في ظل حكم العسكر: بات العمل أقرب إلى السُّخرة
تيار الثورة الاشتراكية
2026 / 6 / 6 - 02:54
كشف مؤشر الحقوق العالمي لعام 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات عن تصنيف مصر ضمن أسوأ عشر دول في العالم بالنسبة للعمال، حيث جاءت في المرتبة الرابعة عالميًا، مع إبقائها في الفئة الخامسة، وهي الفئة التي تعني غياب أي ضمانات فعلية للحقوق النقابية والعمالية. ولا يشكل هذا التصنيف مفاجأة للعمال المصريين الذين يعيشون يوميًا واقعًا من تدني الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام الأمان الوظيفي، وتردي مستويات السلامة والصحة المهنية في قطاعات واسعة من مواقع العمل، إلى جانب مصادرة حقهم في التنظيم والدفاع عن مصالحهم.
لا تعود أهمية هذا التقرير إلى التصنيف الذي منحه لمصر فحسب، بل إلى الأسباب التي أدت إلى هذا التصنيف. فالتقرير لا يضع مصر بين أسوأ دول العالم بالنسبة للعمال بسبب تدني الأجور أو ارتفاع معدلات الفقر فقط، وإنما بسبب الحرمان المنهجي للعمال من حقهم في التنظيم المستقل والدفاع الجماعي عن مصالحهم. وهي حقيقة تفتح الباب أمام سؤال جوهري: لماذا يحرص النظام على حرمان العمال من هذه الحقوق الأساسية؟
لأن التنظيم المستقل للعمال يمنحهم القدرة على الدفاع الجماعي عن مصالحهم ومقاومة السياسات التي تستهدف حقوقهم ومستويات معيشتهم. فالعامل المنظم داخل نقابة حرة يستطيع أن يطالب بأجر عادل، وظروف عمل آمنة، وضمانات حقيقية في مواجهة الفصل التعسفي والاستغلال. أما حين يُحرم العمال من حقهم في التنظيم والإضراب والمفاوضة الجماعية، فإنهم يصبحون أكثر عرضة لفرض الأجور المتدنية، وتدهور ظروف العمل، وتحميلهم وحدهم كلفة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
إن ما يعيشه العمال في مصر اليوم ليس مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية أو لسوء إدارة حكومية، بل هو نتاج مباشر لطبيعة النظام القائم نفسه. فالحكم العسكري والأمني لا يرى في التنظيمات المستقلة سوى تهديد يجب القضاء عليه، ولا يتعامل مع العمال باعتبارهم أصحاب حقوق ومصالح يجب الدفاع عنها، بل باعتبارهم قوة عمل يجب إخضاعها وضمان استمرار استغلالها بأقل تكلفة ممكنة.
ولهذا السبب لم يكن غريبًا أن تترافق سنوات الحكم العسكري مع التراجع المستمر في الحقوق النقابية، ومنع الإضرابات والاحتجاجات العمالية، والعمل على إخضاع الحركة النقابية لسيطرة الدولة وأجهزتها. فالسلطة التي تصادر حق المواطنين في التنظيم السياسي وحرية التعبير لا يمكن أن تسمح للعمال بتنظيم أنفسهم بصورة مستقلة والدفاع الجماعي عن مصالحهم.
إن العامل الذي يُحرم من حقه في التنظيم النقابي الحر يُحرم من أهم وسيلة تمكّنه من الدفاع عن أجره وظروف عمله وكرامته الإنسانية. وعندما تصبح النقابات المستقلة محاصرة، والإضرابات مقيدة، والاحتجاجات معرضة للقمع والملاحقة، فإن علاقة العمل نفسها تقترب شيئًا فشيئًا من السُّخرة؛ حيث يواصل ملايين العمال العمل في ظروف شديدة السوء وبأجور لا تكفي لتوفير حياة آدمية، بينما تُسلب منهم الأدوات الضرورية للدفاع عن أنفسهم.
إن أوضاع العمال في مصر ليست منفصلة عن مجمل أوضاع المجتمع. فالاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي ليست قضايا منفصلة، بل وجوه مختلفة لسياسة واحدة تخدم مصالح أقلية ضيقة من أصحاب الثروة والسلطة، بينما يدفع ملايين العمال والفقراء ثمنها كل يوم من أعمارهم ومستقبل أبنائهم.
إن الدفاع عن حقوق العمال يبدأ من الدفاع عن الحرية النقابية الكاملة، وعن حق العمال في تأسيس نقاباتهم المستقلة، وحقهم في الإضراب والتنظيم والمفاوضة الجماعية دون تدخل من الدولة أو أجهزتها الأمنية. غير أن هذه الحقوق لن تتحقق بصورة حقيقية ودائمة في ظل استمرار الحكم الأمني والعسكري الذي يقوم جوهره على مصادرة الحريات وإخضاع المجتمع.
إننا في تيار الثورة الاشتراكية نرى أن معركة العمال من أجل الأجور العادلة وظروف العمل الإنسانية هي في الوقت نفسه معركة من أجل الحرية والديمقراطية. وإن تحرير الحركة النقابية من قبضة الدولة، وتمكين العمال من تنظيم أنفسهم بصورة مستقلة، يظل جزءًا أساسيًا من النضال الأوسع لإنهاء الحكم العسكري وبناء مجتمع حر عادل ديمقراطي يضع مصالح الأغلبية العاملة فوق مصالح الأقلية العسكرية الحاكمة.
تيار الثورة الاشتراكية
5 يونيو 2026
https://soc-rev-egy.org/2026/06/05/%d9%81%d9%8a-%d8%b8%d9%84-%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84-%d8%a3%d9%82%d8%b1%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b3/