الحل الإسرائيلي لمشكلة غزة يسير على قدم وساق


جدعون ليفي
2026 / 5 / 31 - 14:50     

البديل الوحيد لحكم حماس في الوقت الراهن هو الفوضى، وهذه الفوضى تخدم إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب:
التفكك الاجتماعي الكامل، ثم التهجير.
يجادل البعض بأن إسرائيل لم تكن تملك خطة لما بعد الحرب في غزة، لكن ذلك مجرد خطأ فادحا. كنت أتمنى ألا تكون هناك مثل هذه الخطة. فبعيدا عن أنظار الرأي العام العالمي والإسرائيلي، يجري بالفعل تنفيذ المرحلة التالية من الاستراتيجية الإسرائيلية التدريجية.
والآن، بعد أن أخذت الإبادة الجماعية مجراها، وبعد أن دُمر القطاع بصورة شبه كاملة، تمضي إسرائيل بثقة نحو المرحلة التالية من الخطة: تحويل جميع سكان غزة إلى أناس يعانون بصورة دائمة من الإعاقة والإصابات والأمراض والجوع والتشرد والبطالة.
وبمجرد أن يُختزل سكان غزة إلى كتلة بشرية مشتتة، بلا مجتمع منظم، وبلا خدمات أساسية أو مؤسسات حيوية، وبالطبع بلا قيادة، فإن الانهيار الكامل للنسيج الاجتماعي سيجعل الانتقال إلى المرحلة التالية أسهل, وهي المرحلة التي لم تتخل عنها إسرائيل قط: مرحلة التهجير. عندها فقط، من وجهة نظرها، سيتم حل "مشكلة غزة" نهائيا. وبهذه الطريقة فقط.
وقد سُمعت أصداء واضحة لهذه الخطة الأسبوع الماضي في تصريحات مهندسيها ومنفذيها. فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن توجيهاته تقضي بتوسيع مساحة القطاع الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من 60 بالمئة إلى 70 بالمئة.
أما وزير الدفاع الإسرائيلي، اسرائيل كاتس، فكتب على منصة "إكس:: "لقد تعهدنا بأن حماس لن تحكم غزة مدنيا أو عسكريا، وهذا ما سيكون. كما سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية، في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة". وبمعنى آخر، سيُحول سكان غزة إلى ما يشبه "قطيعا" يسهل نقله بعيدا "في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة". فالنظام يجب أن يبقى قائما، كما يُقال.
إن "القضاء على حكم حماس" في غزة لا يهدف إلى هذا الهدف وحده. فبما أن إسرائيل تعارض بشكل قاطع أن تتولى أي جهة فلسطينية إدارة غزة ـ لا سلطة فلسطينية ولا أي منظمة دولية ولا أي جهة أخرى ـ كما أنها لا ترغب في إدارة القطاع بنفسها، فإن الحقيقة أصبحت واضحة: إسرائيل لا تريد أي جهة منظمة تحكم غزة. إنها تريد مليوني إنسان يعيشون في الخيام، لأن ذلك سيجعل تهجيرهم أكثر سهولة.
وعندما يقول كاتس إن حماس لن تحكم القطاع مدنيا، فهو يعلم جيدا أنه لا يوجد حاليا من يستطيع إدارة غزة سوى حماس، ولا يُتوقع أن يتغير ذلك في المستقبل المنظور. فالبديل الوحيد للحكم المدني الذي تمارسه حماس في الوقت الراهن هو الفوضى. وهذه الفوضى تخدم إسرائيل وتساعدها على تحقيق خطتها.
ويمكن للدعاية الإسرائيلية أن تواصل الصراخ بأن غزة تساوي حماس، وأن حماس تساوي الإرهاب. لكن ذلك، بطبيعة الحال، غير صحيح. فليس كل من في غزة منتميا إلى حماس، كما أن ليس كل من يُصنف ضمن حماس إرهابيا. وتعلم إسرائيل جيدا أن عشرات الآلاف من المعلمين والأطباء ورجال الشرطة والموظفين الحكوميين الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة حماس ليسوا إرهابيين.
إن تصنيف هؤلاء على أنهم إرهابيون أتاح لإسرائيل قتل الآلاف منهم تحت هذه التسمية. فشرطي المرور، والمحاسب، والمعلم ليسوا إرهابيين، ولا يجوز اعتبارهم أهدافا مشروعة للقتل. وقتلهم كان ولا يزال جريمة حرب. وكذلك الصحفيون الذين يحملون بطاقات صحفية صادرة عن حماس ليسوا إرهابيين. قد يكون بعضهم مروجا للدعاية، كما هو حال العديد من الصحفيين الإسرائيليين، لكنهم ليسوا إرهابيين.
لقد قتلت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: حصلت على شرعية ـ وإن كانت زائفة ـ للقتل العشوائي، وفي الوقت نفسه أضافت مرحلة جديدة إلى تنفيذ خطتها الكبرى. فلا يمكن لأي مجتمع أن يعمل من دون معلمين وأطباء وأخصائيين اجتماعيين ومهندسين وموظفين إداريين. ومن دون مجتمع قادر على العمل، يصبح من السهل تهجير سكان غزة إلى أصقاع الأرض كافة.
يوم الخميس، بُثت أحدث حلقات برنامج عرض توكر كارلسون، وتضمنت مقابلة استمرت ساعتين مع الدكتور نايك مينارد وهو جرّاح بريطاني تلقى تعليمه في جامعة اوكسفورد وتطوع للعمل في غزة على فترات متقطعة طوال نحو 17 عاما.
وقد وصف ما شاهده من فظائع بطريقة تثير الذهول: جثث مكبلة بالأصفاد، وفتيان مراهقون نُقلوا إلى غرف العمليات بعد إصابتهم بطلقات نارية في أعضائهم التناسلية، وأطفال رُضع ماتوا جوعا، وخدج تُركوا داخل الحاضنات بأوامر من الجيش الإسرائيلي عند إخلاء أحد المستشفيات، ثم عُثر عليهم موتى بعد أسابيع.
ويختم الكاتب بالقول إن على كل إسرائيلي، بل وعلى كل إنسان في العالم، أن يشاهد هذه المقابلة أو يستمع إليها. ويرى أن جميع هذه الفظائع كانت تخدم هدفا واحدا: وهو ما يسميه "الحل" الإسرائيلي للمشكلة المسماة غزة.