حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 6 / 3 - 07:49
الدولة لا تكذب حين تقتل. خطابُها الأيديولوجي يكذب، وبياناتها تكذب، ووعودها تكذب — لكن رصاصها يقول الحقيقة كاملةً بلا مواربة. ففي الساعات الأولى من فجر الثالث من يونيو 2019، التاسع والعشرين من رمضان، تكلَّمت الدولة البرجوازية العسكرية السودانية بلغتها الحقيقية الوحيدة: الرصاص الحي في صدور المعتصمين، والسونكي في أجساد الثوار، والجثث مُلقاةً في النيل لتطمس الأدلة وتُضاعف الرعب في آنٍ معاً.
ما جرى لم يكن حادثةً أمنية انفلتت من السيطرة، ولا تجاوزاً فردياً من جنود فقدوا أعصابهم. الوقائع الثابتة تشير إلى عملية مُحكَمة التخطيط: تطويق الساحة من كافة الجهات في ساعات الفجر، وحشد لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل من الدعم السريع والجيش والشرطة وجهاز الأمن، وأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة وخراطيش وغاز مسيل للدموع، وقناصة يُصوِّبون في الرأس والصدر. ثم قطعُ الإنترنت بأوامر مباشرة من المجلس العسكري لعزل الثوار عن بعضهم وعن العالم، وقفلُ بوابات القيادة العامة في وجه الجرحى الفارِّين من الموت — وكلُّ هذا يجري على مرأى من ضباط رفيعي الرتب ومسمعهم، دون أن يصدر أمرٌ واحد بوقف النار.
هذا ليس إهمالاً. هذا سياسة.
ولم تكن هذه السياسة سودانية المنشأ وحدها. خلف الرصاص وقفت أيدٍ إقليمية ودولية، الإمبريالية بكل وجوهها كانت شريكاً لا مجرد متفرج.
لينين في "الدولة والثورة" لم يتركنا نتخيَّل: "الدولة جهازُ عنف طبقي، لا أداة تحكيم بين المصالح المتعارضة." وحين اهتزَّ عرشُ الطبقة الحاكمة في الخرطوم — تلك الطبقة المُركَّبة من ضباط حوَّلوا الجيش إلى شركة أعمال، ورجال أعمال يعيشون على ريع الذهب والاستيراد، وميليشيات تتاجر بالبشر والرصاص — أجابت الدولة بما هو دورُها التاريخي الوحيد: إعادة فرض هيمنة الطبقة المسيطرة بالقوة المادية المجرَّدة.
الفريقُ شمس الدين كباشي أفصح في مؤتمره الصحفي عن اجتماع ضمَّ رئيسَ القضاء والنائبَ العام، وأقرَّ بصدور أوامر الفض لقادة الوحدات. ثم انزلق لسانُه بـ"وحدث ما حدث" قبل أن تُمرَّر له ورقةٌ في المنصة تُعدِّل اعترافه. في تلك الانزلاقة الصغيرة تاريخٌ كامل: الطبقة الحاكمة تعرف ما فعلت، وتعرف أنها فعلته بوعي وتدبير، وتحتاج فقط إلى كلمات تُغطي الحقيقة لا إلى أعذار تُبرِّرها.
الاعتصامُ أمام القيادة العامة لم يكن مجرَّد تجمُّع احتجاجي. كانت تلك اللحظة التي بدأت فيها السلطة المزدوجة تتشكَّل بالمعنى اللينيني الحرفي: لجانُ مقاومة تُدير خدماتها وأمنها وأجهزة إعلامها باستقلال تام عن الدولة، ووثيقة سياسية تطالب بـ"استئصال التمكين" — أي المساس المباشر بملكية الطبقات المسيطرة. ومن هنا يتضح التناقض الصارخ: الجهازُ القانوني للدولة يحمي هذا التجمُّع نظرياً، بينما يسحقُه الجهازُ القمعي للدولة ذاتها عملياً. هذا ليس تناقضاً يحلُّه القانون — هذا التناقضُ الطبقي في جوهره، حيث القانون قناعٌ والرصاص هو الوجه الحقيقي.
ثمة تفصيلٌ في وقائع ذلك الصباح يكشف البُعد الطبقي بصورة تقطر دماً: بواباتُ القيادة العامة أُغلِقت في وجه الجرحى والمعتصمين المنهزمين. جنودٌ وضباطٌ كانوا يُشاهدون الجرحى يتوسَّلون الدخول، ويردُّونهم بالقوة إلى مواجهة الموت. جهازٌ عسكري بهذا الحجم وهذا التنسيق لا تتصرَّف آلافُ أفراده بتلاؤمٍ عفوي دون قيادة — التنسيقُ نفسه هو الدليل، والصمتُ عن الجريمة هو الاعتراف.
