من المصنع إلى صندوق الاقتراع: كيف تحمي النقابات الديمقراطية من اليمين المتطرف؟
جهاد عقل
2026 / 5 / 28 - 12:47
- دراسة أوروبية: العامل الذي يملك صوتًا في مكان العمل أقل ميلًا للعنصرية والشعبوية وأكثر دفاعًا عن الديمقراطية
في لحظة تشهد فيها أوروبا والعالم تصاعدًا خطيرًا لليمين المتطرف وتراجعًا متسارعًا في الثقة بالديمقراطية، جاءت دراسة أوروبية جديدة لتطرح سؤالًا مختلفًا وغير تقليدي:ماذا لو كانت أزمة الديمقراطية تبدأ أصلًا من مكان العمل؟
الدراسة الصادرة عن المعهد النقابي الأوروبي ETUI تحت عنوان:“كيف يساهم صوت العمال في مواجهة المواقف المعادية للديمقراطية”،تقدم واحدة من أهم المقاربات السياسية–النقابية في السنوات الأخيرة، إذ تربط بشكل مباشر بين:الديمقراطية داخل أماكن العمل،وصعود الشعبوية اليمينية،وتراجع الثقة بالمؤسسات،وانتشار العنصرية والعداء للمهاجرين والأقليات.
والخلاصة الأساسية للدراسة تبدو شديدة الوضوح:العامل الذي يشعر بأن له صوتًا وتأثيرًا واحترامًا داخل مكان العمل، يصبح أكثر تمسكًا بالديمقراطية وأقل قابلية للانجرار وراء خطاب الكراهية واليمين المتطرف.
- الديمقراطية تتراجع عالميًا… وأوروبا ليست استثناءً
"دخلت الديمقراطية مرحلة من التراجع. فمنذ عام 2009، انخفض عدد الأنظمة التي يمكن اعتبارها “ديمقراطيات ليبرالية” من 45 إلى 29 نظامًا. وخلال هذه الفترة، تراجعت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في ظل أنظمة ديمقراطية بأكثر من الثلث.
ولا يقتصر هذا الاتجاه العالمي المقلق على مناطق بعيدة، بل أصبح يؤثر بشكل متزايد على أوروبا أيضًا، حيث يشكل صعود الشعبوية اليمينية المتطرفة تهديدًا واضحًا. إذ تشهد عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي تغيرات جوهرية قد تهدد النموذج الاجتماعي الأوروبي، مثل:التعدي على استقلال القضاء،تقييد حرية الإعلام،تقويض حقوق الأقليات،وتشويه شرعية الخصوم السياسيين والمجتمع المدني.
وترتبط هذه التهديدات البنيوية بمناخ عام من التراجع الديمقراطي داخل الرأي العام. فرغم أن غالبية الأوروبيين ما زالوا يؤيدون مبدأ الديمقراطية، إلا أن نسبة كبيرة منهم غير راضية عن طريقة عملها في الواقع. كما أن كثيرين فقدوا الثقة بالمؤسسات الديمقراطية وأصبحوا أكثر قابلية لتقبّل فكرة “القائد القوي” ذي النزعة السلطوية.
وفي الوقت نفسه، تنتشر مواقف عدائية تجاه الأقليات، سواء الإثنية أو الدينية . وقد وفّر هذا المزيج من خيبة الأمل الديمقراطية والنزعات الإقصائية أرضية خصبة للأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة التي نجحت بشكل متزايد في استثماره سياسيًا.
وفي ظل هذه المخاوف، ترى هذه الورقة السياسية أن مكان العمل يشكل فرصة مهمة – غالبًا ما يتم تجاهلها – لتعزيز البنية الديمقراطية في مجتمعاتنا”.هذا ما جاء في مقدمة الدراسة التي أصدرها الإتحاد الأوروبي للنقابات العمالية.
كما ذكر في المقدمة أعلاه ،تبدأ الدراسة من مشهد عالمي مقلق:عدد الأنظمة المصنفة كـ “ديمقراطيات ليبرالية” انخفض من 45 إلى 29 منذ عام 2009. كما تراجعت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في أنظمة ديمقراطية بأكثر من الثلث.وفي أوروبا نفسها، تتحدث الدراسة عن ،صعود غير مسبوق لليمين المتطرف،تراجع الثقة بالمؤسسات،هجمات على استقلال القضاء والإعلام،وتزايد الخطاب المعادي للمهاجرين والنساء والأقليات.
لكن بدل الاكتفاء بتفسير الأزمة من زاوية الأحزاب أو الانتخابات، تذهب الدراسة نحو “المصنع والمكتب ومكان العمل” لفهم جذور الأزمة الديمقراطية.
