-سنتجند ونموت- في مواجهة -سنموت ولن نتجند-


جدعون ليفي
2026 / 6 / 10 - 04:47     

في مواجهة الشعار الحريدي (اليهودي الأرثوذكسي المتشدد): "سنموت ولن نتجند"، يقف الشعار الصهيوني العلماني: "سنتجند ونموت".
إن الاعتقاد بأن الشعار العلماني أكثر أخلاقية من الآخر يكشف عن تشوه أخلاقي. فكلا الشعارين معيب، لكن ليس بالقدر نفسه. صحيح أن شعار "سنموت ولن نتجند" يثير غضب كل يهودي إسرائيلي علماني، لكن شعار "سنتجنّد ونموت" ينبغي أن يثير غضب كل صاحب ضمير.
من الممكن بالطبع تبرير غضب العلمانيين تجاه الحريديم, فقد كسبوا هذا الغضب بجدارة. فموقف الحريديم يقوض مبدأ المساواة، بينما تعد المساواة أهم أسس الديمقراطية. ينطلق الحريديم من شعور بالتفوق، متخيلين عالما زائفا يعتقدون فيه أن دراسة التوراة أمر مهم للجميع، وليس لهم وحدهم، ومقتنعين بأن هذا النشاط يعفيهم من المشاركة في أي جهد وطني. إن هذا التفاوت الصارخ يصرخ إلى السماء.
وفي المقابل، هناك العقيدة العلمانية التي تدعو إلى التجنيد العسكري، ليس فقط باعتباره واجبا وطنيا وشرا لا بد منه، بل أيضا وسيلة لاكتساب الاستحسان الاجتماعي. فالخدمة العسكرية ترتبط بقيم إيجابية، وبالصهيونية، بل وحتى بالأخلاق. ومن لا يتجند يعتبر غير أخلاقي. ولا شيء أكثر انحرافا من هذا المنطق.
ينبغي للإسرائيليين العلمانيين أن يطأطئوا رؤوسهم أمام المعسكر المقابل. فعقيدتهم أكثر إشكالية، ولديهم الكثير ليتعلموه من الحريديم. فلم يسبق لتيار الوسط-اليسار في إسرائيل أن خاض نضالا حازما وموحدا كما يفعل الحريديم في معركتهم ضد التجنيد.
الدولة تتداعى. الفاشية والفصل العنصري والفساد متفشية، ومع ذلك يواصل اليهود العلمانيون في إسرائيل رفع راية الخدمة العسكرية الإلزامية بفخر, وهي تكاد تكون الراية الوحيدة التي يرفعونها، إلى جانب شعار "أيّ شخص سوى بيبي" (في إشارة إلى بنيامين نتنياهو).
يبدو أن الحريديم جادون فعلا في تفضيل الموت على التجنيد، بينما المعسكر الآخر مستعد للموت ليس فقط من أجل الدولة، بل أيضاً من أجل نتنياهو وكل نزواته العسكرية.
ثمة شيء غير أخلاقي في الاستعداد للموت عبثا في حرب حمقاء. فقد أثبت العامان والنصف الماضيان أن المجندين مستعدون لتنفيذ أي مهمة بشكل أعمى. وبالنسبة لهم، فإن قدسية التجنيد تتفوق على جميع القيم الأخرى، وهم يسمون ذلك "التزاما بالمبادئ".
إن الجندي الذي أعدم طفلا رضيعا يبلغ من العمر سبعة أشهر في الخليل يوم الجمعة يُنظر إليه باعتباره أكثر التزاما بالمبادئ من أي طالب مدرسة دينية يتهرب من التجنيد. لكن هل هو بالفعل أكثر أخلاقية؟ بعد تسريحه من الجيش سيكون قادرا أيضا على فعل أي شيء يريده في الحياة المدنية.
أما الطيار الذي يقصف المستشفيات في لبنان بلا تمييز، والقائد الذي فرض إغلاقا على مدينة الخليل الأسبوع الماضي، وسائق الجرافة الذي سوّى غزة بالأرض قبل أن ينتقل إلى جنوب لبنان، ومدفعيّ المدفعية الذي يواصل قصف الأهداف المدنية بلا هدف، فليسوا أكثر أخلاقية من طالب المدرسة الدينية الذي يتهرب من التجنيد. بأي معنى يكونون أكثر أخلاقية؟ هل بسبب طاعتهم العمياء لأوامر غير قانونية بشكل صارخ؟
صحيح أن طلاب المدارس الدينية لا يتهربون من التجنيد بسبب الطبيعة الإجرامية للعمليات العسكرية خلال السنوات الأخيرة، والتي تتمثل أساسا في الحفاظ على الاحتلال وتعميقه وتوسيعه. لكن هل ينبغي تمجيد أولئك الذين يقومون بهذه الأعمال؟
لا أحد ينكر حاجة الدولة إلى الجيش، لكن ينبغي أن نقلق أكثر من حقيقة أن جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي لم تدفع الغالبية الساحقة من المجندين إلى التفكير في أخلاقية تجنيدهم، أكثر مما نقلق من عدم تجنيد الحريديم. فما الذي يُجند الشباب الإسرائيليون للقيام به تحديدا؟ لقتل الأطفال الذين يرشقون الحجارة في الضفة الغربية، ولمداهمة المنازل في جوف الليل واختطاف سكانها من أسرتهم، ولقصف المدارس في قطاع غزة وفي لبنان.
لا ينبغي لأي ليبرالي أن يرغب في رؤية المشاغبين الذين اقتحموا منزل قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ وهم يُجندون ويخدمون في الأراضي المحتلة. فالمجتمع الحريدي، الذي تحالف في السنوات الأخيرة مع النزعات القومية المتطرفة والعنصرية، وكذلك مع حركة المستوطنين، سينتج جنودا سيئين للغاية، من النوع الذي لا نرغب أبدا في رؤيته داخل الجيش.
لقد استولى المستوطنون على الجيش الإسرائيلي وغيروا طابعه, وإذا جرى تجنيد الحريديم، فإنهم سيشوهونه أكثر فأكثر. لا، شكرا. يكفينا ما لدينا من كتائب الدفاع الإقليمي المؤلفة من المستوطنين.