نحو شرقٍ جديد… لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى الصين وروسيا وإيران؟


احمد صالح سلوم
2026 / 6 / 5 - 10:00     

الاستهلال – حين ينهض الشرق وتغفو العواصم العربية


في اللحظة التي كان فيها العالم العربي يطفئ آخر مصابيح نهضته الواحدة تلو الأخرى، كانت الصين تبني مدنًا من الضوء تمتد لأفق لا يُرى، وروسيا تعود إلى المسرح الدولي بثقلها التاريخي وهي تحمل جراحها ونوافذها المفتوحة على الشرق والغرب معًا، وإيران تشقّ طريقها وسط الحصار لتثبت أن الإرادة تصنع ما لا تصنعه الطائرات والحاملات البحرية.

في اللحظة نفسها، كان الإعلام العربي يغرق في مستنقع التفاهة والترفيه والصراعات الوهمية، بينما هذه القوى الثلاث كانت تبني مشاريع معرفية وثقافية تتجاوز حدودها الجغرافية، وتعيد رسم خريطة العالم بأسره، ليس بقنابلها فقط، بل بكتبها وأفلامها وجامعاتها ومختبراتها.

لكن المفارقة الكبرى — التي تستحق أن تُكتب بماء الذهب والحبر الأسود معًا — أن العرب الذين كانوا يومًا مركزًا للمعرفة ومنارة للعلم والحضارة، أصبحوا اليوم من أفقر الأمم ثقافيًا، رغم أن لديهم منارات فكرية لا تزال مضيئة في زحمة العتمة: دار الآداب التي رعت جيلًا من المفكرين الكبار، ودار الطليعة التي فتحت أبوابها للفكر النقدي اليساري، ودار الفارابي التي آوت الفلسفة والحوار، ورياض الريّس الذي كان أشبه بمعجزة ثقافية لبنانية، ودار الساقي التي أعطت للكتاب العربي أناقة وفكرًا معًا.

دور صنعت الوعي العربي أكثر مما صنعته وزارات الثقافة في خمسين عامًا. ومع ذلك، تُترك هذه الدور فقيرة، محاصرة، بلا تمويل، بلا حماية، تنتظر موعدًا لا مفر منه مع الاندثار.

هنا تبدأ الفكرة التي أطرحها اليوم، بجرأة من يكتب في زمن الجبن، وبأمل من يقرأ التاريخ جيدًا: لماذا لا تموّل الصين وروسيا وإيران هذه المؤسسات الثقافية العريقة؟ ولماذا لا يصبح "الشرق الجديد" شريكًا حقيقيًا في صناعة الوعي العربي، قبل أن تسيطر عليه واجهات عرض غربية وخليجية فارغة المحتوى؟



بيروت – حكاية عاصمة ثقافية تموت بصمت

قبل أن تتشظّى المنطقة كمرآة مكسورة، وقبل أن تصبح العواصم العربية ساحات لصفقات عسكرية ومؤتمرات صحفية فارغة، كانت بيروت — رغم حروبها ودمائها وأسئلتها الوجودية — عاصمةً للكتاب العربي بلا منازع.

كانت دار الآداب تنشر محمد عابد الجابري الذي فكك العقل العربي بتشريح جراحي، وعبد الله العروي الذي علّم العرب كيف يكتبون التاريخ بضمير المتكلم، و محمود درويش الذي حوّل القصيدة الفلسطينية إلى ملحمة عالمية. كانت دار الطليعة تقدّم مهدي عامل الذي غيّر مفهوم الطبقة في السياق العربي، وهشام شرابي الذي فضح الاستبداد بعيون سوسيولوجية حادة، وياسين الحافظ الذي كان صاحب "الهزيمة المهزومة" التي لا تزال مرآة موجعة للواقع العربي.

هذه الدور لم تكن مجرد "شركات نشر" بالمعنى التجاري السمج، بل كانت وزارات ثقافة حقيقية، تعمل بصمت وفقر وجنون، تصنع العقل العربي كما يصنع النحات تمثاله، تعيد تشكيل الوعي كما يعيد الزلازل تشكيل الأرض، تفتح نوافذ على العالم كما تفتح القصائد نوافذ في جدران الزنازين.

