عندما ينقطع السرد للحكايات عبر حشرجة الحناجر الرخيمة أ . د . جعفر عبد المهدي صاحب غادرنا بصمتٍ مُذهل صعب تصدقهِ .
عصام محمد جميل مروة
2026 / 6 / 14 - 15:02
قبل العودة إلى وضع الكتب في مكانها الطبيعي داخل رفوف مكتبتي حيثُ زرتها يوم إعلان رحيل الاستاذ الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب .
استاذ العلوم السياسية - جامعة الزاوية ليبيا . وجدتُ كتاباً خامساً قد زين مكتبتي مما دعاني إلى تعديل المقالة التي نشرتها كعربون وفاء لهذا المثقف الذي إفتقدناه كمنارة اساسية في الادب العربي داخل مملكة النرويج .
وكنتُ المحت في رسالة مؤثرة عن هذا الغياب العاجل ، فكان هناك ضرورة التنويه والإضافة أعلاه .
عن تقديم العزاء لمعظم قراء وكتاب موقع الحوار المتمدن الذي كان الدكتور جعفر من كبار الكتاب والنقاد و واضعي مداميك الحوارات ما بين اصحاب لغة الضاد حسب دراسات علمية و حديثة كتب عنها منذ سنوات قديمة .
قليل من الناس من يتمكن من أن يعيَّ الاصغاء والتلقى والقراءة والمناقشة في معظم الاحوال عندما يحتدم النزاع اللغوي إلى اجراء عمليات البحث الثابتة والغير متحولة لأنها حقيقة لا جدال في مضامين التغافل ضمن طرح مضامينها بأسلوب علمي حداثوى لا تراجع عن فحواه .
هكذا دائماً كان صوت الدكتور جعفر ملعلعاً في مراحل زمن التعارف بيننا.
هنا قد يتوقف الحديث والكلام عن سيرة يختزنها العِلم والمعرفة بعد سلسلة طويلة من الأسفار التي أوصلت الدكتور بعد ترحاله إلى العاصمة النرويجية منذ عقدين من الزمن حينما اختار الفقيد مساراً كان قد قطّعه على نفسهِ وعائلته التي شاركتهُ العيش الرغيد في السراء والضراء .
وهنا قد يتساءل كثيرون تحت ظلال التحولات في بلاد الرافدين كما كان يقول الدكتور جعفر انني احببتُ النهرين و إغتسلتُ حتى الثمالة . في تلك المياه العذبة الرقراقة التي لم انساها مذاقاً وعشقاً أزلياً منذ بداية شبابي ، وتنقلي وترحالي ، من مدينة محلية إلى اخرى . و من ثم بعد نيلي درجات عُليَّا في دراساتي . خولتني تمثيل بلادي هنا وهناك . غير الارتباط المحلي قبل البعثة الاولى لمغادرة بغداد خلال مراحل بداية الحرب الطاحنة مطلع الثمانينيات التي غدت الاهوال تتراكم نتيجة الخيار اما مع النظام والدولة او من المغضوب عليهم .
وكان دائماً خياري متابعة الابحاث المهمة التي وجدتها ضرورية في مد جسر التواصل مع الثقافة العامة ومن ثم مراحل الاختصاص في نيلي شهادة الدكتوراة .
كان يسرد بكل فخر واعتزاز عن تلك الخطوات الاولى لَهُ حينما قدم مشروع الاختيارات في دراسة السياسة والاقتصاد ونيله رتبة جديرة خولتهُ وجعلته في تعداد البعثات خارج بغداد ، او خارج بلاد النخيل . كما كان دائماً يزدرد ريقهُ مراراً وتكرارا أبان تعارفنا الذي بدأ عام 2014 وصاعداً وكرر اننا من مدرسة واحدة تنتمي إلى الحفاظ على حرية الراى والتعبير رغم غوصه الطويل في أسفاره الكثيرة .
غادر الى ليبيا و تم الموافقة عليه في مهنة التدريس للعلوم السياسية حسب سردهِ للأفكار التي تجاوزت العقود الماضية مع كل تجلياتها السلبية والإيجابية على حدٍ سواء .
بعدما علمتُ اليوم ان القدر المحتوم قد حان وتم الإعلان عن ترجله الفظيع عن صهوة الحياة العاتية الصاخبة العاصفة كما وصفها في السنوات الأخيرة بعدما حدد خيارات العيش هنا في بلاد الاغتراب .
