أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح والتجدد


يونس متي
2026 / 5 / 29 - 00:47     

تواجه الحركات اليسارية اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ نشأتها الحديثة. فالأزمة التي تعيشها لا تتعلق فقط بتراجع حضورها السياسي أو ضعف تأثيرها الجماهيري، بل ترتبط أيضاً بتحولات عميقة أصابت بنيتها الفكرية والتنظيمية وعلاقتها بالمجتمع. وقد أصبحت هذه الأزمة أكثر وضوحاً مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، والتي دفعت كثيراً من الأحزاب اليسارية إلى إعادة النظر في دورها ووظيفتها السياسية.
فمنذ نشوء الحركات اليسارية ارتبط حضورها التاريخي بقدرتها على التعبير عن مصالح الفئات الشعبية، وبامتلاكها مشروعاً يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وقد استطاعت هذه الحركات في مراحل مختلفة أن تتحول إلى قوى جماهيرية مؤثرة، لأنها امتلكت رؤية فكرية واضحة، وربطت بين الفكر والعمل السياسي والتنظيم الاجتماعي، وقدمت نفسها بوصفها قوى تسعى إلى بناء مستقبل مختلف، لا مجرد قوى تعمل داخل حدود النظام القائم.
إلا أن التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم، ولا سيما مع تعمق العولمة وتراجع التجارب الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي، وضعت اليسار أمام واقع جديد ومعقد. فقد تراجع المد الثوري الذي رافق صعوده التاريخي، بينما تعززت هيمنة النظام الرأسمالي، وظهرت أنماط جديدة من الإنتاج والعمل والاتصال، الأمر الذي فرض تحديات فكرية وتنظيمية لم تستطع قطاعات واسعة من اليسار التعامل معها بالفاعلية المطلوبة.
وفي ظل هذه التحولات، واجه جزء كبير من اليسار صعوبات فكرية في مواكبة الواقع الجديد. ولم تكن المشكلة في نقص الشعارات أو المبادئ بقدر ما كانت في ضعف القدرة على تجديد أدوات التحليل وإعادة قراءة الواقع المتغير، إذ تحولت بعض المقولات النظرية لدى عدد من القوى اليسارية من أدوات لفهم الواقع إلى مسلمات جامدة تعيق فهمه والتفاعل الخلاق معه. ونتيجة لذلك، بقيت بعض هذه القوى تعيد إنتاج اللغة والشعارات التقليدية ذاتها، في وقت كانت فيه المجتمعات تشهد تغيرات عميقة في البنية الطبقية والهويات الاجتماعية وأنماط العمل والعلاقات الاقتصادية. كما برزت قضايا جديدة تتعلق بالحريات الفردية، والبيئة، والتكنولوجيا، والعمل غير المضمون، والهجرة، وهيمنة الشركات الرقمية على المعرفة والمعلومات، وهي قضايا لم ينجح اليسار في إدماجها بصورة متماسكة داخل مشروعه الفكري والسياسي.
ولم تكن الأزمة الفكرية منفصلة عن الأزمة التنظيمية، بل ارتبطت بها بصورة مباشرة. فالكثير من الأحزاب اليسارية ما زالت تعمل بأشكال تنظيمية تعود إلى ظروف تاريخية مختلفة، حيث كانت السرية والمركزية الصارمة أدوات فرضتها شروط القمع والصراع السياسي. إلا أن استمرار هذه الصيغ التنظيمية في واقع متغير جعل بعض التنظيمات أقل قدرة على التكيف مع التحولات الجديدة، وأضعف فيها روح المبادرة والحوار الداخلي، ما انعكس على علاقتها بالأجيال الجديدة وبالحركات الاجتماعية الصاعدة.
وفي هذا السياق، بدأت تظهر تحولات واضحة في وظيفة كثير من الأحزاب اليسارية، وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية. فبعد أن نشأت بوصفها قوى تسعى إلى تغيير اجتماعي شامل، اتجهت في كثير من الحالات إلى التركيز على الإصلاحات السياسية والاجتماعية التدريجية، والعمل من داخل المؤسسات القائمة، والسعي إلى تحقيق مكاسب ضمن النظام السياسي القائم.
ومع ذلك، فإن لهذا التحول مبرراته الواقعية المرتبطة بتغير الظروف الدولية والداخلية، وبصعوبة طرح مشاريع التغيير الجذري في ظروف تاريخية وسياسية جديدة ومعقدة. كما أن معظم هذه الأحزاب نظر إلى الإصلاح بوصفه وسيلة للحفاظ على حضورها المجتمعي وتهيئة شروط التغيير التدريجي، لا باعتباره تخلياً كاملاً عن مشروعها التاريخي. لكن هذا التحول فتح أيضاً إشكالية تتعلق بالهوية السياسية لهذه الأحزاب وحدود دورها في ظل الواقع الجديد.
فحين يتحول حزب نشأ على أساس مشروع تغيير اجتماعي شامل إلى حزب يركز أساساً على الإصلاحات، يبرز سؤال جوهري حول خصوصيته الفكرية والسياسية، خاصة بعد أن أصبحت قوى قومية وإسلامية تتبنى خطاب الإصلاح، وتنطلق من مرجعيات تختلف جذرياً عن المرجعية الاجتماعية والفكرية لليسار. وهنا تصبح مسألة التمايز اليساري مرتبطة بقدرته على الجمع بين النضال الإصلاحي اليومي ورؤية استراتيجية تتجاوز إدارة الواقع إلى نقد البنى التي تنتج التفاوت والاستغلال والعمل على تغييرها.