لكن بعد انهيار الدولة السورية على يد دواعش العصر الأمريكي الخليجي التركي الأطلسي وهي الدولة التي كانت سندًا ثقافيًا مهمًا، وتراجع دور العراق الذي كان يومًا منارة فكرية، وانكفاء مصر عن دورها الريادي، وصعود الإعلام الخليجي التجاري الذي حوّل الثقافة إلى سلعة واستهلاك، أصبحت هذه الدور:

غريبة في وطنها،
يتيمة في لغتها،
وحيدة في زمن الضجيج،
تعيش على الهامش، بلا تمويل، بلا حماية، بلا مشروع عربي يحتضنها.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه: لماذا لا تتدخل القوى الصاعدة — الصين وروسيا وإيران — لدعم هذه المؤسسات؟

ليس لأنها بحاجة إلى "تبرعات" بمعنى الإحسان، بل لأنها بحاجة إلى شراكة استراتيجية تعيد للثقافة العربية مكانتها، وتفتح للشرق الجديد أبوابًا لا تفتحها حاملات الطائرات.

…..

الصين – القوة التي تبني طرقًا من حرير وورق

الصين اليوم ليست هي الصين الأمس. إنها قوة عظمى بكل المقاييس، تمتلك اقتصادًا ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأول اقتصاد عالمي بمفهوم القوة الشرائية ، وجيشًا يتطور بسرعة مخيفة، وتكنولوجيا تتفوق في مجالات باتت تحدد ملامح المستقبل: الذكاء الاصطناعي، الفضاء، الطاقة المتجددة، البنية التحتية.

لكن الصين — وهذا هو جوهر المشكلة — لا تملك خطابًا عربيًا. لا صحيفة عربية ناطقة باسم رؤية بكين للعالم، لا دار نشر عربية مدعومة من بكين لنقل فكرها وثقافتها وإنجازاتها، لا مشروع ثقافي عربي–صيني يلامس وجدان المواطن العربي، لا ترجمة واسعة للأدب الصيني إلى العربية ولا للأدب العربي إلى الصينية، لا دعم حقيقي للمثقف العربي المستقل، ولا شراكة معرفية حقيقية.

وهذا خطأ استراتيجي كبير. فالقوة الناعمة — كما يقول جوزيف ناي منذ عقود — أصبحت أهم من القوة الصلبة في تحديد النفوذ الدولي. والثقافة أهم من السلاح في بناء تحالفات طويلة الأمد. والكاتب أهم من الدبابة في التأثير على الأجيال القادمة. والمقال أهم من الاتفاقية الرسمية في تشكيل الرأي العام.

الصين تبني موانئ في البحر الأحمر، وطرقًا سريعة في الصحراء العربية، ومصانع في مدن صناعية جديدة. لكنها تنسى أن الطريق الأهم هو طريق يمر عبر قلوب العرب قبل أراضيهم. طريق يُصنع من الكتب والروايات والأفلام والمناهج الدراسية، لا من الحديد والخرسانة فقط.

إذا أرادت الصين نفوذًا حقيقيًا ومستدامًا في المنطقة العربية، فعليها أن تفهم أن الوعي العربي هو ساحة المعركة الأولى. وأن دار الآدب ودار الطليعة والصحافة المستقلة مثل "رأي اليوم" و"الحوار المتمدّن" و"الميادين" و "المنار"هي حلفاؤها الطبيعيون، لأنهم يرفضون التبعية الغربية ويبحثون عن بدائل حقيقية.

……

روسيا – عودة الوزن الثقيل بحقيبة ثقافية فارغة

روسيا تعود. تعود بقوة بعد سنوات من التفكك والإذلال، تعود كقطب دولي لا يمكن تجاوزه، تعود بحضور عسكري في سوريا وليبيا والسودان، وبعلاقات اقتصادية مع محميات الخليج ومصر والجزائر.

لكن روسيا، مثل الصين، تعود بحقيبة ثقافية شبه فارغة حين يتعلق الأمر بالعالم العربي. نعم، هناك مراكز ثقافية روسية متواضعة في بعض العواصم العربية. نعم، هناك ترجمات قليلة لأدب دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف. لكن هذا لا يكفي، ولا يقترب حتى من حجم الطموح.

روسيا تحتاج إلى مشروع ثقافي عربي–روسي حقيقي: إلى دعم لترجمة الفكر الروسي المعاصر — وليس الكلاسيكي فقط — إلى العربية، إلى دعم لترجمة الأدب العربي إلى الروسية، إلى شراكات بين دور النشر العربية المستقلة ودور النشر الروسية، إلى برامج تبادل أكاديمي وثقافي موسعة، إلى منصات إعلامية عربية ناطقة باسم الرؤية الروسية للعالم.

روسيا التي تقف اليوم ضد الهيمنة الغربية الأحادية القطب، تحتاج إلى حلفاء ثقافيين في العالم العربي، ليس فقط حلفاء عسكريين وسياسيين. وهؤلاء الحلفاء موجودون: إنهم المثقفون العرب المستقلون، ودور النشر العربية العريقة، والصحفيون الذين يرفضون الإعلام المموّل.

