من شعار إلى آخر... هل يتعلم الكورد من إخفاقات التجربة السياسية؟
حجي قادو
2026 / 6 / 21 - 14:48
يبدو أن التاريخ الكردي المعاصر يعيد إنتاج ذاته بصورة متكررة؛ فبعد كل تجربة سياسية تتعثر أو تفشل، يظهر مشروع جديد بنفس الذهنية لا يلبث أن يواجه التحديات نفسها، وإن اختلفت الشعارات والعناوين ،بينما تبقى الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحقوق القومية والهوية والمستقبل السياسي للكورد دون إجابات حاسمة.
فعلى مدى عقود، رُفع شعار "توحيد وتحرير كردستان" بوصفه الهدف المركزي للحركة القومية الكردية. وقد ارتبط هذا الشعار بنضال مسلح طويل كلف الكورد أثماناً باهظة من الدماء والتضحيات، لكنه لم ينجح في تحقيق الأهداف التي رُسمت له.
لهذا برزت أطروحة "الأمة الديمقراطية" و"أخوة الشعوب" باعتبارها بديلاً فكرياً وسياسياً. واستمرت هذه الرؤية لما يقارب عقدين من الزمن، مقدمة نفسها كصيغة تتجاوز القوميات التقليدية نحو فضاء ديمقراطي أوسع. غير أن منتقديها منذ لحظة الاولى من انطلاقتها ،يرون أنها لم تتمكن هي الأخرى من تحقيق اختراق سياسي حقيقي يضمن الحقوق القومية للكورد أو يضع حداً للصراع القائم.
واليوم، يبرز خطاب جديد يقوم على أساس ديني "الإسلام الديمقراطي" أو "الأخوة الإسلامية"، بوصفه امتداداً أو تطويراً لمشاريع الاندماج السابقة. ويرى مؤيدو هذا التوجه أنه يفتح المجال أمام بناء شراكات سياسية واجتماعية تتجاوز الانقسامات القومية، بينما تنظر إليه شريحة واسعة من المثقفين والنخب الكردية بعين الريبة، معتبرةً أنه قد يؤدي عملياً إلى تذويب الهوية القومية الكردية في البوتقة الدينية وإعادة دمجها ضمن الأطر السياسية للدول التي يتقاسم الكورد أراضيها.
ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن الخطاب الديني قد يكون أقل عرضة للنقد القومي المباشر، لأنه يستند إلى مفاهيم جامعة مثل "الأمة الإسلامية" و"الأخوة بين المسلمين"، وهي شعارات تمتلك قدرة كبيرة على استقطاب الرأي العام التركي وأولها كورد باكور وتخفيف حساسية المطالب القومية. غير أن منتقدي هذه الأطروحة يتساءلون هل هذا الشعار الديني يخدم القضية الكوردية ، أم أنه يساهم في تأجيل معالجة جوهر المشكلة المتعلقة بالحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي.
إن القضية الأساسية لا تكمن في تبدل الشعارات بقدر ما تكمن في القدرة على استخلاص الدروس من التجارب السابقة. فالشعوب لا تُقاس بعدد المشاريع التي تطرحها، بل بقدرتها على مراجعة أخطائها وتطوير أدواتها السياسية بما ينسجم مع مصالحها الوطنية وحقوقها المشروعة.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح الكورد في بناء مشروع سياسي واقعي ومتوازن يستند إلى قراءة نقدية لتجارب الماضي، أم أن دوامة الانتقال من شعار إلى آخر ستستمر، بينما يمضي الزمن وتزداد التحديات تعقيداً؟