سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 3- ما بعد السياسة وما بعد الديمقراطية وأزمة التمثيل السياسي


عبد الكريم اوبجا
2026 / 6 / 10 - 14:27     

أدى التحول الذي أحدثه مشروع الطريق الثالث إلى إعادة تشكيل المجال السياسي داخل الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة بصورة عميقة. فمع تراجع الصراع الإيديولوجي التقليدي، وتبني معظم الأحزاب الكبرى لنفس الاختيارات الاقتصادية المرتبطة بالعولمة النيوليبرالية، بدأت السياسة تفقد تدريجياً طابعها التنازعي والصراعي، لتتحول إلى مجرد تدبير تقني وإداري للشأن العام. لقد أصبح النقاش السياسي يتم داخل حدود ضيقة لا تمس الأسس الكبرى للنظام الاقتصادي السائد، بينما جرى تقديم العولمة والأسواق المالية وسياسات التقشف باعتبارها “ضرورات موضوعية” لا بديل عنها.

وفي هذا السياق، ارتبط مفهوم “ما بعد السياسة” أساساً بأعمال جاك رانسيير وسلافوي جيجك، اللذين اعتبرا أن الديمقراطية الليبرالية المعاصرة دخلت مرحلة جرى فيها إقصاء الصراع السياسي الحقيقي باسم “الإجماع العقلاني” و”التوافق الوسطي”. فالسياسة، بالنسبة لهما، لا يمكن اختزالها في الإدارة التقنية أو الحكامة، لأنها ترتبط أساساً بالصراع حول السلطة والعدالة وتوزيع الثروة والاعتراف الاجتماعي.

ويرى جاك رانسيير أن الديمقراطية الحقيقية تبدأ عندما تظهر الفئات المهمشة والمستبعدة داخل المجال العمومي وتطالب بحقها في المشاركة والمساواة. ولذلك ينتقد الديمقراطية الليبرالية المعاصرة لأنها تعمل على تحويل المواطنين إلى مجرد متلقين سلبيين للقرارات التي تتخذها النخب السياسية والتكنوقراطية باسم الخبرة والكفاءة والاستقرار.

أما سلافوي جيجك، فيربط “ما بعد السياسة” بصعود الإيديولوجيا النيوليبرالية التي تقدم نفسها باعتبارها واقعية وعقلانية وخالية من الإيديولوجيا، بينما تخفي في العمق مصالح النظام الرأسمالي العالمي. فحسب جيجك، تقوم مرحلة “ما بعد السياسة” على إقناع المواطنين بأن الرأسمالية الليبرالية تمثل الأفق الوحيد الممكن، وأن البدائل الجذرية أصبحت مستحيلة أو خطيرة.

وفي ارتباط وثيق بهذا التحليل، طور كولن كراوتش مفهوم “ما بعد الديمقراطية”، للتعبير عن مرحلة تستمر فيها المؤسسات الديمقراطية شكلياً، مثل الانتخابات والبرلمانات والأحزاب، لكن السلطة الحقيقية تنتقل تدريجياً إلى النخب الاقتصادية والشركات الكبرى وجماعات الضغط والمؤسسات المالية والإعلام المهيمن. ففي ظل “ما بعد الديمقراطية”، تصبح المشاركة الشعبية محدودة، بينما تتحول السياسة إلى فضاء تتحكم فيه شبكات المال والنفوذ أكثر مما تتحكم فيه الإرادة الشعبية.

وقد كشفت الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 حدود هذا النموذج بشكل واضح، حيث اضطرت الدول إلى التدخل لإنقاذ الأبناك والمؤسسات المالية الكبرى، في الوقت الذي تحملت فيه الفئات الشعبية كلفة التقشف والبطالة وتراجع الخدمات الاجتماعية. وقد أدى ذلك إلى تعميق الإحساس بأن الديمقراطية الليبرالية أصبحت خاضعة بشكل متزايد لسلطة المال والأسواق.

بينما جاءت جائحة كوفيد-19 لتكشف هشاشة النموذج النيوليبرالي بصورة أكثر وضوحاً. فقد أظهرت الأزمة الحاجة الملحة إلى تدخل الدولة والقطاع العمومي في مجالات الصحة والحماية الاجتماعية والاقتصاد، بعد عقود من الخصخصة وتقليص الإنفاق العمومي. كما توسعت سلطات الحكومات التنفيذية وأجهزة الطوارئ، وازدادت قوة الشركات الرقمية الكبرى ومنصات التكنولوجيا التي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في مراقبة الفضاء العمومي وتوجيه الرأي العام والتحكم في المعطيات الشخصية للمواطنين.

وفي هذا السياق، تعمقت أزمة التمثيل السياسي وفقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات التقليدية، خاصة لدى الفئات المتضررة من البطالة والهشاشة والتهميش الاجتماعي. كما ساهم صعود الرأسمالية الرقمية والخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل المجال العمومي والسياسي، بحيث أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في الرأي العام والانتخابات والتوجيه السياسي.

إن أزمة “ما بعد السياسة” و”ما بعد الديمقراطية” لم تؤدِّ فقط إلى تراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، بل فتحت أيضاً المجال أمام عودة أشكال جديدة من التعبئة الشعبوية، كرد فعل على غياب البدائل السياسية الحقيقية.