لكنهم يموتون ببطء. يموتون من الجوع الثقافي ومن العزلة ومن قلة الدعم. وروسيا، بصمتها الثقيل على الساحة الدولية، يمكنها أن تكون شريكًا في إنقاذهم.

…….

إيران – تجربة الصمود التي تستحق أن تُروى

إيران حالة خاصة. إنها الجار الذي يزعج ويقلق القوى الاستعمارية الغربية و كيانها المارق ومحمياتها ، لكنه أيضًا النموذج الذي لا يمكن تجاهله. دولة عاشت تحت أقسى الحصار الاقتصادي والسياسي لأكثر من أربعة عقود، ومع ذلك بنت برنامجًا نوويًا، وطورت قدراتها الصاروخية، وأسست نفوذًا إقليميًا يمتد من طهران إلى بيروت، ووصلت إلى أبواب القدس.

لكن إيران، رغم كل هذا، فشلت — حتى الآن — في بناء خطاب ثقافي عربي مقنع. خطابها السياسي غالبًا ما يكون أيديولوجيًا ومباشرًا، يخاطب العاطفة الطائفية أكثر من العقل النقدي، يعتمد على قنوات إعلامية متكررة وممولة، وليس على مشروع ثقافي عميق يلامس هموم المواطن العربي البسيط: حريته، كرامته، خبزه، مستقبل أولاده.

وهنا تكمن الفرصة الضائعة. إيران تملك تجربة صمود فريدة في التاريخ الحديث: كيف تصمد دولة تحت الحصار؟ كيف تبني اقتصاد مقاومة؟ كيف تحول التهديد إلى فرصة؟ كيف تحافظ على هويتها وثقافتها رغم عزلة دولية غير مسبوقة؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات يكتبها كتّاب عرب، ويقرأها قرّاء عرب، وتناقش في ندوات عربية، وتُدرس في جامعات عربية. وهذا يتطلب شراكة ثقافية حقيقية بين إيران ودور النشر العربية المستقلة والصحافة النقدية.

إيران يمكنها أن تمول ترجمة تجربتها الفكرية والسياسية والاقتصادية، ليس كدعاية، بل كموضوع للتحليل والنقد والحوار. يمكنها أن تدعم كتابًا عربًا لدراسة تجربتها بعيون نقدية مستقلة. يمكنها أن تفتح مكتباتها وأرشيفها للباحثين العرب.

لكن هل تفعل؟ أم تظل أسيرة خطابها التقليدي بينما يمكن أن تكرر التلاقح الحضاري في حقبة هارون الرشيد والمأمون ، من خلال إشعاع عربي ايراني جديد كما حصل في تلك الحقبة عكس حقبة الاحتلال العثماني البغيض ، حيث عقم خمس قرون من التخلف والانحطاط ، الذي مازال يغرق العقل العربي ، بتعفن طائفي وهمجي خطير ..

…….

لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى "الشرق الجديد"؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال، علينا أن نعترف بحقيقة مؤلمة: الثقافة العربية اليوم ليست في أفضل حالاتها. بل هي في حالة تراجع خطير على جميع المستويات: التعليمي، والبحثي، والنقدي، والإبداعي، والترجمي.

هذا التراجع ليس عيبًا في "جوهر" الثقافة العربية، بل هو نتيجة تراكمية لعوامل متعددة:

1. التبعية السياسية التي جعلت الأولويات الثقافية تابعة لأولويات المانحين الخارجيين.
2. الاستبداد الداخلي الذي جعل المثقف إما موظفًا مروّضًا أو منفيًا مطرودًا أو سجينًا صامتًا.
3. الانهيار الاقتصادي الذي حوّل الكتاب إلى رفاهية لا يستطيع تحملها إلا الأغنياء.
4. صعود الإعلام الخليجي التجاري الذي حوّل الثقافة إلى ترفيه واستهلاك و"ترندات" عابرة.
5. ضعف مؤسسات النشر المستقلة عن انحطاط محميات الخليج الصهيوامريكية التي تموت ببطء دون دعم أو حماية.

في هذا السياق المظلم، يأتي "الشرق الجديد" — الصين وروسيا وإيران — كفرصة حقيقية للخروج من التبعية الغربية الأحادية، ليس لأن الشرق الجديد "أفضل" من الغرب، بل لأنه آخر، لأنه بديل، لأنه يفتح نافذة على عالم متعدد الأقطاب، لأنه يقدم نماذج تنموية مختلفة، لأنه يذكر العرب بأن هناك أكثر من طريق إلى الحداثة.

