الدنمارك: مسار حكومة الأحزاب الأربعة نحو التسلح يتطلب ردا مضادا
لوته رورتوفت-مادسن
2026 / 6 / 17 - 10:14
إن الرواية الطاغية التي تهيمن اليوم على النقاش السياسي هي أن الدنمارك مهددة بغزو روسي، ربما ليس اليوم، ولكن غدا أو بعد غد، وعلى أي حال خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. وإذا قبلنا بهذه الفرضية، فإن الحزمة كاملة تأتي معها، كما تكتب رئيسة الحزب الشيوعي لوتّه رورتوفت-مادسن في هذه المدونة.
"مشكلة الأوروبيين أنهم ما زالوا يعتقدون ويتصرفون كما لو أننا نعيش في زمن السلم."
في منتصف مايو، شاركت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن، التي كانت آنذاك رئيسة للوزراء بالوكالة، في قمة كوبنهاغن للديمقراطية في العاصمة الدنماركية، حيث أجرى معها مقابلة مضيف القمة أندرس فوغ راسموسن، رئيس الوزراء السابق والأمين العام السابق لحلف الناتو، والذي يعمل حاليا "مستشارا دوليا".
وفي هذه المقابلة أوضحت أنه لم يعد مجديا التصرف كما لو أننا نعيش في أوقات سلمية.
ومن بين الأفكار الأخرى التي طرحتها، والتي تعكس بوضوح السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية التي تتبناها الدنمارك اليوم، قولها:
"إذا أردت الفوز في حرب، فعليك أن تخوضها... لا يوجد سوى طريق واحد للفوز في الساحة الدولية، وهو أن تكون أقوى من الآخرين... القوة هي العملة الوحيدة."
التسلح والعسكرة على جدول الأعمال
تترك ميته فريدريكسن مرة أخرى مجالا قليلا للشك: فالتسلح والعسكرة والحرب أصبحت في صلب الأجندة السياسية.
وقد انعكس ذلك أيضا في برنامج الحكومة الجديدة المكونة من أربعة أحزاب. إذ ينص البرنامج، من بين أمور أخرى، على إنشاء "إنتاج صناعي واسع النطاق وفعال من حيث التكلفة للمعدات العسكرية".
كما يدعو إلى إزالة "العوائق أمام صناعة الدفاع الدنماركية"، وإقامة "تعاون منهجي بين القوات المسلحة والنظام الدنماركي للبحث والابتكار".
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، ستدعم الحكومة تحقيق هدف "الجاهزية الدفاعية الأوروبية بحلول عام 2030". وفي هذا السياق، ينبغي تقليص أو إلغاء قدرة كل دولة عضو على تعطيل أو إيقاف استراتيجية إعادة تسليح أوروبا (ReArm Europe).
والأهم من ذلك كله، أن البرنامج يكرس دوامة التسلح المستمرة، إذ ينص على أن:
"الحكومة مصممة على أن تشكل نفقات الدفاع والاستعداد المدني ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، على أن يخصص 3.5% منها للدفاع."
ولم تحظ هذه الأجزاء المهمة جدا من البرنامج الحكومي باهتمام كبير، رغم أنها تحدد بصورة كاملة الإطار الذي ستجري ضمنه جميع الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
أما هذه الأنشطة الاقتصادية فتحددها ما يمكن وصفه بأنه "دستور" السياسة الاقتصادية لأي حكومة دنماركية في القرن الحادي والعشرين، بغض النظر عن لونها السياسي:
"ستصوغ الحكومة سياستها الاقتصادية ضمن إطار سياسة سعر الصرف الثابت، وآلية ربط إصلاح الرفاه لعام 2006، وقانون الموازنة الدنماركي، والتزامات الدنمارك الاقتصادية الدولية، بما في ذلك ميثاق الاستقرار والنمو التابع للاتحاد الأوروبي."
إن "إدارة المجتمع القائم" تعني اليوم القبول بعسكرة مدمرة للمجتمع. وربما يوجد من يرغب في إنهاء هذا النمط من الإدارة. أما نحن في الحزب الشيوعي، فنريد ذلك بالتأكيد.
حكومة برجوازية وعسكرية
وهكذا يصبح الأمر واضحا: عندما يتعلق الأمر بالأطر الاقتصادية العامة، فلا جديد يذكر.
ولذلك كان محقا ما كتبته صحيفة Arbejderen مؤخرا من أن الحكومة الجديدة "توزع الكعك على الأغنياء والفتات على الآخرين":
"إن الحكومة الجديدة ليست حكومة حمراء - بنفسجية كما تحب وسائل الإعلام أن تسميها، بل هي حكومة برجوازية عميقة الولاء للاتحاد الأوروبي وذات توجه عسكري."