أطلعتُ على المؤلفات الاربعة التي أهداني اياها خلال فترة التعارف وكان شخصاً متواضعاً ينافس عند جدارة وابحاث .
ويناقش عن اقتناع . ويحاور ويجادل بكل رحابة صدر مع اي إنسان ومهما كانت المواضيع .
فالندوات والمحاضرات لم تتغيب عن نشاطه اليومي المعتاد . كما انهُ من رواد كتاب الحوار المتمدن منذ بداية الاشعاع الإلكتروني للكتابة على صفحات التواصل والإنترنت .
اخذتُ الكتب وفتحت اولى صفحاتها علني اقرأ التواريخ الموقعة بخط منمق ناتج عن روح ومسيرة العطاءات المتتالية .
الكتاب الاول :: الربيع العربي الملغوم من دايتون إلى العدوان على الكعبة .
الكتاب الثاني :: كوسوفو - فلسطين
نظام الأزمات - صربيا .
الكتاب الثالث :: إتفاقية دايتون وأخلاقيات العولمة - دراسة نقدية قانونية سياسية
البوسنة والهرسك .
الكتاب الرابع :: المسلمون إرهابيون أم ضحايا الغرب ؟
المعضلة الإسلامية في الاتحاد الأوروبي .
الكتاب الخامس :: 8 مايو يوم الحمير العالمي .
الحمار رفيق البشر عبر القرون / دار دراسلر للطباعة والنشر / بلغراد 2023 الطبعة التجريبية .
وهناك كتب ترجمها الاستاذ على مدار الأعوام الأخيرة بعد إستقراره هنا في المملكة النرويجية التي احب حرية الراى والتعبير والتفكير والمعتقد على أسس ديموقراطية غير منقوصة. بالقياس عن ما نعانيه داخل دولنا العربية التي انجبت الفلاسفة من اوسع الابواب منذ عصر انطلاق الاديان السماوية الثلاثة من ارض الحضارات نينوي وبابل الشهيرة .
وكم من مرة كان الجدال والحوار بيننا قد يتحول إلى سوء فهم بعد الفوضى الغير اخلاقية التي أوصلتنا جميعاً إلى مهاترات متأرجحة سياسية واجتماعية واقتصادية مرادها مساعدة الانسانية .
خلافاً عن سحل وقتل والغاء مزايا الكتاب و العلماء في ايام النهضة والتنوير والإشعاع الفكرى .
كما كان دائماً رحب الصدر في تقبل الانتقادات الموجهة اليه مباشرة او عن غير قصد فكان صاحب فكر متحضر ونهج مدنيَّ راقي عبر عنهُ في كتاباته منذ سنوات على صفحات التواصل الاجتماعي وخصوصاً موقع الحوار المتمدن .
ومن الجدير ذكره اليوم بعدما ترجل الفارس عن صهوة جواده العابر لكل المسافات والميادين والساحات عبر الندوات والمؤتمرات والمحاضرات الجدية التي يكتنفها الابحاث العميقة في فلسفة الحياة وعلم الاجتماع إضافة إلى ميزته الخاصة في دراسة عميقة لمفاهيم الدول القديمة والحديثة والمتقدمة .
كان عراقيُ الهوى عروبيُ النخوة .
احب فلسطين وأخلص لها ،
زار القاهرة ونهل من عباءة الصراط والتاريخ المؤدلج وكان ناقداً جاداً في مقاصدهِ .
طاب لَهُ الكلام عن وطن النجوم لبنان .
عشِق الثقافة لدرجة الوجدان ونكران الذات . فتحول إلى كتلة نشاط وعطاء لا يُنضب طالما نقرأ مؤلفاتهِ التي تجاوزت اعمالاً كثيرة. و اطروحات تنتظر البَتَّ لمنح الاجازات لمستحقيها من الاجيال الجديدة الصاعدة .
لكنني وجدتُ ان هذا الغياب الاليم رغم رحيله على ارض العراق بعد رحلة مرض كانت ثقيلة في الشهور الاخيرة .
كل العزاء إلى ذويه واهله وأحبته الذين فُوجِئوا بهذا الخبر الحزين .