الثقافة العربية تحتاج إلى الشرق الجديد لأربعة أسباب رئيسية:

أولًا: لكسر احتكار الغرب للخطاب الثقافي والإعلامي الموجه إلى العرب. حاليًا، معظم ما يقرأه العربي ويشاهده ويستمع إليه إما غربي المنشأ أو خليجي التمويل بتأثير غربي واضح. هذا الاحتكار يخلق وعيًا تابعًا يذم بلا كلل ولا ملل تجارب الصين وروسيا وإيران وعبد الناصر والاكتفاء الذاتي في عهد الأسد الاول
، وليس وعيًا نقديًا مستقلاً.

ثانيًا: للاستفادة من تجارب الشرق الجديد في مقاومة الهيمنة الغربية والنهوض الوطني. الصين نهضت دون أن تتبع "وصفة واشنطن". روسيا استعادت مكانتها الدولية رغم العقوبات. إيران صمدت تحت الحصار الأقسى. هذه التجارب فيها دروس للعرب.

ثالثًا: لخلق فضاءات ثقافية عربية مستقلة ماديًا عن الغرب الاستعماري الاستشراقي . عندما يمول الشرق الجديد دار نشر عربية، فهذا لا يعني أن هذه الدار ستصبح "تابعة" له، بل يعني أنها ستصبح أقل احتياجًا للتمويل الغربي المشروط.

رابعًا: لفتح آفاق جديدة للترجمة والتبادل المعرفي. العالم العربي يحتاج إلى ترجمة آلاف الكتب من الصينية والروسية والفارسية، كما يحتاج إلى ترجمة آلاف الكتب العربية إلى هذه اللغات.

…….

الغرب والإعلام الخليجي – هندسة وعي ممنهجة

ما يحدث اليوم في الفضاء الثقافي والإعلامي العربي ليس عفوياً. إنه هندسة وعي ممنهجة، بمشاركة واعية أو غير واعية بين مؤسسات غربية وإعلام خليجي تجاري.

هذه الهندسة تروّج لخطاب محدد الأهداف:

· السخرية من الصين كدولة شمولية تفتقر إلى الحريات.
· تشويه روسيا كامبراطورية استعمارية جديدة.
· شيطنة إيران كتهديد وجودي للمنطقة.
· تحقير التجارب المستقلة مثل تجربة عبد الناصر أو حركات التحرر الوطني.
· تمجيد التطبيع مع إسرائيل كخيار إستراتيجي لا مفر منه.
· مهاجمة كل مشروع تحرري أو يساري أو قومي تحت عناوين مختلفة.
· تلميع النموذج الغربي باعتباره النموذج "الوحيد الممكن" و"نهاية التاريخ".

هذا الخطاب يصل إلى الملايين يوميًا عبر قنوات فضائية ضخمة، وصحف إلكترونية مدعومة، ومنصات تواصل اجتماعي ممولة إعلانيًا بشكل خرافي.

في المقابل، لا يوجد خطاب عربي موازٍ يشرح للعربي العادي:

· كيف نهضت الصين من الفقر المدقع إلى الازدهار في جيل واحد؟
· كيف صمدت روسيا تحت وطأة عقوبات غير مسبوقة؟
· كيف بنت إيران استقلالها العلمي والتقني رغم الحصار؟
· كيف يمكن للعرب أن يستفيدوا من هذا التحول العالمي متعدد الأقطاب؟
· كيف يمكن بناء شراكة ثقافية واقتصادية حقيقية مع الشرق الجديد؟

وهنا يأتي دور الصحافة المستقلة ودور النشر الإبداعية. هي الوحيدة القادرة على تقديم هذا الخطاب، لأنه خطاب نقدي، مستقل، غير مرتبط بتمويل غربي أو خليجي.

لكنها فقيرة، معزولة، مهددة، تموت ببطء.

……

الصحافة المستقلة – رأي اليوم، الحوار المتمدّن، الميادين ، الاخبار اللبنانية ، المنار ..

في زمن طغت فيه الإعلانات التجارية والمحتوى الترفيهي والأخبار الزائفة على الفضاء الإعلامي العربي، ظلت منابر قليلة مضيئة: "رأي اليوم" التي فتحت صفحاتها للكتّاب العرب بجرأة نادرة، و"الحوار المتمدّن" التي آوت العقل النقدي في زمن تكفير العقول، و"الميادين" التي قدمت خطابًا إعلاميًا مقاومًا للهيمنة الغربية.

هذه المنصات — رغم فقرها المادي وهشاشتها التنظيمية — هي الوحيدة التي:

· تفتح أبوابها للكتّاب العرب من كل الاتجاهات.
· تقدم خطابًا نقديًا جريئًا لا يخاف من التابوهات.
· ترفض التطبيع مع إسرائيل صراحة وعلنًا.
· تحلل التحولات الدولية بعمق بعيدًا عن التطبيل أو التشويه.
· تشرح صعود الشرق برؤية موضوعية نسبيًا.
· تكسر احتكار الإعلام الخليجي والغربي للمشهد.

