كومونة باريس 1871: الثورة التي أصبحت نموذجًا للثورات الشيوعية


زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 15 - 14:07     

تُعد كومونة باريس لعام 1871 واحدة من أهم الأحداث السياسية والثورية في التاريخ الحديث؛ رغم أن عمرها لم يتجاوز اثنين وسبعين يومًا، فقد جاءت هذه التجربة الثورية في مرحلة مضطربة من تاريخ فرنسا، عقب الهزيمة العسكرية أمام بروسيا وسقوط الإمبراطور نابليون الثالث.
ورغم قصر مدتها وفشلها العسكري والسياسي، فإن تأثيرها الفكري كان عميقًا؛ إذ تحولت إلى رمز عالمي للثورة الشعبية ولصراع الطبقات الاجتماعية، كما اكتسبت أهمية خاصة في الفكر الماركسي، حيث اعتبرها كارل ماركس أول تجربة عملية لما أسماه «ديكتاتورية البروليتاريا»، ومن هنا أصبحت كومونة باريس حدثًا تجاوز حدود فرنسا ليؤثر في الحركات الاشتراكية والشيوعية خلال القرن العشرين.
بدأت الظروف التي قادت إلى قيام كومونة باريس مع حكم الإمبراطور نابليون الثالث، الذي تولى السلطة بعد انقلاب عام 1851، ورغم نجاحه في تعزيز نفوذ فرنسا لفترة من الزمن، فإن سياسته الخارجية اتسمت بالمغامرة وعدم الحكمة، وقد بلغت هذه السياسة ذروتها عندما أعلن الحرب على بروسيا عام 1870، وهي الحرب التي انتهت بكارثة عسكرية لفرنسا، ففي معركة سيدان أُسر نابليون الثالث مع جيشه بأكمله، الأمر الذي أدى إلى انهيار الإمبراطورية الفرنسية الثانية وإعلان الجمهورية الثالثة.
بعد الهزيمة، تعرضت باريس لحصار ألماني قاسٍ استمر عدة أشهر، وانتهى باستسلام الحكومة الفرنسية وقبولها شروط سلام مهينة فرضتها بروسيا، تضمنت دفع تعويضات مالية ضخمة والتنازل عن إقليمي الألزاس وجزء من اللورين، وقد أثارت هذه الشروط غضبًا واسعًا بين سكان باريس الذين شعروا بالإذلال الوطني، كما ازداد خوفهم من احتمال عودة النظام الملكي إلى الحكم.
في هذه الأجواء المتوترة، حاول أدولف تيير، رئيس الحكومة المؤقتة، نزع سلاح الحرس الوطني في باريس، وهو تشكيل عسكري شعبي كان يضم أعدادًا كبيرة من العمال وسكان المدينة، وفي الثامن عشر من مارس 1871 اندلعت الثورة عندما حاولت القوات الحكومية الاستيلاء على المدافع الموجودة في مرتفعات مونمارتر، فقاوم السكان هذه المحاولة، وانسحبت القوات الحكومية إلى مدينة فرساي، تاركة باريس تحت سيطرة الثوار.
عقب ذلك، أُجريت انتخابات بلدية في باريس أسفرت عن فوز المرشحين الثوريين، وأُعلنت رسميًا «كومونة باريس» في الثامن والعشرين من مارس 1871، وكلمة «كومونة» تعني الحكومة المحلية أو البلدية، إلا أن الحدث اكتسب معنى سياسيًا أوسع بكثير، وقد ضمت قيادة الكومونة تيارات متنوعة؛ فكان من بينهم الجمهوريون الراديكاليون والاشتراكيون وأصحاب الحرف والتجار الصغار والعمال، ولم تكن حركة ماركسية خالصة كما صُوّرت لاحقًا.