- “مكان العمل مدرسة للديمقراطية”
وأضافت الدراسة بحث العلاقة بين العمل والديمقراطية، “الفاعلية الديمقراطية في مكان العمل” بتأكيدها أنه:”ترجع فكرة تأثير بيئة العمل على جودة الديمقراطية إلى جذور فكرية قديمة. فقد رأى الفيلسوف جون ستيوارت ميل عام 1848 أن أشكال العمل التشاركية والهادفة تشكل أساسًا مهمًا للمجتمعات الديمقراطية.
ثم وسّع الباحث مارشال عام 1950 هذه الفكرة، مؤكدًا أن المشاركة الديمقراطية لا تقتصر على الحقوق السياسية والمدنية، بل تشمل أيضًا الحقوق الاجتماعية داخل علاقات العمل. ومن هذا المنظور، يصبح العمال “مواطنين صناعيين” يتم التعبير عن مصالحهم وحمايتها عبر مؤسسات الصوت الجماعي مثل النقابات العمالية ومؤسسات المشاركة العمالية.
وقد حددت الأبحاث عدة آليات تربط ظروف العمل بالمشاركة الديمقراطية.وفي مقدمتها أن جودة العمل تشمل: ظروف العمل،الأجور،الأمن الوظيفي،الصحة المهنية.
فانعدام الأمان الوظيفي، والأجور المتدنية، وبيئات العمل غير الصحية، قد تخلق شعورًا بالإحباط والعجز وفقدان السيطرة.
وفي بعض الحالات قد تدفع هذه المظالم العمال نحو الانخراط السياسي لتحسين أوضاعهم جماعيًا، لكن الأحزاب اليمينية المتطرفة كانت فعالة جدًا في استغلال هذه المشاعر عبر تبني خطاب “اجتماعي” ظاهريًا، يحمّل النخب الفاسدة والمهاجرين مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
يليها “صوت العمال” وهو قدرة العاملين على التأثير في القرارات المتعلقة بظروف العمل وسياسات المؤسسة.وقد يأخذ هذا الصوت أشكالًا متعددة،فردية أو جماعية،مباشرة أو عبر النقابات،أو من خلال مؤسسات مثل مجالس العمال.ويُنظر إلى “صوت العمال” باعتباره فرصة حقيقية للمشاركة في صنع القرار.
وتؤكد الدراسة أن لهذا الصوت تأثيرات تتجاوز مكان العمل نفسه. فعندما يشعر العمال بأن لديهم استقلالية وتأثيرًا في العمل، فإنهم يطورون: ثقة أكبر بالنفس سياسيًا،إحساسًا أعلى بالقدرة على التأثير،ومشاركة أوسع في الحياة العامة.
وبهذا المعنى، تتحول أماكن العمل التشاركية إلى مكان هام لصبح:“مدرسة للديمقراطية”.
- قياس “الفاعلية الديمقراطية في مكان العمل”
اعتمدت الدراسة مقياسًا بعنوان:
اعتمدت الدراسة على مسح واسع شمل 15 ألف عامل في عشر دول أوروبية، بينها:فرنسا، المانيا،ايطاليا،إسبانيا،بولندا،السويد وغيره،وركزت الدراسة على مفهوم أطلقت عليه،“الفاعلية الديمقراطية في مكان العمل” ،أي شعور العامل بقدرته على:التعبير،التأثير،المشاركة،والتعاون الجماعي داخل المؤسسة.
لقد كشفت هذه الدراسة نتائج كانت صادمة أحيانًا كالتالي:ربع العمال يشعرون بأنهم “مُهمّشون”
كما وتكشف الدراسة أن:عاملًا من كل أربعة يشعر بأن رأيه يتم تجاهله في اتخاذ القرار داخل العمل،كما أن أقل من نصف العمال يشعرون بأنهم قادرون على الحديث بحرية عن التمثيل النقابي دون خوف من العقوبات أو الضغوط.وهذه ليست مجرد أرقام مهنية أو نقابية، بل مؤشرات سياسية عميقة.
فالدراسة تؤكد أن الشعور بالعجز والتهميش داخل العمل لا يبقى محصورًا داخل المؤسسة، بل يتحول تدريجيًا إلى: غضب سياسي،فقدان للثقة بالمؤسسات،وقابلية أكبر لتبني الخطابات الشعبوية والسلطوية.
- النقابات ضد العنصرية والشعبوية
تعتبر الدراسة أن النقابات ومجالس العمال تمثل القلب الحقيقي للديمقراطية في مكان العمل.
فهي: تمنح العمال صوتًا جماعيًا،تحسن ظروف العمل،تقلل الشعور بالإحباط والتهميش،وتنقل العمال نحو الانخراط في الممارسات الديمقراطية. كما يمكن للنقابات أن تلعب دورًا سياسيًا مباشرًا من خلال ،تشجيع المشاركة الانتخابية، تعبئة العمال،تقديم التوعية السياسية،وتشجيع الأعضاء على خوض العمل العام.