لكنها فقيرة جدًا. تعتمد على تبرعات فردية، ودعم متقطع، وجهود فردية بطولية. بينما الإعلام المموّل (خليجيًا وغربيًا) يغرق في الملايين. الفارق ليس في الجودة، بل في التمويل.

وهنا تأتي الفكرة الأساسية لهذا المقال: لماذا لا تموّل الصين وروسيا وإيران هذه المنصات؟

ليس تمويلًا سياسيًا بمعنى شراء الأقلام وتحويلها إلى أبواق دعائية. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث، وسيفقد هذه المنصات مصداقيتها فورًا. بل شراكة ثقافية بمعنى دعم استقلالها المادي، حتى تتمكن من الاستمرار في أداء دورها النقدي المستقل.

الصحافة المستقلة تحتاج إلى تمويل يضمن بقاءها فقط، لا تمويل يوجه محتواها. وهذا الفرق دقيق لكنه جوهري.

…….

سوريا قبل الجولاني – دولة كانت تحمي الثقافة (وماذا بعد؟)

قبل أن يتحوّل شمال سوريا ثم كل سورية إلى ساحة فوضى وإمارات متطرفة، كانت دمشق — رغم كل شيء، رغم تغول أجهزة الأمن ، رغم الأخطاء، رغم الحصار — تحمي الثقافة العربية بطرقها المعينة الشحيحة لكن الفاعلة نسبيًا. كانت تفتح معارض الكتاب، وتدعم دور النشر بشكل أو بآخر، وتحافظ على الحد الأدنى من الحياة الفكرية، وتستضيف المفكرين العرب رغم اختلافاتهم.

لكن بعد اندلاع الحرب الاستعمارية عليها عام 2011، وتحديدًا بعد صعود الفصائل الفاشية المتطرفة الممولة من المحميات إلى شمال البلاد، وتحوّل إدلب و المناطق الأخرى بما فيها العاصمة إلى "إمارات" معزولة تحت حكم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) وما يشبهها من عصابات الإخوان المسلمين الخادمة للإمبريالية الأمريكية انهار المشهد الثقافي السوري بالكامل تقريبًا.

مكتبات أغلقت. دور نشر هاجرت أو توقفت. كتاب اغتيلوا أو فروا أو سجنوا. جامعات تحولت إلى ثكنات ومساجد حظائر وهابية أو أطلال. مناهج دراسية مزقتها الصراعات. وأجيال كاملة نشأت خارج المدرسة.

هذا الانهيار الثقافي ليس مجرد فصل عابر في تاريخ سوريا، بل هو جزء من انهيار المشروع الثقافي العربي كله. سوريا كانت عمقًا ثقافيًا للعرب، وكانت سقفًا لحماية الثقافة العربية في وجه التطرف والإعلام التجاري. سقوط هذا السقف ترك فراغًا هائلاً.

واليوم، بعد أن تغيرت موازين القوى مجددًا، و ربما خرج الجولاني من المشهد بصورة جديدة، يبقى السؤال: كيف يمكن إعادة بناء الثقافة السورية؟ ومن سيمول هذه الإعادة؟ هل تترك للغرب الذي لا يريد لسوريا أن تكون قوية؟ أم لمحميات الخليج الصهيو أمريكية المتخلفة الذي تريدها سوقًا استهلاكية؟ أم يمكن للشرق الجديد أن يلعب دورًا؟

………

نحو مشروع ثقافي عربي–شرقي – التفاصيل

ما أقترحه ليس حلمًا طوباويًا، بل مشروعًا قابلاً للتنفيذ، بخطوات واضحة ومحددة. دعونا نضعه في نقاط عملية:

أولًا: مجمع تجاري ثقافي تموّله الصين
يمكن للصين تمويل إنشاء مجمع تجاري في العاصمة الإدارية الجديدة في مصر أو في بيروت أو في بغداد، يكون مقره الرئيسي مخصصًا للكتاب والنشر والترجمة. بمعنى أن تكون أرباح المجمع التجاري (محلات، مطاعم، مكاتب) مخصصة لدعم دور النشر العربية المستقلة بشكل دوري ومنتظم.

ثانيًا: مركز ثقافي روسي في ثلاث عواصم عربية
يمكن لروسيا تمويل مراكز ثقافية روسية في بيروت والقاهرة والجزائر، لا تقتصر على تعليم اللغة الروسية أو عرض الأفلام، بل تمول برامج ترجمة طموحة من الأدب الروسي الكلاسيكي والحديث إلى العربية، ومن الأدب العربي إلى الروسية.

