المؤتمر الرابع والخمسون للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية (CGT): صراع الاتجاهات ومستقبل الحركة النقابية في فرنسا (2)
جهاد عقل
2026 / 6 / 2 - 22:19
المؤتمر وأهميته
هذا المقال الثاني الذي نستعرضفيه محطات هامة ونقاشات تتعلق بالمؤتمر الرابع والخمسون للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية (CGT)، أكبر وأبرز منظمة نقابية في فرنسا، المنعقد في مدينة تور (Tours) خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 5 حزيران/يونيو 2026، في محطة تُعد من أهم المحطات التنظيمية والسياسية للحركة النقابية الفرنسية في ظل تصاعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وتنامي نفوذ اليمين المتطرف في أوروبا.
ويستضيف مركز المؤتمرات الدولي “فانسي” (Vinci International Convention Centre) أعمال المؤتمر، بمشاركة مئات المندوبين القادمين من مختلف الاتحادات والقطاعات المهنية والمناطق النقابية في فرنسا، لمناقشة توجهات الكونفدرالية واستراتيجياتها للسنوات الثلاث المقبلة.
وثيقة التوجيه ومحاور النقاش
ويتمحور المؤتمر حول مناقشة “وثيقة التوجيه” التي تحدد الخط السياسي والنقابي للمنظمة، إضافة إلى تقييم المرحلة السابقة، وخاصة معركة التقاعد لعام 2023، التي شهدت واحدة من أكبر التعبئات الجماهيرية في فرنسا ضد سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون.
كما سيناقش المؤتمر ملفات مركزية تتعلق بالأجور، والدفاع عن الخدمات العامة، والضمان الاجتماعي، وظروف العمل، والحريات النقابية، إلى جانب قضايا التحول الصناعي والرقمنة والذكاء الاصطناعي وتأثيرها على عالم العمل.
ويتضمن جدول الأعمال التصويت على القرارات التنظيمية وانتخاب القيادة الكونفدرالية الجديدة، وسط نقاشات واسعة حول مستقبل العمل النقابي واستراتيجية المواجهة مع السياسات الليبرالية والهجمات المتواصلة على حقوق العمال.
ويكتسب هذا المؤتمر أهمية استثنائية، ليس فقط لأن الـCGT تُعد أكبر وأقوى النقابات العمالية في فرنسا، بل لأن مخرجاته ستؤثر بصورة مباشرة على مستقبل النضالات الاجتماعية والعمالية في البلاد، خاصة في ظل تصاعد الغضب الاجتماعي وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.
الانتقادات الموجهة للوثيقة
وقد أثارت وثيقة التوجهات التي قدمتها القيادة الكونفدرالية المنتهية ولايتها انتقادات واسعة داخل الأوساط النقابية اليسارية، حيث اعتبرها معارضوها تعبيرًا عن استمرار “الانزياح الإصلاحي” داخل قيادة النقابة.
أبرز الانتقادات التي وُجهت للوثيقة تمثلت في تقييمها لمعركة التقاعد عام 2023. فبدل أن تتحمل القيادة النقابية مسؤولية الفشل في تطوير الإضرابات نحو شلل اقتصادي شامل، حمّلت الوثيقة المسؤولية للقواعد النقابية والعمال أنفسهم، معتبرة أن المشكلة كانت في ضعف توسيع الإضرابات وعدم انخراط الطلاب والشباب بصورة كافية.
لكن منتقدي القيادة يرون أن المشكلة الحقيقية كانت غياب استراتيجية هجومية واضحة، حيث اكتفت القيادات النقابية بسلسلة “أيام احتجاج متفرقة” دون الدعوة الجدية إلى إضراب عام مفتوح ومتواصل قادر على فرض التراجع على الحكومة.
كما تطرقت النقاشات إلى ضعف التوسع التنظيمي للنقابة، إذ تؤكد الوثيقة أن انخفاض عدد المنتسبين هو أحد أسباب الهزائم الأخيرة. غير أن الجناح اليساري داخل الـCGT يرفض هذا التفسير، معتبرًا أن تراجع العضوية هو نتيجة مباشرة للهزائم المتكررة وغياب الخط النضالي الجذري، وليس العكس.
وفي ملف اليمين المتطرف، حذرت الوثيقة من احتمال وصول حزب “التجمع الوطني” (RN) إلى السلطة عام 2027، ودافعت مجددًا عن سياسة “الجبهة الجمهورية” التي دعت سابقًا للتصويت ضد مارين لوبان لصالح إيمانويل ماكرون.
إلا أن هذا الطرح يواجه معارضة قوية داخل قطاعات واسعة من النقابيين، الذين يعتبرون أن دعم السياسات الليبرالية لماكرون ساهم أصلًا في تقوية اليمين المتطرف عبر تعميق الفقر والتهميش وتفكيك الخدمات العامة.
التيارات المتصارعة داخل الـCGT
وترى التيارات اليسارية داخل الـCGT أن مواجهة اليمين المتطرف لا يمكن أن تتم عبر التحالف مع قوى السوق والرأسمال، بل من خلال بناء حركة عمالية جماهيرية موحدة تدافع عن العدالة الاجتماعية، ورفع الأجور، والخدمات العامة، والحقوق الديمقراطية.
كما انتقدت اتحادات صناعية يسارية داخل الـCGT، ومنها اتحاد الصناعات الكيميائية (FNIC-CGT)، غياب أي طرح جذري لتغيير النظام الاقتصادي، معتبرة أن وثيقة القيادة “تجعل الرأسمالية مقبولة” وتتخلى عن التقاليد الكفاحية والتاريخية للنقابة.
ويبدو أن المؤتمر الرابع والخمسين سيكون ساحة مواجهة سياسية وتنظيمية بين تيارين: تيار إصلاحي يميل إلى التفاوض والتسويات التدريجية ضمن النظام القائم، وتيار يساري يدعو إلى استعادة الهوية الكفاحية للنقابة وربط النضال المطلبي بالمواجهة الشاملة مع السياسات الرأسمالية.
وفي ظل تصاعد الأزمات الاجتماعية في فرنسا وأوروبا، فإن نتائج هذا المؤتمر قد لا تحدد فقط مستقبل الـCGT، بل أيضًا شكل الحركة العمالية الفرنسية في السنوات القادمة.