نظام ترامب يصدر حكما ضد قائد كوبيّ - تعلّة لشنّ حرب ؟
شادي الشماوي
2026 / 5 / 26 - 22:15
جريدة " الثورة " عدد 958 ، 25 ماي 2026
www.revcom.us
في الأفق ، يلوح بشكل أوسع فأوسع عمل إجرامي تنفّذه الولايات المتّحدة ضد كوبا .
في الأسبوع الفارط ، في 20 ماي 2026 ، أصدرت محكمة في الولايات المتّحدة حكما ضد راوول كاسترو على أساس تهمّ أربع بالقتل و التآمر لقتل أمريكيّين لدوره المزعوم في إطلاق النار سنة 1996 على طائرتين غير مسلّحتين على سواحل كوبا .
راوول كاسترو و عمره 94 سنة أحد أعلى القادة بكوبا . و سنة 1959 ، شارك ضمن مجموعة من الثوريّين ، تحت قيادة شقيقه فيدال كاسترو ، أطاحت بنظام فولجنسيو باتستا العميل للولايات المتّحدة . و تاليا حاولوا [ كاسترو و من معه – المترجم ] إبعاد كوبا عن مدار هيمنة الولايات المتّحدة – نقطة سنعود إليها عقب معالجة التهديد المباشر بالحرب .
مجرمون مصّاصو دماء حقّا يقدّمون أنفسهم على أنّهم باحثون عن العدالة :
وتعتبر جريدة " النيويورك تايمز " راوول كاسترو" تعصيد خارق للعادة من حملة الضغط المتعدّد الوجوه لإدارة ترامب" ضد حكومة كوبا ، تصعيد يمكن أن يعبّد الطريق لمحاولة الولايات المتّحدة إختطافه كما حدث مع نيكولاس مادورو ، القائد السابق لفنزويلا ، عقب إصدار حكم ضدّه .
لكن لنتوقّف هنا بالذات !
يتبيّن أنّ هذه المخطّطات قد روّجت لها مجموعة من الكوبيّين بالمهجر بقيادة ما يدعى بخوسي باسلتو ، ، عميل معروف للسي أي أي الذى تبجّح بأنّه وقع تدريبه كإرهابيّ . و قد داست طائرات المجموعة السماء الكوبيّة لأكثر من 25 مرّة ، و قد حذّرت كوبا بصفة متكرّرة الولايات المتّحدة أنّه سيقع إطلاق النار عليها إن واصلوا أعمالهم . (1) لذا من المعقول تماما مئات الأمثلة : كوبا كانت تتصرّف إنطلاقا من الدفاع عن النفس .
لكن خطوة إلى الوراء : إن كان التصدّى لطائرات أو أعمال طائشة من الإرهاب و القتل هي معيار الإدانة بالإجرام و السجن ، عندئذ سيكون حكّام الولايات المتّحدة في مقدّمة الخطّ ! و إليكم بعض من مئات الأمثلة :
- منذ سبتمبر 2025 ، قتل نظام ترامب زهاء 200 صيّاد و دمّرت 57 قاربا في المياه الدوليّة في الكاراييب و المحيط الهادي ، بزعم – بلا أيّ أدلّة – أنّهم تجّار مخدّرات .
- سنة 1976 ، مجموعة من الكوبيّين المنفيّين الذين يعيشون في الولايات المتّحدة ، قصفوا بالقنابل سفرة الطيران الكوبيّ 455 ما تسبّب في قتل 73 شخصا كانوا على متن الطائرة . و مع ذلك ، رغم أنّهم معروفين جيّدا و يعيشون تقريبا في العلنيّة في الولايات المتّحدة ، لم يتمّ أبدا إتّهامهم بأيّ جريمة .
- أكّدت رسميّا لجنة تحقيق الكنيسة التابعة لمجلس شيوخ الولايات المتّحدة سنة 1975 ثماني محاولات مختلفة من قبل السي أي أي و مجموعات المنفيّين الكوبيّين لإغتيال القائد الكوبي فيدال كاسترو بين 1960 و 1965 وحدها . (2)
و إذن ، من الواضح بما فيه الكفاية من هم أكبر الإرهابيّين و المجرمين و القتلة أعداد كبيرة من الناس في هكذا وضع !
طبول الحرب ...تدقّ بصوت أعلى فأعلى :
لشهور ، ما إنفكّ ترامب يهدّد بمهاجمة كوبا ، بينما كانت الولايات المتّحدة تخوض حربا إقتصاديّة ضد الشعب الكوبيّ .
