القانون الكوني(الكزومولوجي) الذي يحكم تطور الكون
ادم عربي
2026 / 5 / 28 - 17:26
بقلم: د. ادم عربي
عندما يتحدث علماء الكون عن تكوّن النجم النيوتروني أو الثقب الأسود، فإنهم كثيراً ما يستخدمون عبارة: "انهيار النجم تحت ثقله الذاتي".
ولكي تصبح هذه الفكرة أكثر قرباً إلى الذهن، يمكن تخيل إنسان يزداد وزنه تدريجياً حتى يعجز هيكله العظمي عن حمله، فيسقط أرضاً تحت ضغط ثقله. أو تخيل شخصاً يحمل جسماً هائلاً بيديه، ثم يستمر هذا الجسم بالازدياد ثقلاً حتى تنهار قدرة الحامل نفسه، فيسقط مع ما يحمله.
لكن ماذا لو انتقلنا إلى فضاء خال تماماً من الجاذبية، بعيد عن النجوم والكواكب وكل مصادر المادة؟
لو وضعنا هناك كرة معدنية صغيرة، فهل ستنهار تحت "ثقلها"؟
الجواب: لا.
فالكرة في هذا الفضاء لا تملك وزناً بالمعنى الفيزيائي؛ لأنها موجودة في وسط عديم الجاذبية. وحتى لو وزعنا ملايين الكرات المتماثلة في هذا الفضاء، مع الحفاظ على مسافات متساوية بينها، فلن تنهار أي كرة على نفسها.
ومن هنا تبدأ الفكرة الأساسية.
عند نشوء الكون، توزعت المادة الكونية الأولية في الفضاء. لكن هذا التوزيع لم يكن متساوياً تماماً، ولا يمكن له أن يكون كذلك أصلاً. فبعض المناطق احتوت كثافة أعلى من غيرها، وبعضها كان أكثر فقراً بالمادة.
وهكذا ظهرت العناصر الثلاثة الأساسية التي حكمت تطور الكون:
المادة الكونية الأولية، والفضاء الكوني والتوزيع غير المتساوي للمادة داخل هذا الفضاء.
ولتوضيح الصورة أكثر، تخيل الفضاء كأنه ملاءة مطاطية رقيقة، ثم ضع فوقها ألف كرة معدنية متلاصقة في نقطة واحدة. عندها ستتشكل حفرة في تلك الملاءة بسبب تراكم الكرات وثقلها، وستتموضع الكومة في قاع الحفرة.
ولو جاءت كرة أخرى من بعيد، فإنها قد تنزلق نحو هذه الحفرة وتسقط فيها، فيزداد عدد الكرات، ويزداد معها عمق الحفرة أيضاً.
بهذه الصورة يمكن تخيل ما يحدث في الكون:
المادة تُحدث انحناء في الفضاء، والفضاء المنحني بدوره يؤثر في حركة المادة. وهذا قريب من التصور الذي جاءت به النسبية العامة لأينشتاين، حيث لا تكون الجاذبية قوة منفصلة، بل نتيجة لانحناء الزمكان بفعل المادة والطاقة.
لكن الأمر لا يقتصر على انحناء الفضاء الخارجي فقط، بل يشمل "الكومة" نفسها. فالكومة الكروية تمتلك مركزاً، تحيط به طبقات من الكرات. وكل كرة من هذه الكرات تبدو وكأنها واقفة على سطح مائل مصقول، أي في حالة سقوط دائم، لكن هذا السقوط مكبوح ومتوازن.
ولهذا يصبح "المركز" حاملاً لكل الطبقات الخارجية، تماماً كما يحمل شخص ثقلاً هائلاً فوق كتفيه.
فالطبقات الخارجية تضغط باستمرار على المركز، بينما تتولد داخل المركز نفسه قوى مضادة تقاوم هذا الضغط وتحافظ على التوازن.
وهذا ما يحدث داخل النجوم الهائلة الكتلة.
فطبقات النجم الخارجية تضغط بعنف على مركزه بفعل الجاذبية، لكن المركز لا يستسلم مباشرة، بل يولد قوى معاكسة تكبح الانهيار. وكلما ازداد الضغط والانكماش، ظهرت داخل المركز قوى أشد لمقاومة السقوط.
ومن هنا يمكن صياغة ما يشبه "القانون الكوزمولوجي" الذي يحكم تطور الكون:
المادة والفضاء ليسا منفصلين، بل متلازمان ومتداخلان بصورة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فلا وجود لمادة بلا فضاء، ولا لفضاء بلا مادة. والمادة الكونية لا يمكن أن تتوزع بصورة متساوية تماماً، بل لا بد من تفاوت في الكثافة والتركيز.
وهذا التفاوت يقود حتماً إلى انحناء الفضاء والمكان، بل والزمن أيضاً.
ومتى وُجد الانحناء، ظهرت الجاذبية، وبدأت المادة تدخل في حالة سقوط مقاوم أو انهيار مكبوح، حيث تتصارع قوى الانهيار مع قوى المقاومة الداخلية.
فكلما اشتدت ضغوط الانهيار، ولّد المركز قوى أعظم للدفاع عن توازنه. وكأن المركز يدفع بمزيد من "جنوده" إلى جبهات القتال ليمنع سقوط البنية بأكملها.
حتى الثقب الأسود نفسه، بحسب هذا التصور، قد لا يكون انهياراً مطلقاً بلا حدود، بل ربما يصل داخله إلى نوع من التوازن بين قوى الانهيار وقوى المقاومة. غير أن هذا التوازن لا يكون كاملاً أو نهائياً، بل يبقى حاوياً شيئاً من اللاتوازن.
ومن هذا اللاتوازن يظهر ما يُعرف بـ إشعاع هوكينج، حيث تبدأ مادة الثقب الأسود تدريجياً بالتبدد والانتشار في الفضاء الكوني على هيئة جسيمات أولية، وكأن المادة تعود من جديد إلى حالة التشتت الكوني الأولى.