ثالثًا: صندوق ترجمة تموّله إيران
يمكن لإيران تمويل صندوق خاص بترجمة أهم مائة كتاب في الفكر والفلسفة والتجربة الإيرانية إلى العربية، على أن يختار الكتب لجنة من مثقفين عرب وإيرانيين مستقلين.

رابعًا: دعم مباشر لدور النشر
يمكن للدول الثلاث تخصيص جزء من مساعداتها للعرب لدعم دور النشر المستقلة مثل دار الآداب، دار الطليعة، دار الفارابي، رياض الريّس، دار الساقي. دعم لا يشترط محتوى معينًا، بل يشترط الاستقلالية والجودة.

خامسًا: تمويل الصحافة المستقلة
يمكن تمويل منصات مثل "رأي اليوم" و"الحوار المتمدّن" و"الميادين" بتمويل يضمن استمراريتها، مع ضمانات واضحة بعدم التدخل في المحتوى التحريري.

سادسًا: شراكات مع الجامعات العربية
برامج تبادل أكاديمي، منح دراسية، مؤتمرات مشتركة، مختبرات بحثية في مواضيع تهم الشرق الجديد والعالم العربي معًا (الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، الاقتصاد الرقمي، دراسات المستقبل).

سابعًا: ترجمة الأدب العربي إلى لغات الشرق الجديد
تمويل ترجمة الأدب العربي المعاصر إلى الصينية والروسية والفارسية، وتعريف شعوب هذه الدول بجماليات الثقافة العربية.

ثامنًا: ترجمة فكر الشرق الجديد إلى العربية
تمويل ترجمة أهم الكتب الفكرية والسياسية من الصين وروسيا وإيران إلى العربية، ليس كدعاية، بل كمواد للتحليل والنقد والدراسة في الجامعات العربية.

تاسعًا: بناء خطاب عربي جديد
دعم ورشات كتابة وندوات فكرية ومجلات متخصصة تعمل على بناء خطاب عربي جديد، مستقل عن الغرب و محميات الخليج الصهيو أمريكية معًا، يشرح التحولات العالمية ويقدم رؤية عربية للمستقبل.

هذا المشروع لا يحتاج إلى ثورة، ولا يحتاج إلى صدام مع أحد، ولا يحتاج إلى إسقاط أنظمة، بل يحتاج إلى رؤية. رؤية ترى في الثقافة استثمارًا لا تبذيرًا، وفي الكاتب قوة لا تهديدًا، وفي دار النشر مشروعًا نهضويًا لا متجرًا عابرًا.

……..

هل هذا ممكن؟ – تحديات واعتراضات

بالطبع هناك تحديات. كثيرة ومعقدة. لنكن صادقين مع أنفسنا:

التحدي الأول: الثقة المتبادلة
العالم العربي لديه تاريخ طويل من التجارب المريرة مع التمويل الخارجي المشروط. كثير من المؤسسات الثقافية "استُعمرت" عبر التمويل. لذلك، أي مشروع تمويل من الشرق الجديد سيواجه شكوكًا مشروعة: هل هو تمويل أم شراء؟ هل هو دعم أم توجيه؟

الحل: ضمانات واضحة ومكتوبة بالاستقلالية التامة. لجان إدارة مشتركة ومستقلة. مراجعات دورية شفافة.

التحدي الثاني: الخوف من "الدعاية"
أي دعم لدور النشر أو الصحافة من دول لها أجنداتها السياسية سيكون عرضة لاتهامات "الدعاية". هذا واقع لا مفر منه.

الحل: أن يكون الدعم لدور نشر قائمة بالفعل، لها تاريخ من الاستقلالية والمصداقية. لا دعم لمشاريع جديدة تنشأ "على الهوا" لتكون أبواقًا.

التحدي الثالث: تداخل المصالح
الصين وروسيا وإيران ليست دولًا مثالية. لها سياستها الخارجية التي قد تتعارض أحيانًا مع المصالح العربية. وهذا يخلق إشكالية: كيف ندعم مشروعها الثقافي ونحن نختلف معها في قضايا أخرى؟

الحل: أن يكون الدعم الثقافي منفصلاً عن الخلافات السياسية. أن نتعامل مع الشرق الجديد كما تتعامل أوروبا مع أمريكا: شراكة ثقافية واقتصادية رغم الخلافات السياسية.

التحدي الرابع: الإعلام المعادي
الإعلام الخليجي والغربي سيشن حملة شرسة ضد أي مشروع كهذا. سيصفه بـ"المؤامرة الشرقية" و"التسلل الثقافي" و"التبعية الجديدة".

الحل: الصبر والوضوح. من يخاف من هذا المشروع فهو يخاف من حرية الثقافة واستقلالها. وأي هجوم على المشروع هو دليل على أنه يزعج من يريدون احتكار الوعي العربي وتدميره بالخرافات الوهابية والإسلام التكفيري الذي صنعه بريحينسكي وكيسنجر وجامعة تل أبيب الإسلامية .