روزا لوكسمبورغ، التي اغتالتها الدولة البرجوازية في برلين 1919 بنفس المنطق وبنفس الآلية، كانت تعرف هذا جيداً حين كتبت أن الدولة "لا تتخلَّى عن العنف حين تُهدَّد مصالحُها الجوهرية، بصرف النظر عن الشرعية أو القانون أو الأعراف." الاعتصامُ كان مشروعاً بكل المعايير التي أقرَّها المجلس العسكري نفسه علناً ومراراً — وهذا لم يمنع الرصاصة الأولى لحظةً واحدة.
الاغتصابُ الذي ارتُكِب ذلك الصباح ليس انتهاكاً جانبياً يمكن عزلُه عن السياق. الاغتصابُ سلاحٌ سياسي في الحروب الطبقية والاستعمارية — أداةٌ لتحطيم الإرادة الجماعية، وفرضِ رعب شخصي يخترق الجسد ويكسر الثقة بإمكانية المقاومة. فانون في "معذبو الأرض" يشرح كيف يستخدم المستعمِر العنفَ الجنسي تحديداً لأنه يُحوِّل الصراع من الجماعي إلى الشخصي، ويُرهق الضحية بعبء النجاة قبل عبء النضال. عشراتُ حالات الاغتصاب الموثَّقة — وهو رقمٌ مرجَّح أنه أقل من الواقع بكثير — ليست "تجاوزاً" في مسرح الجريمة. هي جزءٌ لا يتجزَّأ من الاستراتيجية.
أما التزامنُ بين فضِّ اعتصام القيادة العامة وفضِّ اعتصامات المدن الأخرى في الساعات الأولى من ذلك الفجر، فهو الدليلُ النهائي على مركزية القرار ووحدة الطبقة الحاكمة في مواجهة الخطر الثوري. الثورة كانت قد امتدَّت أفقياً عبر الجغرافيا السودانية — من عطبرة الحديد إلى مدني القطن إلى أم درمان الشعبية إلى أحياء الهامش الفقيرة. وأدركت الطبقة الحاكمة أن تركيزَ الضربة في الخرطوم وحدها سيترك نيران الثورة مشتعلةً في الأطراف. فجاء القرار شاملاً: اضرب كلَّ شيءٍ في لحظة واحدة. هذا ليس تنسيقاً أمنياً — هذا وعيٌ طبقي حاد بضرورة إخماد الحريق قبل أن تلتهم شعلاتُه بعضَها وتصير جمراً لا يُطفأ.
الطبقةُ الكادحة السودانية دفعت في يونيو 2019 ثمن درسٍ قديم لم تتعلَّمه كلُّ ثورات العالم بعدُ: لا يمكن إسقاط سلطة طبقة عبر التفاوض معها على حدود ممارستها للسلطة. الاعتصامُ كان أقوى لحظات الثورة وأشد لحظاتها هشاشة في آنٍ واحد — قوةٌ لأنه أنشأ بذرة سلطة موازية، وهشاشةٌ لأنه لم يمتلك الأداة المادية لحماية نفسه من الفناء. غرامشي كان يصف هذا بأن الحرب الثورية لا تُكسَب بالمواقع وحدها، بل بالسيطرة على موازين القوى المادية قبل أن يُفاجئك العدو في لحظة ضعفك.
الأنظمةُ التي تحتاج إلى هذا القدر من العنف لإسكات شعوبها هي أنظمةٌ تعترف في العمق بهشاشتها. الرصاصُ اعترافٌ بالخوف لا تأكيدٌ للقوة. وشعبٌ تعلَّم أن يعدَّ شهداءه بالأسماء لا بالأرقام — عبدالسلام كشة وعبد العظيم وحنفي عبد الشكور وعباس فرح وسواهم من كوكبة الشهداء — هو شعبٌ لم يُهزَم، بل هو شعبٌ يراكم وعيه الطبقي وإن بدا في مواسم الصمت أنه نائم.
ذكرى الثالث من يونيو ليست للبكاء. هي للتشريح. وتشريحُ الجريمة يبدأ بتسمية المجرم، ثم بتسمية النظام الذي أنتجه، ثم ببناء القوة التي تُطيح بهما معاً. كما قالت روزا لوكسمبورغ في آخر كلماتها قبل اغتيالها: "كانت هنا، وهي باقية."
النضال مستمر،،