اقتصاد الريع الجمعوي-السياسي وحثالة البروليتاريا
محسين الشهباني
2026 / 5 / 27 - 15:58
تعتبر "البروليتاريا الرثة" اة حثالة البروليتاريا حاضنة اجتماعية للدفاع عن السلطة والاستبداد. حيث يتحول انعدام الملكية الإنتاجية إلى تبعية لوظائف التوزيع الريعي، فينتج نمط وعي فرداني استهلاكي معادٍ للتغيير، حتى لو كان التغيير في مصلحة الطبقة التي ينتمي إليها موضوعياً. لانه ليس وعي الأفراد هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم المادي-الاجتماعي هو الذي ينتج وعيهم
"البروليتاريا الرثة" Lumpenproletariat هي شريحة فقدت صلتها بعملية الإنتاج المنظم، وتتميز بالهشاشة، والانقطاع عن التنظيم الاحتجاجي ، وسيلة لديها القابلية للاستخدام كأداة قمع أو زبونية سياسية يمكن توظيفها في عدة مجالات .
تنتعش البروليتاريا الرثة عبر الريع والذي ينقسم الى
الريع الجمعوي: التمويل العمومي للجمعيات، المنح، الصفقات الصغيرة، التوظيف في مكاتب الدراسات والجمعيات الموازية الدعم اللجيستيكي .
الريع السياسي: الوظائف الحزبية، الحضور في الحملات، البلطجة الانتخابية، الامتيازات الإدارية مقابل الولاء.هذه الآليات لا تنتج تراكماً رأسمالياً، بل تنتج تبعية وإعادة إنتاج للولاء.
رغم ان هذه الفئة لا تمتلك وسائل الانتاج ،الا انها تتبنى نسقاً قيمياً برجوازياً زائفاً، يتجلى في:
الفردانية والمصلحية الضيقة اذ يتحول الفاعل إلى "كائن اقتصادي مصغر"، لا تحركه قضايا المضطهدين ولا يتضامن مع آلام الآخرين ما دام لا يتألم. العلاقات الاجتماعية تُقاس بمعيار الربح والخسارة الفوري.
استيهام الاستهلاك والتمظهر الطبقي تتجلى في الهوس بشراء علامات المكانة، ولو بالاستدانة، يعكس محاولة مجاراة الطبقة الأعلى. المادة هنا ليست وسيلة عيش بل بديلاً عن الاعتراف الاجتماعي.
دفاع تلقائي عن مصالح المالك لأن أمنه المادي مرتبط بوجود السلطة الموزعة للريع، يتحول إلى "عبد المنزل": يدافع عن صاحب العمل والمستغل، ويعتبر أي تغيير سياسي تهديداً وجودياً.
الريع الجمعوي والسياسي لا يقتصر على إعادة توزيع مالي، بل ينتج بنية سيكولوجية:
- الترسيخ: يجعل الفرد أسيراً لدورة تمويل-ولاء-صمت.
- الاحتواء: يستبدل الصراع الطبقي بصراع على المواقع داخل شبكة الريع.
- التعطيل: يفرغ الحركات الاجتماعية من مضمونها عبر تحويلها إلى مقاولات خدمات.
النتيجة مجتمعات استهلاكية مريضة يتمحور اهتمامها حول "العيش" البيولوجي والمادي، لا حول "الحياة" بمعناها القيمي: الشرف، الحرية، الكرامة، الوطن.
البروليتاريا الرثة المرتبطة بالريع تؤدي وظيفتين سياسيتين:وظيفة الكابح اذ تمنع تراكم الوعي الطبقي داخل الطبقة الكادحة، عبر نشر السخرية من العمل الجماعي والتشكيك في أي مشروع تغيير.
ثم وظيفة أداة: تستخدم كقاعدة بشرية للتعبئة المضادة، للتصويت الموجه، ولقمع الاحتجاجات. دفاعها عن السلطة ليس أيديولوجياً بالضرورة، بل وجودياً.
بهذا المعنى، تصبح هذه الشريحة أحد أعمدة "الهيمنة السلبية" كما وصفها غرامشي: لا تقنع، لكنها تمنع.
فالمسألة في جوهرها ليست أخلاقية، بل بنيوية: طالما استمر وجود اجتماعي قائم على الريع، سيستمر إنتاج وعي يدافع عنه.
كارل ماركس نفسه أشار إلى وجود "البروليتاريا الرثة" Lumpenproletariat كشريحة مفككة، قابلة للاستخدام كأداة قمع ضد الطبقة العاملة المنظمة.
أنطونيو غرامشي وسّع هذا التحليل بمفهوم "الهيمنة" egemonia. السلطة، عنده، لا تُمارَس بالقسر وحده، بل عبر بناء توافق داخل المجتمع المدني. عندما يفشل التوافق، تلجأ الكتلة التاريخية الحاكمة إلى "الهيمنة السلبية" أي منع تشكل وعي مضاد، حتى دون إقناعه
الريع هنا ليس مجرد مورد مالي، بل آلية سياسية لإعادة إنتاج الولاء.
الريع الريعي الكلاسيكي: مداخيل الفوسفاط، والرسوم الجمركية.
الريع المؤسسي: صفقات عمومية، تراخيص النقل والاستيراد، الامتيازات العقارية.