…..

المثقف العربي بين المطرقة والسندان

في خضم هذا النقاش حول تمويل الثقافة من الشرق الجديد، لا بد أن نتوقف لحظة عند المثقف العربي نفسه، ذلك الكائن الذي بات وحيدًا في زمن الضجيج.

المثقف العربي اليوم بين ثلاثة خيارات، كلها صعبة:

الخيار الأول: التبعية الغربية
أن يكتب ما يرضي المؤسسات الغربية والإعلام الخليجي، فيحصل على دعم مادي ونشر واسع، لكنه يفقد استقلاليته ومصداقيته.

الخيار الثاني: البقاء مستقلاً بلا دعم
أن يكتب ما يريد، لكن يظل فقيرًا، مهمّشًا، غير معروف، يقرأه قلة، ويختفي بسرعة في زحمة الإعلام.

الخيار الثالث: البحث عن بدائل
أن يسعى لتمويل من الشرق الجديد (أو أي جهة أخرى) لكن بشروط تحفظ استقلاليته.

لا خيار رابع. فالتمويل الحكومي العربي (من وزارات الثقافة) إما فاسد أو مشروط أيديولوجيًا. والتمويل الخاص العربي (من رجال أعمال) نادر أو مرتبط بمصالح ضيقة.

لهذا، فتح باب التمويل من الشرق الجديد، بحذر وشفافية، هو فرصة حقيقية للمثقف العربي المستقل. ليس لأنه سيتحول إلى "كاتب مدفوع الأجر" من بكين أو موسكو أو طهران، بل لأنه سيحصل أخيرًا على مساحة للتنفس، على هامش من الحرية يسمح له بالكتابة دون خوف من الجوع.

……..

مخاوف مشروعة – هل نبدل تبعية بتبعية؟

هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا: أليس دعم الشرق الجديد للثقافة العربية مجرد تبديل تبعية بتبعية؟ ألسنا ننتقد التبعية الغربية لنقع في تبعية شرقية؟

السؤال مشروع والقلق حقيقي.

لكن الإجابة تحتاج إلى دقة:

أولًا: الفرق بين الدعم والتبعية. التبعية تعني أن يكون القرار النهائي للغير، وأن تكون الأولويات للغير، وأن تكون اللغة للغير. أما الدعم فهو تمويل مع احترام الاستقلالية. المطلوب هو دعم، لا تبعية.

ثانيًا: التعددية تحمي من التبعية. عندما يكون للمثقف العربي أكثر من جهة ممولة (غربية وشرقية وعربية خاصة وعربية حكومية)، فإنه يصبح أقل تبعية لأي جهة. التنوع في مصادر التمويل هو ضمانة الاستقلال.

ثالثًا: الفرق بين النموذج الغربي والنموذج الشرقي. الغرب يقدم نموذجه كـ"الوحيد الممكن"، بينما الشرق الجديد يقدم نفسه كـ"أحد النماذج". الشرق الجديد أقل أيديولوجية في خطابه الثقافي، وأكثر براجماتية.

رابعًا: التجربة هي الفيصل. لا يمكن الحكم على مشروع التمويل الشرقي إلا بعد تجربته. إذا ثبت أنه يفرض شروطًا سياسية أو أيديولوجية، فسيرفضه المثقفون العرب. لكن إدانته مسبقًا هو خضوع للخطاب الغربي المهيمن.

لنكن واقعيين: النظام العالمي الحالي هو نظام غربي الهيمنة. أي محاولة لكسر هذه الهيمنة، حتى لو لم تكن مثالية، هي خطوة إلى الأمام. والثقافة العربية، التي تختنق تحت هذه الهيمنة، بحاجة إلى أن تتنفس هواءً جديدًا من الشرق.

………

النهضة تبدأ من الكتاب… لا من القصر

هذه حقيقة تاريخية تثبتها كل النهضات، من النهضة الأوروبية إلى النهضة العربية الحديثة إلى النهضة الآسيوية المعاصرة:

الأمم لا تنهض بالقرارات السياسية وحدها.
ولا بالتحالفات العسكرية.
ولا بالاتفاقيات الاقتصادية.
ولا بخطب الزعماء.
ولا بمؤتمرات القمة.

الأمم تنهض عندما:

· يُموَّل الكتاب ويُتاح للجميع.
· تُحمى دور النشر من الإفلاس والإغلاق.
· يُدعم المثقف ماديًا ومعنويًا.
· تُبنى الصحافة المستقلة كسلطة رابعة حقيقية.
· يُصنع خطاب جديد يخاطب العقل لا البطن.
· تُفتح نوافذ على الشرق كما فُتحت على الغرب.
· يُعاد تشكيل الوعي عبر التعليم والإعلام والثقافة.

