محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية


فهد المضحكي
2026 / 5 / 30 - 15:31     

تميز الصحفي الراحل محمد التابعي، كما تقول الصحافة المصرية، بأناقته التي كانت سببًا في لقبه الأشهر «أمير الصحافة المصرية»، إذ اعتاد على السياحة في باريس وجنيف، وكان صاحب ذوق رفيع في اختيار ملابسه، ولم يكن ينزل إلا في أفخم الفنادق العالمية متحملًا نفقات أجنحة الملوك والأمراء، أما في القاهرة فكان يعيش في شقة بحي الزمالك.

وكما كتب الصحفي عبدالرحمن حبيب في صحيفة «اليوم السابع» المصرية، تشير سيرته الذاتية إلى أنه ولد في مدينة بورسعيد عام 1896، وأمضى الدراسة الابتدائية بمدرسة المنصورة، ثم حصل على البكالوريا من مدرسة العباسية الثانوية، وعمل موظفًا بمصلحة التموين عام 1914 إلى أن تخرج في مدرسة الحقوق عام 1924، وكان الأول على دفعته وعيّن في نفس العام موظفًا

بمجلس النواب لكنه استقال عام 1928 بعد أن استهوته الصحافة التي بدأها وهو طالب بالحقوق، واشترك في ترجمة بعض الروايات المسرحية التي مثلتها فرقة يوسف وهبي، وعمل ناقدًا مسرحيًا في «الأهرام»، في وقت كان توجد فيه بالقاهرة 9 فرق مسرحية و11 مجلة مسرحية.

يعتبره الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل من أساتذته الكبار، و أستاذًا لغيره من نفس الجيل الذي خطا إلى عالم الصحافة العربية مع مطلع الأربعينيات من القرن العشرين، ويذكر «هيكل» في مقدمته لواحد من أشهر كتب «التابعي»، «من أسرار الساسة والسياسة، وأحمد حسنين باشا»: «اختلف مجال الكتابة الصحفية بعده عما كان قبله»، موضحًِا: ليس المقصود أن الكتابة الصحفية قبل «التابعي» كانت أقل وزنًا أو أدنى قيمة، فكان هناك قبل وغير «التابعي» كُتاب لهم شأن ومقام، لكن

«التابعي» أضاف شيئًا آخر، إذ صاغ أسلوبًا مختلفًا في التناول الصحفي، وهذا الاختلاف الذي أحدثه هو نعومة الكلمة، وانسياب الكلام، أي أن هناك إضافتين تحسبان للتابعي، إحداهما في اللفظ، والثانية في السياق، وبالنسبة للإضافة الأولى، فإنه يبدو وكأن الألفاظ كانت على نحو ما في حالة عشق مع قلم التابعي، فما أن يضع سن القلم على صفحة الورق حتى تذوب المعاني والصور لينة سائلة على السطور، وبالنسبة للسياق، فإن أي قارئ لكتابات «التابعي» سوف يكتشف له قاعدة سمعته يكررها علينا كثيرًا، مؤداها:«أن القصة في التفاصيل».

ووفقًا للكاتب الصحفي سعيد الشحات، يقول الشاعر والكاتب الصحفي كامل الشناوى: «أستاذنا محمد التابعي استطاع بموهبة وذكاء أن ينقذ الصحافة من السجع والمحسنات اللفظية وأدوات التجميل، ويخلصها من طنين المبالغة، واصطناع البلاغة، ولهذا التجديد الجريء استطاع أن يتواصل مع القارئ المصري الجديد، أي المواطن».

وقد كان التابعي واحدًا من أوائل المهتمين بالصورة الكاريكاتورية التي ظهرت منذ حوالي 1920، واختصت بها مجلة «الكشكول» التي كان يصدرها المرحوم سليمان فوزي، وكان يهدف منها في كثير من الأحوال إلى غير ما خصصت له، فكان ينتقل بها من الترويح إلى التشهير بالوفديين، ولكنه مع ذلك فتح الباب وشق الطريق.

ويذكر سلامة موسى في كتابه «الصحافة حرف ورسالة» أن محمد التابعي جعل من الصورة الكاريكاتورية دراسة في مجلاته التي كان يصدرها مثل روز اليوسف وآخر ساعة.