وبالطبع كان يمكن أن يكون الوضع أسوأ. فحكومة أكثر يمينية كانت ستوجه ضربات أكبر إلى العمال والشرائح الشعبية.
ومن الطبيعي أن نفرح إذا تحققت بعض المبادرات الإيجابية الملموسة التي يجري الحديث عنها، بعد أن تنهي اللجان والخبراء الاقتصاديون عملهم خلال السنوات المقبلة.
لكن كان يمكن أيضا أن يكون الوضع أفضل بكثير. فلا توجد خطوة واحدة أو مبادرة واحدة تهدف إلى إخراج الدنمارك من دوامة التسلح الخطيرة التي أصبحت عالقة فيها.
إن قبول رواية "العدو القادم من الشرق"، وقبول استمرار تدمير أوكرانيا من أجل التمكن من "التقدم نحو روسيا"، يشكلان الأساس الذي لا يجرؤ أي حزب ممثل في البرلمان على تحديه.
رواية التهديد الروسي
إن الرواية المهيمنة على النقاش السياسي اليوم هي أن الدنمارك مهددة بغزو روسي، ربما ليس اليوم أو غدا، ولكن خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.
وعندما يتم قبول هذه الفرضية، فإن كل ما يتبعها يصبح مقبولا أيضا.
وخلال الأيام الأخيرة، انضمت هيئة الإذاعة الدنماركية (DR) إلى ما تصفه الكاتبة بـ"حرب الدعاية"، من خلال نشر صور أقمار صناعية مثيرة تظهر حشودا كبيرة من القوات الروسية قرب الحدود المتاخمة لدول البلطيق وفنلندا.
وما لم تكن هيئة الإذاعة الدنماركية قد وقعت، مثل صحيفة برلينغسكي مؤخرا، في فخ صور مولدة بالذكاء الاصطناعي، فإن المشاهد تبدو مقلقة بالفعل. لكن ربما يمكن تفسيرها بطريقة أخرى.
فهل هي بالفعل إجراءات هجومية، أم أنها ردود فعل على التوسع الغربي، خاصة بعد انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو خلال فترة وجيزة؟
وهل لدى روسيا مصلحة حقيقية في شن حرب ضد أوروبا وحلف الناتو وبدء مواجهة عسكرية هجومية واسعة النطاق؟
منطق الحرب
أصحاب السلطة في الدنمارك لا يساورهم الشك في الإجابة.
وهم يتصرفون وفقا لمنطق الحرب والتسلح.
أما نحن في الحزب الشيوعي، فنرى أنه لا ينبغي الانخداع بدعم العسكرة الأوروبية بذريعة "التهديد الروسي".
فمثل هذه الرواية لا تخدم سوى دعاة الحرب والقوى الكبرى في المجمع الصناعي العسكري.
وهذه هي الرواية نفسها التي يقبلها من يقبل برنامج حكومة الأحزاب الأربعة.
ومن المعروف أن حزب القائمة الموحدة (Enhedslisten) يشكل سندا برلمانيا لهذه الحكومة.
وهذا يعني أنه لن يسعى إلى إسقاطها، لكنه في الوقت نفسه لم يتعهد بالموافقة على كل شيء. ولذلك ستسعى الحكومة إلى تأمين أغلبياتها البرلمانية قضية بقضية.
لكن حزب القائمة الموحدة، برأي الكاتبة، باع نفسه بثمن بخس. فالإصلاحات الإيجابية التي تفاوض عليها يجري الترويج لها بصورة مبالغ فيها، بما يحجب الحقائق الأساسية الكامنة وراءها.
وتظهر تجارب دول أخرى، ومنها تجربة حزب دي لينكه (Die Linke) في ألمانيا، أن خلق مثل هذه الأوهام يؤدي في النهاية إلى الإحباط وخيبة الأمل، ليس فقط داخل الحزب نفسه، بل أيضا داخل الحركات الاجتماعية التي تعقد آمالها عليه.
وكما جاء في مقال نُشر مؤخرا على موقع Altinget:
"وصلنا اليوم إلى مرحلة لم تعد فيها السياسة صراعا حول نوع المجتمع الذي نريده، بل منافسة حول من يستطيع إدارة المجتمع القائم بصورة أفضل."
إن "إدارة المجتمع القائم" تعني اليوم القبول بعسكرة مدمرة للمجتمع.
وربما يوجد كثيرون يرغبون في إنهاء هذا النمط من الإدارة. ونحن في الحزب الشيوعي نرغب بذلك بالتأكيد، سواء في القضايا الكبرى أو الصغيرة، في الحياة اليومية أو على المدى الطويل.
لوتّه رورتوفت-مادسن
رئيسة الحزب الشيوعي الدنماركي.