وهذا ما يمكن أن يفعله الشرق الجديد — الصين وروسيا وإيران — إذا أراد أن يكون شريكًا حقيقيًا للعرب، لا مجرد قوة عابرة تمر من المنطقة لتحصل على نفط أو موقع أو نفوذ ثم ترحل.

الشرق الجديد يمكنه أن يلعب دورًا مشابهًا لدور الغرب في النهضة العربية الحديثة قبل أن يتحول إلى قوة استعمارية. الغرب، في البداية، فتح المدارس والجامعات والمسارح والمطابع. ثم جاء دور الاستعمار والهيمنة. لا نريد تكرار هذا الخطأ. لكننا نريد الاستفادة من الدرس: الثقافة أولاً.

النهضة العربية لن تأتي من النفط الذي يتبخر ثمنه، ولا من الأبراج التي تختفي في السحاب، ولا من المهرجانات التي تنتهي بانتهاء الموسم.

النهضة العربية تأتي من دار الآداب، ومن دار الطليعة، ومن دار الفارابي، ومن رياض الريّس، ومن صحافي مستقل يكتب في الليل بينما العالم نائم، ومن كاتب عربي يقرر أن يقول الحقيقة ولو كانت مرة، ومن قارئ عربي يقرر أن يشتري كتابًا بدل أن يقضي ساعات على "انستغرام ".

هؤلاء هم أبطال النهضة الحقيقيون. وهم بحاجة إلى من يدعمهم. والشرق الجديد يمكن أن يكون هذا الداعم.

……

نحو فجر عربي جديد

نحن على حافة تحول تاريخي كبير. النظام العالمي أحادي القطب الذي هيمن عليه الغرب الاستعماري وكيانه الصهيوني البغيض ومحمياته الخليجية المنحطة لعقود ينهار ببطء، وعالم متعدد الأقطاب يولد وسط آلام المخاض. الصين تصعد، روسيا تعود، إيران تصمد، والغرب يتراجع نسبيًا.

العالم العربي في قلب هذا التحول. ليس لأنه قوي، بل لأنه ضعيف. والضعيف دائمًا هو ساحة الصراع. لكن الضعيف يمكنه أن يصبح قويًا إذا اختار تحالفاته بوعي، وإذا استثمر في قوته الناعمة قبل قوته الصلبة، وإذا أدرك أن النهضة تبدأ من داخله أولاً.

ما أقترحه في هذه المقالة ليس "حلاً سحريًا"، ولا "وصفة جاهزة"، ولا "دعوة للتبعية الشرقية". ما أقترحه هو فتح نقاش، طرح سؤال، كسر تابوه. لماذا لا ننظر إلى الشرق؟ لماذا نصر على أن الغرب هو الخيار الوحيد؟ لماذا نخاف من فكرة أن نمول ثقافتنا من مصادر متعددة؟

هذا السؤال يحتاج إلى نقاش جريء، صادق، غير خائف من الاتهامات. يحتاج إلى مثقفين يجرؤون على قول ما يرون، وصحفيين يجرؤون على نشر ما يكتب، وقراء يجرؤون على التفكير خارج الصندوق.

الشرق الجديد يقدم فرصة. ليست فرصة مثالية، ولا خالية من المخاطر، لكنها فرصة حقيقية لخلق فضاء ثقافي عربي أكثر استقلالاً وتنوعًا وقوة.

النهضة العربية مؤجلة، لكنها ليست مستحيلة. والطريق طويلة، لكنها ليست مغلقة. ربما يكون مفتاح هذه النهضة في أيدٍ شرقية هذه المرة، لا في أيدٍ غربية تطور التخلف كلما زادت العلاقات معها كما كان دائمًا.

فهل نجرؤ على تجربة شيء جديد؟ أم نظل أسرى خوفنا من الجديد، نردد نفس الأخطاء، وننتظر نفس النتائج؟

الأمة العربية تنتظر من يفتح لها نوافذ الأمل. والشرق الجديد يمكن أن يكون هذه النافذة. لكن القرار النهائي يبقى لنا نحن العرب.

فماذا نختار؟



تمت المقالة في لحظة أمل لا يموت، ونقد لا يخاف، ورؤية تبحث عن شركاء.
إلى كل مثقف عربي يكتب في الليل بينما العالم نائم: أنت وحدك من سيصنع النهضة، لا القصور ولا التحالفات.
وإلى الصين وروسيا وإيران: إذا أردتم قلوب العرب، فادخلوا من باب الثقافة، لا من باب السلاح.