع عن الإدانة بقوته الجماهيرية. الواجب الماركسي يقتضي الاستعداد للصراع الطبقي والسياسي وخوضه بشراسة، لا محاولة الهروب اليائس والمسبق من معركة الغد.
ما يفعله حمّة هنا هو تسليم مُسبق ومفضوح بضعف اليسار وبهيمنة الإسلاميين الجماهيرية في حال حدوث أي تغيير قادم. ولهذا السبب تحديداً، نراه يهرب نحو صورة مثالية طوباوية لا توجد إلا في رأسه، يطالب فيها بـ"قضاء مستقل" و"محاكمة عادلة صرفة"، متوهماً بسذاجة ليبرالية أن هذه الشكليات البرجوازية هي ما سيمنع الإسلاميين من إيجاد ذرائع للتشكيك.
يُضاف إلى ذلك أن هذا المتشدّق بالماركسية قد تخلّى تماماً عن أيّ فرضية للتغيير الجذري، ولو حتى في حدودها النظرية. لقد أصبح يتعامل مع واقع الضعف والعجز والفشل على أنه واقع طبيعي ومُسلّم به، مستعيضاً عن أفق التعبئة الجماهيرية بالبحث عن ضمانات قانونية برجوازية واهمة، مما يكرّس عقلية الاستسلام ويفضح عجزاً كاملاً عن تخيل أي مسار تاريخي يُبنى على الفعل الذاتي والمستقل لطبقة الكادحين.
-رابعاً: يلاحظ المتابع اختفاء المعجم الماركسي تماماً من النص؛ فلا صراع طبقي، ولا بنية تحتية، ولا أدوات تحليل مادية. لقد استُبدلت هذه الأدوات بـ"الظلم المجرد" و"دولة القانون"، وهي مفاهيم مبهمة. هذه ليست صدفة، بل هي انعكاس لهزيمة أيديولوجية؛ فالذي يغير لغته يغير جوهر مشروعه ويذوب في الخطاب السائد.
خاتمة: إن هذا الخطاب يمثل "وحدة جدلية" بين الظاهر والماهوي. فالظاهر هو نص "راديكالي" منمق يدعي الدفاع عن الحق، والماهوي هو العجز الإصلاحي والتخلي عن الماركسية كأداة تحليل. لكننا نؤكد أن الماهوي ليس خفياً، فالنص نفسه بظاهره هو التجسيد المادي لهزيمة الماهية الثورية. إن هذا الحزب لا يملك اليوم إلا هذا "الظاهر" ليحمي به "ماهويته" الإصلاحية، وبذلك تتحول ممارسته السياسية إلى حقل تتوارى فيه الماركسية لتفسح المجال لليبرالية كممارسة يومية.