حين تناول الكاتب والإعلامي المصري محمد الباز «التابعي» في مقالٍ نَشرته مجلة «حرف» ذكر، في العام 1921 كان التابعي يعمل موظفًا في مجلس النواب، عمره وقتها كان 25 عامًا، وبينما كان يقرأ جريدة «الإيجبشيان ميل» وجد بها مقالًا يهاجم الشباب المصري الذي يقوم بمظاهرات ضد الإنجليز، ويعيب عليهم حماسهم في التظاهر، وبأن ما يفعلونه سيضيع هباء، فلا فائدة ترجى من ورائه.

استفز التابعي ما قرأه، فقرر أن يكتب ردًا عليه، وبالفعل أرسل إلى الجريدة مقالًا مطولًا يدافع فيه عن الشباب، ويهاجم الجريدة التي رأى أنها تعمل ضد الشعب المصري.

وقّع التابعي مقاله بـ«MTM» وهي حروف ترمز لاسمه محمد التابعي محمد، وقد لجأ إلى هذه الحيلة، لأنه كان ممنوعًا عليه أن يكتب للصحف، وهو يعمل موظفًا في مجلس النواب، ولم يتوقع أن تنشره الجريدة، لكن المفاجأة أنها نشرته واحتفت به. قرر التابعي أن يواصل مقالاته، فكتب عن الموظفين الإنجليز الذين يستنزفون أموال الدولة، ولا يقومون بأي عمل يستحقونه عليه هذه الأموال. ولم يكن لديه أمل في نشر المقال، لكن المفاجأة حدثت مرة ثانية، فقد نشرته الجريدة وفي مكان بارز ولم تعلق عليه بشيء.

فتح النشر شهية محمد التابعي، الذي أرسل إلى الجريدة بمقالات أخرى عن الإنجليز في مصر واستبدادهم وإصرارهم على تخصيص أحد الأندية «نادي التيرف» لهم وحدهم وحرمان المصريين من دخوله، كما كتب منتقدًا احتكار الموظفين الإنجليز للوظائف المهمة في الدولة، وكانت تلك الرسائل تنشر تباعًا باحتفاء كبير من الجريدة.

مقالات التابعي السياسية الحادة جعلته يقترب من «فيليب أورفارل» رئيس تحرير «الإجيبشيان ميل» فصارا صديقين، وعلى هامش هذا القرب دعاه «أورفارل» إلى مشاهدة مسرحية «غادة الكاميليا» على مسرح رمسيس الذي أسسه يوسف وهبي.
بعد العرض سأل «أورفارل» التابعي عن رأيه في المسرحية. فقال له: روزا اليوسف أجادت في دور «مارجريت»، وعزيز عيد أبدع في دور «دوفال»، أما يوسف وهبي فقد أخفق تمامًا في دور «أرمان».

نظر إليه «أورفارل» وقال له: ما رأيك هذا لتنشره في مجلة «سفنكس» كان فيليب يصدرها إلى جانب «الإجيبشيان ميل».

كتب التابعي، فغضب يوسف وهبي، وطلب من أحد الكتاب بجريدة «النظام» التي أصدرها حزب الأحرار الدستوريين أن يرد على التابعي الذي وجد نفسه مضطرِا لأن يرد على مقال «النظام» في أول مقال له باللغة العربية نشرته له جريدة السياسة.

وكأنه الكتابة في النقد المسرحي كانت مثل «النّداهة»، فواصل التابعي الكتابات الفنية في صحف الأهرام والسياسة والبلاغ واللواء، وكان يوقعها باسم «حندس».

في العام 1925 عندما فكرت روزا اليوسف في إصدار مجلة تحمل اسمها، فكرت في محمد التابعي ليعاونها ويكون شريكًا لها، وعلى أرض روزا وضع التابعي كل ملامح وبذور الصحافة الحديثة.