الريع الجمعوي والسياسي: تمويل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية INDH، برامج التشغيل المؤقت، الوظائف الحزبية.
البروليتاريا الرثة في المغرب لم تعد تعني بالضرورة "المتسكعين" بمعنى ماركس الحرفي. هي فئة وظيفية تتوسط بين السلطة والمجتمع:
الوكلاء المحليون: المقدمون، الشيوخ، أعوان السلطة. دورهم ضبط المعلومة وتوجيه السلوك الانتخابي والاحتجاجي.
شباب الحملات: سماسرة الانتخبات وهي كتلة متنقلة تُعبَّأ موسمياً مقابل منافع مادية فورية.
مسيرو الجمعيات الموازية: يتلقون تمويلاً عمومياً مقابل احتواء الحراك المحلي وتفريغه من المضمون السياسي.
المستفيدون من عقود الإدماج المؤقتة: عقود "أوراش" و"فرصة" تخلق تبعية مؤقتة تمنع الترسيم والمطالبة الجماعية.
هذه الشريحة لا تملك وسائل إنتاج، لكنها تملك "رأسمال علائقي" مع السلطة. وعيها ليس برجوازياً بالملكية، بل برجوازياً بالمصلحة. لذلك تتبنى نمطاً قيمياً فردانياً استهلاكياً، وتعتبر أي تغيير سياسي تهديداً وجودياً.
النتيجة مجتمعات استهلاكية مريضة يتمحور اهتمامها حول "العيش" البيولوجي، لا حول "الحياة" بمعناها القيمي: الشرف، الحرية، الكرامة
حراك الريف 2016-2017: حدود الاحتواء
حراك الحسيمة كشف أن آلية الريع تفشل عندما يتحول المطلب من "تحسين شروط المعيشة" إلى "كرامة وعدالة هيكلية". الشبكة المحلية للبروليتاريا الرثة عجزت عن احتواء الحراك، فردت الدولة بعسكرة مباشرة ثم ببرنامج "منارة المتوسط" كمحاولة لاستعادة آلية الريع. الدرس: الريع فعال في احتواء المطالب المادية المحدودة، لكنه يفشل أمام المطالب السياسية الوجودية.
الانتخابات في المغرب تشتغل كسوق لتوزيع الريع الصغير: تراخيص، عقود نظافة، وعود توظيف. البروليتاريا الرثة هي القاعدة البشرية للحملات. النتيجة هي ما يسميه غرامشي "الثورة السلبية": تغيير الأشخاص دون تغيير علاقات القوة. المجالس المنتخبة لا تتحكم في الميزانية الحقيقية، ولا في الإدارة الترابية، فيتحول الناخب إلى زبون والمنتخب إلى موزع ريع.
منذ 2005، ضخت INDH وبرامج أخرى مليارات الدراهم. لكن أغلب الجمعيات تحولت إلى مقاولات خدمات تابعة للسلطات المحلية. وظيفتها امتصاص غضب الشباب عبر تكوينات قصيرة الأجل، وإنتاج خطاب يفرد المسؤولية على الفرد ويعفي البنية. هذا ما يسميه نغواندا ميكيلي 2015 "الزبونية المساعداتية" التي تعرقل تأسيس التضامن الوطني.
تجاوز هذه الظاهرة لا يتم عبر الخطاب الأخلاقي. شرطه مادي وسياسي وثقافي:
كسر احتكار الريع: عبر شفافية الميزانية، وإخضاع الصفقات والتمويل الجمعوي للرقابة البرلمانية والمجتمعية. وبناء بديل مادي عبر إصلاح ضريبي تصاعدي، وإعادة توجيه الاستثمار نحو الصناعة والفلاحة المنتجة. بدون ذلك يبقى أي خطاب عن الديمقراطية فارغاً.وإنتاج مثقف عضوي: كما دعا غرامشي، المثقف العضوي هو من ينتج وعي طبقته من داخل ممارستها. هذا يتطلب فضاءات مستقلة عن التمويل العمومي، وإعلاماً بديلاً، وتنظيماً نقابياً مستقلاً.
الواقع المغربي يقف في "اللحظة الغرامشية": القديم يموت ببطء، والجديد لا يستطيع أن يولد لأن شبكة الريع تمنع تشكل بديل تنظيمي مستقل. البروليتاريا الرثة ليست انحرافاً أخلاقياً، بل منتج بنيوي لاقتصاد ريعي. فهمها شرط لأي مشروع تغيير لا يريد أن يكرر دورة الاحتواء والانفجار.
المسألة ليست بين "شعب طيب" و"سلطة سيئة". المسألة بين وجود اجتماعي قائم على الريع، وبين إمكانية بناء وجود اجتماعي قائم على العمل المنتج والمواطنة. وبدون حسم هذا الصراع، سيبقى التغيير مؤجلاً.
تجاوز هذه الظاهرة لا يتم عبر الخطاب الأخلاقي أو الشيطنة. شرطه المادي هو:
كسر احتكار الريع: عبر شفافية التمويل العمومي وإعادة توجيه نحو إنتاج منتج.
بناء بديل مادي ومعنوي: برنامج اجتماعي-اقتصادي ملموس يربط الكرامة بالعمل المنتج، لا بالولاء.
عمل ثقافي طويل النفس: تفكيك الوعي الاستهلاكي وإعادة إنتاج لغة التضامن والمصلحة الجماعية.