فهذا التمايز لا يتحدد بمجرد رفع شعارات الإصلاح أو المطالبة بتحسين أداء الدولة ومؤسساتها، بل بربط تلك المطالب برؤية اجتماعية نقدية تكشف جذور الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية وآليات الهيمنة السائدة. فمشاركة اليسار في العملية السياسية لا تفقده خصوصيته بالضرورة، ما دام يوظف عمله التكتيكي اليومي في خدمة أهداف استراتيجية أوسع، تتعلق ببناء وعي اجتماعي وتنظيم قوى المجتمع والدفاع عن قيم العدالة والمساواة والديمقراطية. وهنا يصبح الفرق بين اليسار وغيره مرتبطاً ليس فقط بما يطالب به، بل بالمرجعية الفكرية والاجتماعية التي تحدد طبيعة هذه المطالب والأفق الذي تسعى إليه.
ومع ذلك، فإن العمل داخل الأنظمة القائمة لا يعني بالضرورة التخلي عن الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. فالتحدي الحقيقي أمام اليسار يتمثل في قدرته على توظيف نضاله التكتيكي اليومي، من أجل الإصلاحات السياسية والاجتماعية والدفاع عن الحقوق والحريات، بوصفه جزءاً من مشروع أشمل يهدف إلى تغيير موازين القوى وبناء وعي اجتماعي جديد. فالإصلاح، بهذا المعنى، لا يتحول إلى بديل عن التغيير التاريخي، بل إلى أداة لتهيئة شروطه وتوسيع القاعدة الاجتماعية القادرة على حمله. وهنا تتحدد قدرة اليسار على الربط بين النضال المطلبي المباشر والأفق الاستراتيجي الأوسع، بما يمنع تحوله إلى مجرد قوة مندمجة داخل النظام القائم.
إلا أن التجربة التاريخية تكشف أن هذا الترابط بين التكتيك والاستراتيجية لم يكن دائماً قائماً في الواقع. فقد وجدت بعض القوى اليسارية نفسها، تحت ضغط الظروف السياسية أو بفعل تقديراتها الخاصة، منخرطة في تحالفات أو ترتيبات سياسية أضعفت استقلاليتها الفكرية والتنظيمية، وأبعدتها تدريجياً عن دورها بوصفها ممثلة لمصالح الفئات الشعبية. وفي بعض الحالات لم تتحول الإصلاحات الجزئية إلى خطوات على طريق التغيير الأوسع، بل انتهت إلى استيعاب هذه القوى داخل البنى السياسية القائمة وإضعاف قدرتها على التأثير المستقل. ولذلك فإن نجاح السياسة الإصلاحية لا يُقاس بحجم المشاركة في السلطة أو المؤسسات، بل بقدرتها على تعزيز الوعي والتنظيم الاجتماعي وتغيير موازين القوى لمصلحة الفئات الشعبية.
ولعل بعض تجارب اليسار العربي تقدم أمثلة دالة على ذلك، حيث أفضت بعض خيارات التحالف والعمل المشترك مع قوى السلطة إلى نتائج مغايرة للأهداف التي بررت تلك الخيارات في الأصل. ومن هنا تبرز أهمية إخضاع هذه التجارب لتقييم نقدي دائم، بما يساعد على التمييز بين ما خدم المشروع اليساري فعلاً وما أسهم، بقصد أو من دون قصد، في إضعافه وإبعاده عن أهدافه التاريخية.
ولا تتعلق هذه الإشكالية بالشعارات فقط، بل بقدرة اليسار على الحفاظ على أفقه التاريخي وإعادة بناء علاقته بالمجتمع. فالقوى السياسية التي تفقد رؤيتها بعيدة المدى قد تحقق مكاسب محدودة، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على التعبئة وإلهام أجيال جديدة تبحث عن مشروع يتجاوز الإصلاح الجزئي نحو العدالة الاجتماعية والتحرر الإنساني.
ومع ذلك، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يعني العودة إلى الخطابات التقليدية أو تجاهل التحولات العميقة في الواقع العالمي، بل يتطلب إعادة تعريف المشروع اليساري نفسه في ضوء شروط العصر الجديد. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالوصول إلى السلطة، بل بالقدرة على صياغة مشروع اجتماعي جديد يستجيب لقضايا العصر، مثل اتساع الفوارق الاجتماعية، وهيمنة رأس المال المالي، والأزمات البيئية، وتراجع الدولة الاجتماعية، وتفكك أشكال التضامن في ظل العولمة والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
ومن هنا، فإن إعادة بناء الحركات اليسارية تتطلب مراجعة نقدية هادئة للتجربة التاريخية، وتطوير الفكر اليساري بوصفه أداة تحليلية مفتوحة لفهم الواقع، لا منظومة مغلقة من الشعارات. كما تتطلب إصلاح البنى التنظيمية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتشجيع المبادرة والانفتاح على الطاقات الجديدة، وإعادة بناء العلاقة بالمجتمع على أساس فهم التحولات العميقة في الوعي والهويات والعلاقات الاجتماعية.
إن أزمة اليسار لا تكمن في الجماهير، فالمجتمعات ما زالت تعاني من الاستغلال والتفاوت والحرمان، وما زالت الحاجة قائمة إلى قوى تدافع عن العدالة والحرية والمساواة. لكن الإشكال الأساسي يكمن في قدرة اليسار نفسه على تجديد أدواته الفكرية والتنظيمية، وإعادة صياغة دوره التاريخي.
إن مستقبل الحركات اليسارية يتوقف على قدرتها على التحول من قوى تعيد إنتاج الماضي إلى قوى قادرة على فهم الحاضر والمشاركة في صناعته، وصياغة رؤية للمستقبل أكثر عدالة وإنسانية، تقوم على التجدد المستمر والانفتاح الخلاق على حركة المجتمع والتاريخ.