كوبا تواجه حصارا يزداد سوءا مع تعمّق حصار النفط ما يعمّق الأزمة الإنسانيّة .
لقد منعت كلّ بواخر نقل النفط ما عطّل المستشفيات و أجبر المرضي على تأجيل علاجهم و أدّى إلى نقص كبير في الغذاء و إلى سوء التغذية . " يموت المرضي الكوبيّين بسبب حصار الولايات المتّحدة " ، هذا ما جاء في تقرير لجريدة " النيويورك تايمز " . و كلّ هذا يستهدف عمدا جعل الحياة غير ممكنة تماما بالنسبة إلى الجماهير الكوبيّة على أمل إمّا أن يدفعها ذلك إلى التمرّد و / أو إلى الوقوف موقف سلبيّ من غزو من الولايات المتّحدة .
و في 14 ماي 2026 ، سافر ، رئيس السي أي أي ، جون راتكليفي ، إلى كوبا لإصدار تنبيه نهائي كما تفعل المافيا لحكومة كوبا : أعيدي هيكلة إقتصاد البلاد و المجتمع كما تريد الولايات المتّحدة و إلاّ ... و في الأثناء ، صعدّت الولايات المتّحدة بناء جيشها بما في ذلك إرساء حاملة الطائرات نميتز قرب الشواطئ الكوبيّة .
و في اليوم الموالي لإعلان توجيه تهم لكسترو قال ترامب أنّ من المرجّح أن يأمر بضربات عسكريّة ضد كوبا : " إنتظر الرؤساء الآخرون هذا لمدّة 50 ، 60 سنة ... و يبدو أنّي من سيقوم بهذا ." (3)
و ماذا عن الديمقراطيّين ؟ مع كلّ ما يجرى من تشجيع على الحرب ، يقول قادة الديمقراطيّين إنّهم متّفقون مع ترامب بخصوص معاقبة كوبا ...فقط لا يرغبون في تحوّل ذلك إلى حرب خشية أن يضرّ ذلك بالمصالح العامة لإمبرياليّة الولايات المتّحدة ! (4)
" تحرير " كوبا من " الإستبداد الشيوعي " ؟ لا أبدا ( بشأن كلتا التهمتين )
يزعم سكرتير الدولة ماركو روبيو و مسؤولين رسميّين لدي ترامب أنّ الولايات المتّحدة تسعى إلى إيصال " مساعدات إنسانيّة " إلى كوبا و إلى " تحرير " شعبها من " الإستبداد الشيوعي " الكوبيّ .
و هذه أكاذيب كبرى بشأن التهمتين .
أوّلا ، طوال 128 سنة كانت هيمنة إمبرياليّة الولايات المتّحدة السبب الأساسي لتعذيب و إضطهاد الشعب الكوبي . فبداية، غزت الولايات المتّحدة و سيطرت على كوبا سنة 1898 و لعقود مذّاك نهبت مواردها الطبيعيّة و إستغلّت يدها العاملة و فرضت دكتاتورا وحشيّا بعد الآخر ليحكموا الشعب . و إثر ثورة 1959 ، واصلت الولايات المتّحدة هجومها على كوبة ، في مسعى منها لإغتيال و الإطاحة بقادتها ، و خنقها بعقوبات معرقلة لها و عزلها دبلوماسيّا .
( من أجل المزيد ، أنظروا سلسلة مقالات " الجرائم الأمريكيّة " American Crime على موقع أنترنت revcom.us، وخاصة" الجريمة الأمريكيّة عدد 59 : غزو الولايات المتّحدة لكوبا و إحتلالها و هيمنتها و نهبها لها : 1898 إلى 1959"؛ و " الجريمة الأمريكيّة عدد 45 : غزو خليج الخنازير ، 1961 " ) .
ثانيا ، ليست كوبا و لم تكن أبدا بلدا إشتراكيّا فعلا على الطريق صوب الشيوعيّة . فعقب الثورة ، عندما شرع كاسترو في مصادرة شركات الولايات المتّحدة و تنفيذ إصلاحات أخرى ، تحوّلت الولايات المتّحدة إلى معارضة له . و في مواجهة مساعي الولايات المتّحدة للإنقلاب عليه ، وضع كاسترو نظره على قوّة أخرى لحماية نظامه و توجّه إلى الإتّحاد السوفياتي.