ورغم قصر عمرها، اتخذت الكومونة عددًا من الإجراءات الرمزية والسياسية المهمة، فقد أعلنت الاعتماد على المواطنين المسلحين بدلًا من الجيش النظامي، ودعت إلى فصل الدين عن الدولة، وتحسين أوضاع العمال من خلال تحديد يوم العمل بعشر ساعات، كما أعادت بعض الرموز الثورية المرتبطة بالثورة الفرنسية الكبرى، وأكدت على مبادئ المساواة والمشاركة الشعبية في الحكم.
لكن هذه التجربة الثورية واجهت منذ بدايتها تحديات خطيرة، فقد رفض قادة الكومونة التقدم نحو فرساي للقضاء على الحكومة المنافسة، وهو قرار يعتبره كثير من المؤرخين خطأً استراتيجيًا كبيرًا، وفي المقابل، استغلت الحكومة الفرنسية الوقت لإعادة تنظيم قواتها وتجميع جيش قوي استعدادًا لاستعادة العاصمة.
بدأت مرحلة الحصار الثاني لباريس عندما طوقت القوات الحكومية المدينة، وفي الحادي والعشرين من مايو 1871 تمكن الجيش من دخول باريس، لتبدأ ما عُرف لاحقًا باسم «الأسبوع الدامي»، شهدت المدينة معارك شرسة من شارع إلى شارع، وأقام الثوار المتاريس في محاولة لعرقلة تقدم القوات الحكومية، إلا أن التفوق العسكري كان في صالح الحكومة، وانتهت المواجهات بمجزرة واسعة النطاق راح ضحيتها نحو عشرين ألف شخص من سكان باريس، بينما اعتُقل عشرات الآلاف ورُحّل الآلاف إلى المستعمرات الفرنسية.
أما بالنسبة لكارل ماركس، فقد شكلت الكومونة نقطة تحول مهمة في حياته الفكرية والسياسية، فعندما اندلعت الأحداث كان يعيش في منفاه بلندن، ورغم أنه لم يكن منظمًا مباشرًا للثورة، فإنه أعلن تأييده لها بحماس شديد، وبعد سقوطها كتب مؤلفه الشهير «الحرب الأهلية في فرنسا»، الذي اعتبر فيه الكومونة أول تجربة تاريخية تظهر قدرة الطبقة العاملة على الاستيلاء على السلطة السياسية وإدارة المجتمع.
ومع ذلك، يوجه البعض نقد تجاه الصورة التي رسمها ماركس للكومونة؛ لإنها بنظرم لم تكن مطابقة تمامًا للواقع التاريخي، فالكومونة لم تكن حركة ماركسية منظمة، ولم يكن الماركسيون يشكلون سوى أقلية صغيرة داخلها، لكن ماركس وإنجلز حولاها إلى رمز ثوري عالمي، وأصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من التراث الفكري للحركات الاشتراكية والشيوعية، وقد تأثر بها بشدة قادة الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وعلى رأسهم فلاديمير لينين، الذي رأى فيها نموذجًا يجب الاستفادة من دروسه وتجاوز أخطائه.
رغم أن كومونة باريس لم تستمر سوى بضعة أسابيع وانتهت بهزيمة دامية، فإن أهميتها التاريخية تفوق بكثير عمرها القصير، فقد مثلت أول محاولة حديثة لإقامة سلطة ثورية شعبية خارج الأطر السياسية التقليدية، وأصبحت مصدر إلهام للحركات الثورية في مختلف أنحاء العالم، كما لعبت دورًا محوريًا في تطور الفكر الماركسي وفي تشكيل التصورات اللاحقة عن الثورة والسلطة، وهكذا بقيت كومونة باريس حاضرة في الذاكرة السياسية العالمية، ليس بوصفها مجرد حدث عابر، بل باعتبارها رمزًا للصراع من أجل التغيير الاجتماعي والعدالة السياسية، ودليلًا على أن الأفكار الثورية قد تترك أثرًا طويل الأمد حتى عندما تفشل تجاربها العملية.