طبعت روزا اليوسف من العدد الأول من مجلتها أربعة آلاف نسخة، بيع منها 500 نسخة، وبقيت 3500 نسخة. أدرك التابعي سر هذه النكسة، فقد كان الجمهور ينتظر من مجلة تحمل اسم ممثلة محبوبة ومشهورة أن تكون خفيفة الظل، ولكن العدد الأول كان مملوءًا بمقالات في الأدب والفن التشكيلي، ووصف التابعي المجلة بحالتها تلك بأنها «صعبة الهضم».

وأدركت روزا أنها في مأزق كبير، فمع كل صباح كان البريد يحمل لها خطابات قراء مليئة بالاحتجاجات على مقالات الفن المجرد، وتطالبها بأن تصبح روزا اليوسف كغيرها من المجلات التي تدخل الكواليس، وتنقب عن الأسرار الشخصية، وتذيع الفضائح الفنية.

كانت روزا عنيدة، تريد لمجلتها أن تنافس، وفي الوقت نفسه تحتفظ بخطها التحرري الوقور، لكنها استسلمت، فسمحت للتابعي أن يكتب بابًا ثابتًا في المجلة بعنوان «طورلى»، كان يعلق فيه على الأخبار الفنية والسياسية بطريقة ساخرة، لكنها كانت تحد من شطحاته ورغباته المهنية.
كتب التابعي عن خلافه مع روزا، قال تأمرني صاحبة المجلة أن أكتب الصفحة بشرط ألا أعرض بأحد أو أسب أو أقدح أو أتملق أو أنتقد، ثم تقول لي: فيما عدا ذلك فأمامك الميدان فسيح لتكتب ما تشاء.

قرر التابعي أن يقوم بانقلاب في روزا اليوسف، عندما كان يجلس على مقهى في شارع عماد الدين، وسمع بائع الصحف ينادي بصوت ٍ عالٍ: روزا اليوسف «بنكلة» أي بمليمين فقط.أنتهز التابعي فرصة سفر روزا إلى باريس لينفذ انقلابه، فغير وبدل، منع نشر المقالات الفنية المجردة والأدبية الجافة، وبدأ في نشر مقالاته في النقد المسرحي بعد أن كان ينشرها في الأهرام، واستبدل الصور التي كانت تنشرها المجلة لقدامى الرسامين مثل «تسيان» و «ليوناردو دافنشي» على غلافها، بصور ممثلين والممثلات المصريين.

وخلال أسبوع ارتفع توزيع المجلة ليصل إلى أربعة آلاف نسخة في الأسبوع، وبدأت الأرباح تغطي المصاريف من ورق وحفر كليشيهات. عندما عادت روزا اليوسف من باريس راق لها ما فعله التابعي، وكانت المفاجأة أنها قررت تحويل المجلة إلى مجلة سياسية، وتحويل التابعي نفسه إلى كاتب سياسي، ومن هنا لم يفطن كثيرون إلى أنه لم يتحول إلى السياسة، ولكنه عاد إليها مرة أخرى.

يروج بعض مؤرخي الصحافة المصرية لأسطورة تحويل روزا اليوسف لمحمد التابعي إلى كاتب سياسي، وأنها قالت له، لا فرق بين الفن والسياسة، فبدلًا من أن تكتب عن يوسف وهبي ستكتب عن زيور باشا، ولم يكن هذا صحيحًا، فقد كان التابعي كاتبًا سياسيًا قبل يعمل إلى جوار زورا.

يقول هيكل: يقال عن رجل إنه صاحب مدرسة في علمه وفنه إذا وصل تأثيره في مجاله إلى درجة يختلف بها ما بعده عما قبله، بمعنى أنه إذا حذف دوره من المجرى العام للتطور انقطع الخط على فجوة واسعة، وهذا نموذج التابعي، فقد اختلف مجال الكتابة الصحفية بعده عما كان عليه قبله، وفي هذا الاختلاف بين السابق واللاحق يتبدى حجم تأثيره، مثله مثل غيره من مستواه أي علم أو فن. فالتابعي، كما يقول هيكل، هو ليس صاحب مدرسة، ولكنه صاحب المدرسة.
رجل الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي عام 1976 بعد حياة صاخبة مليئة بالعمل والجهد والنجاح تاركًا بصمة مضيئة في تاريخ الصحافة المصرية.