كانت الثورة الروسيّة أوّل ثورة إشتراكيّة ناجحة في تاريخ العالم . و قد حقّقت تقدّما إجتماعيّا و إقتصاديّا و ثقافيّا و ما إلى ذلك بارزا ، و قامت بذلك في مواجهة الهجمات الخبيثة للقوى القمعيّة للنظام الروسي القديم و القوى الإمبرياليّة الأجنبيّة . و مع ذلك ، جرت الإطاحة بالإشتراكيّة و أعيد تركيز الرأسماليّة مع 1956 ، و صار الإتّحاد السوفياتي قوّة إمبرياليّة متنافسة مع و متصارعة مع الولايات المتّحدة . و إستخدم سمعته السابقة لجلب بلدان مثل كوبا إلى دائرته باحثا عن ميزان قوى و ّحدة . ( من أجل المزيد عن تاريخ الإتّحاد السوفياتي ، أنظروا بوب أفاكيان ، " الإنسانيّة على حافة الهاوية : سير قسري نحو الهاوية ، أم صياغة طريق للخروج من الجنون " ؟ الصفحات 15-18على نسخة الأنترنت ؛ و من أجل المزيد عن كوبا ، أنظروا " حول وفاة فيدال كاسترو ، أربع نقاط توجّه " )
و في حين أنّ كوبا أنجزت عدّة إصلاحات حسّنت ماديّا وضع الشعب الكوبيّ ، فإنّ هذا في حدّ ذاته لا يمثّل إشتراكيّة . من أجل الإختلاف بين ما أسماه بوب أفاكيان " نوع من الرفاه الاجتماعي يكون فيه الدور الجوهريّ للجماهير لا يختلف عن ما هو شكل كلاسيكي من الرأسماليّة " من جهة ، و الإشتراكيّة الواقعيّة من الجهة الأخرى، أنظروا " البدائل العالميّة الثلاثة".
و طبعا ، الواقع هو أنّ كوباليست بلدا إشتراكيّا لا يبرّر بأي شكل من الأشكال أيّ تدخّل من الولايات المتّحدة أو هجمات على كوبا و شعبها و حكمها .
عقيدة مونرو الجديدة لدي ترامب :
لماذا تستهدف الولايات المتّحدة كوبا البلد الصغير الذى يعدّ 10 ملايين نسمة و يقع على بُعد 92 ميلا من ولاية فلوريدا ؟
في " الإنسانيّة على حافة الهاويّة : سير قسريّ نحو الهاوية أم صياغة طريق للخروج من الجنون ؟ " ، يعرض القائد الثوري و مؤلّف الشيوعيّة الجديدة ، بوب أفاكيان ، إستراتيجيا نظام ترامب الفاشيّ في النصف الغربي من الكرة الأرضيّة و العالم بما في ذلك تجاه دول مثل كوبا :
" و في الوقت نفسه ، زعم ترامب ما يمكن تسميته بعقيدة مونرو الجديدة : التأكيد على أنّ بلدان أمريكا [ الوسطى و اللاتينيّة – المترجم ] هي " الحديقة الخلفيّة " للولايات المتّحدة . و ينسجم هذا مع تغييره لخليج المكسيك إلى " خليج أمريكا " – في ذهنه الخاص على الأقلّ ، و كثيرا جدّا لدي بعض الآخرين قد إستجابوا لذلك . و قد إنخرطت في عدوان عسكري خبيث ضد فنزويلا ، مع المسعى الصريح لوضع اليد على هذه البلاد و " تسييرها " ، بمخزونها النفطي الكبير . و قد هدّد أيضا كوبا ، و رئيس كولمبيا و كذلك رئيس المكسيك ، و تدخّل على شؤون البرازيل و الأرجنتين و الهندوراس – و كلّ هذا بهدف التأكيد على إعادة تركيز كامل مفهوم " أمريكا " بإعتبارها حديقة خلفيّة ، و و كمجال نفوذ و محافظة تهيمن عليها إمبرياليّة الولايات المتّحدة .
و ترامب يعيد بعدوانيّة إحياء دور الوحش الإمبريالي الكلاسيكي ، مقترفة مع ذلك حتّى المزيد من الأعمال العدوانيّة و جرائم حرب ضد البلدان الأقلّ قوّة ، في إنسجام مع تقليد طويل و قبيح للتدخّل العسكري اليانكي في أمريكا الوسطى و الجنوبيّة بوجه خاص .
و مع ذلك ، هذا ليس عالم القرن 19 و بدايات القرن ال 20 و يبقى للنظر ما الذى سينتج عن قوّة إرهاب كبرى لترامب و العدوان العسكري الإستعماري من النمط القديم .