على ضوء ذلك يظهر لنا أن الدراسة تشير إلى أن النقابات، رغم نجاحها النسبي في تقليل العداء للمهاجرين، ما زالت بحاجة إلى بذل جهود أكبر لمواجهة الأيديولوجيات المعادية للمساواة الجندرية داخل صفوفها.
وعليه يتأكد لنا أن من أهم نتائج الدراسة وجود: نقابات قوية،أو مجالس عمالية فعّالة،كل ذلك يرتبط مباشرة بانخفاض العداء للمهاجرين،ارتفاع الثقة بالديمقراطية،وتعزيز الإيمان بالمشاركة السياسية.بمعنى آخر: الديمقراطية داخل مكان العمل تتحول إلى تدريب يومي على الديمقراطية داخل المجتمع.
فالعمال الذين يشاركون في اتخاذ القرار، أو يختبرون التضامن الجماعي، أو يشعرون بأن صوتهم مسموع، يصبحون أقل ميلًا لتصديق خطاب: “الأجانب سبب الأزمة”،أو “الديمقراطية لا تنفع”،أو “نحتاج إلى قائد قوي بدل المؤسسات”.
- دور النقابات ومجالس العمال Kلماذا دول الشمال الأوروبي أكثر استقرارًا؟
تظهر الدراسة بوضوح أن دول شمال أوروبا مثل، السويد والدنمارك وهولندا ،سجلت أعلى مستويات “الديمقراطية في العمل”. وهذا يرتبط بالقضية الأهم وهي قوة النقابات وانتشار المفاوضة الجماعية،
ووجود مجالس العمال،وأنظمة الحماية الاجتماعية.
بينما في المقابل، سجلت دول مثل ،بلجيكا،المجر،بولندا،إسبانيا.مستويات أضعف من “صوت العمال”، بالتوازي مع تنامي الشعبوية واليمين المتطرف.وترى الدراسة أن هذا مؤشر خطير على تراجع مؤسسات الديمقراطية داخل أماكن العمل.
- لماذا بادر الاتحاد الأوروبي للنقابات لهذه الدراسة؟
الدراسة ليست بحثًا أكاديميًا معزولًا، بل جزء من معركة سياسية وفكرية تخوضها الحركة النقابية الأوروبية،فالجهة التي تقف خلفها، أي المعهد النقابي الأوروبي ETUI، تمثل الذراع البحثي للإتحاد الأوروبي للنقابات العمالية،والرسالة الأساسية التي يريد الاتحاد النقابي الأوروبي إيصالها هي: “إضعاف النقابات لا يهدد العمال فقط، بل يهدد الديمقراطية نفسها.” ففي السنوات الأخيرة، شهدت أوروبا،تراجعًا في المفاوضة الجماعية،انتشار العمل الهش والعمل عبر المنصات الرقمية،وتهميشًا متزايدًا للنقابات.وترى الحركة النقابية الأوروبية أن هذا الواقع يخلق بيئة مثالية لليمين المتطرف الذي يستثمر غضب العمال ويوجهه نحو المهاجرين،الأقليات،أو “النخب الفاسدة”،بدل توجيهه نحو السياسات الاقتصادية النيوليبرالية.
- النقابات ليست فقط للأجور
أهم ما في هذه الدراسة أنها تعيد تعريف دور النقابات،فالنقابات هنا لا تظهر فقط كأداة لتحسين:
الأجور،وظروف العمل،والحماية الاجتماعية،بل كجزء من البنية الديمقراطية للمجتمع.أي أن،الحوار الاجتماعي،المشاركة،والتمثيل العمالي،ليست قضايا نقابية تقنية فحسب، بل أدوات لحماية الديمقراطية من التفكك.
- ماذا عن عالمنا العربي؟
ورغم أن الدراسة أوروبية، إلا أن أسئلتها تبدو شديدة الصلة بالواقع العربي أيضًا،ففي كثير من بلداننا العربية،يعاني العمال من ضعف التمثيل النقابي،وغياب المشاركة داخل أماكن العمل،
والخوف من التعبير،والعمل الهش،وتراجع الحماية الاجتماعية.وهي ظروف لا تنتج فقط أزمات اقتصادية، بل تؤدي أيضًا إلى الإحباط السياسي وفقدان الثقة،والعزوف عن المشاركة العامة.
ولهذا تبدو الرسالة الأعمق للدراسة واضحة،الديمقراطية لا تُبنى فقط في البرلمانات…
بل تبدأ أيضًا من المصنع، والمكتب، ومكان العمل.
وفي الخلاصة تؤكد هذه الدراسة أن الديمقراطية داخل مكان العمل ليست مسألة إدارية أو نقابية فقط، بل هي عنصر أساسي في حماية الديمقراطية داخل المجتمع ككل، فأماكن العمل التي تمنح العمال صوتًا،ومشاركة،وتمثيلًا حقيقيًا،تساهم في تعزيز الثقة بالديمقراطية.