و في بُعد أشمل ، العمليّات العدوانيّة لترامب تجاه أمريكا اللاتينيّة جزء من نزاع إستراتيجي لقوّة إمبرياليّة عظمى مع الصين بشكل خاص التي أضحت قوّ’ كبرى في التجارة و العلاقات مع بلدان أمريكا اللاتينيّة ، بما في ذلك فنزويلا : والصين منذ بعض الوقت ، باتت المورّد الأكبر لنفط فنزويلا . ( و ينظر ترامب و الفاشيّون أتباعه إلى الصين ، و ليس إلى روسيا ، على أنّها التحدّي الأساسي و تهديد لهيمنة الولايات المتّحدة على العالم ؛ و حتّى مقاربة ترامب لروسيا و الحرب في أوكرانيا تهدف ، في جزء منها ، إلى قطع أو على الأقلّ إضعاف علاقات روسيا مع الصين .)
إنّ العمليّات و الموقف العدواني العسكري لترامب في ما يتّصل بأمريكا اللاتينيّة ، و بشكل عام ، تعبير عن وحشيّة النظام الرأسمالي – الإمبريالي الذى ولّد صعود الفاشيّة كتعبير متطرّف عن طبيعة النظام المفترس و المحتضر في هذه البلاد و كظاهرة أعمّ في العالم . "
ما العمل إزاء جرائم الولايات المتّحدة و عدوانها المفضوحين :
أوّلا ، التنديد التام و الإحتجاجات الجماهيريّة ضد تهديدات ترامب و إرهابه و هجماته على كوبا !
ثانيا ، مزيد التعمّق في الطريقة العمليّة للخروج من فظائع هذا العالم . و كما كتبنا في المدّة الأخيرة على موقع أنترنت revcom.us :
" الخيار الحقيقيّ الذى يواجهه كلّ منّا هو بين التأقلم مع و أمل إيجاد موقع داخل هذا الجنون وهو يدفع الإنسانيّة إلى الهاوية ... أو النظر بجدّية في و إستيعاب البديل الحقيقيّ الذى طوّره بوب أفاكيان و تجسّد في " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا " .
هوامش المقال :
1- تدّعي الولايات المتّحدة أنّ الطائرات كانت تحوّم فوق المياه الدوليّة ؛ و تجاجج كوبا بأنّ الطائرات قد إنتهكت مجالها الجوّي . و كتب بيتر كورنبلوه من مجلّة " الأمّة " ( " السي أي أي تمضي إلى كوبا " ، 18 ماي 2026 ) : " تحطيم الطائرتين الذى أودى بحياة أربعة طيّأرين شبّان كوبيّين أمريكيّين كان بلا مبرّر و خاطئ ؛ طياّرو طائرات الميغ الكوبيّة التي أطلقت صواريخا تتبّع حراري على Cessnas لم تتّبع أيّا من البروتوكولات الدوليّة في التحذير و التدخّل و الإعتراض و مصاحبة الطائرات المدنيّة غير المسلّحة . لكن التسجيل التاريخي المنشور ...يبيّن أن الإسقاط كان مبرّرا . فقد جاء بعد أكثر من سنة من التدخّلات الإستفزازيّة المفتوحة في المجال الجوّي الكوبيّ من قبل مجموعة المنفيّين Brothers to the Rescue – بقيادة شرطي قديم من الباي / الخليج ، جو باسولتو الذى حاول إغتيال كاسترو في بدايات ستّينات القرن العشرين – و قد أسقط من طائرات مناشير تدعو للتمرّد في ريف البلاد و في هافانا .
2- و تزعم مخابرات كوبا بأنّها كانت 638 محاولة إغتيال إستهدفت حياة كاسترو نظّمتها السي أي أي و المجموعات من المنفيّين المناوئين لكاسترو .
3- “I’ll Be the One That Does It”: Trump Says He’s Ready to Attack Cuba, Democracy Now!, May 22.
4- و إليكم ماقله نائب في الكنغرس ، روب مننداز :
" إصدار حكم ضد روول كاسترو – يوم تحرير كوبا – يوفّر عدالة منتظرة منذ زمن بعيد من أُسر الأمريكيّين الأربعة الذين قُتلوا بأوامر من نظام كاسترو سنة 1996 . "
" و في الوقت نفسه ، أنا منشغل بما يمكن أن تفعله إدارة ترامب بعد هذا و لا أعتقد أنّ هذه التهم ينبغي أن تُستخدم لتبرير محاولة تغيير نظام من طرف إدارة ترامب يكون شبيها لما رأيناه يحدث في فنزويلا ".