دروس نصف قرن من النضال منظمة إلى الأمام و حركة 20 فبراير وجيل زد 212
محسين الشهباني
2026 / 5 / 25 - 02:50
دروس نصف قرن من النضال منظمة إلى الأمام و حركة 20 فبراير وجيل زد 212
مرّ الاحتجاج في المغرب خلال نصف قرن بثلاث محطات تعكس تحولاً في بنية التنظيم وسقف المطالب. مع منظمة "إلى الأمام" 1970-1995، كان الجواب على سنوات الرصاص هو التنظيم السري الطليعي الماركسي-اللينيني، الذي اعتبر أن التغيير لا يأتي إلا بإسقاط العلاقات الطبقية القائمة وبناء حزب ثوري للعمال والفلاحين والطلبة. دفعت المنظمة الثمن بالاعتقال والتعذيب والاغتيال، لكنها رسّخت فكرة أن العفوية وحدها لا تكفي، وأن بناء أداة سياسية صلبة شرط ضروري لأي انتصار. ثم جاءت حركة 20 فبراير 2011 كقطع مع السرية، فنزلت الشارع بائتلاف مفتوح رفع سقفاً سياسياً واضحاً: دستور ديمقراطي، فصل السلطات، ملكية برلمانية. الحركة كسرت جدار الخوف وأجبرت على تعديل دستوري، لكنها كشفت أيضاً هشاشة التحالفات غير المتجانسة وعجزها عن تحويل الغضب الجماهيري إلى قوة تنظيمية مستمرة ..
أما "جيل زد 212" منذ شتنبر 2024، فيمثل قطيعة أخرى: حركة لامركزية أفقية بلا قيادة ولا هيكل، تتغذى من تيك توك وديسكورد واليوتوب وتخفض سقف المطالب إلى المعيشي المباشر - صحة، تعليم، شغل، كرامة. هذا الجيل يعكس فقدان الثقة في الأحزاب والنقابات والدولة معاً، ويعتبر الإصلاح ممكناً بمعزل عن سؤال السلطة. لكن الدرس التاريخي واضح: المطالب الاجتماعية لا تُنتزع بمعزل عن معركة السلطة.
من "إلى الأمام" إلى 20 فبراير إلى جيل زد 212، يظل السؤال واحداً - من يملك الثروة ومن يقرر مصيرها؟ والجواب لن يأتي بالعفوية الرقمية وحدها، بل بربط غضب الشارع ببرنامج سياسي تحرري وبأداة تنظيمية قادرة على الصمود والتراكم.
إلى الأمام"إن الطبقة العاملة المغربية لا تتحول تلقائياً إلى طبقة لنفسها. مهمة الحزب الطليعي هي حمل الوعي الثوري إلى صفوفها، وربط نضالها الاقتصادي اليومي بالهدف السياسي لقطع التبعية وإقامة دولة العمال والفلاحين."
حركة 20 فبراير وحراك جيل زد يظهران نفس الظاهرة: نضال عفوي قوي ضد الغلاء والقمع، لكنه محصور في المطلب الاقتصادي والفضيحة الأخلاقية. بدون حزب طليعي يحمل الوعي السياسي من الخارج، يبقى الغضب نقابياً وعفوياً وسهل الاحتواء. الفرق فقط في وسائط النشر: من المنشور السري إلى "الترند".
إلى الأمام، ورقة حول التنظيم 1974
"المهمة المركزية هي بناء حزب طليعي على أساس المركزية الديمقراطية، قادر على قيادة الجماهير في حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد. بدون هذا الحزب تبقى كل الجبهات والتحالفات عرضة للانتهازية والانشقاق"
مشكلة 20 فبراير لم تكن قلة الشجاعة، بل غياب "منظمة الثوريين المحترفين" التي يتحدث عنها لينين. التحالف الهش بين قوى متباينة انهار أمام أول تسوية.
جيل زد يمتلك سرعة التعبئة الرقمية، لكنه يكرر نفس الفراغ التنظيمي. الدرس واضح: الترند والزخم الافتراضي لا يغني عن الحزب، والهاشتاغ لا يحل محل اللجنة المركزية.
حول ربط النضال الجزئي بالأفق السياسي الكلي :إلى الأمام "كل نضال جزئي يجب أن يُربط بالأفق الاستراتيجي للثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية. من يفصل المطلب الجزئي عن مسألة السلطة، يحوّل الحراك إلى إصلاحية عاجزة"
هذا هو الفرق بين "حراك" و"ثورة". 20 فبراير توقفت عند سقف الدستور الممنوح لأنها لم تطرح مسألة السلطة. جيل زد يركّز على الشغل والغلاء والحريات، وهو صحيح، لكن بدون ربط هذه المطالب بمسألة قطع التبعية والإطاحة بتحالف الكومبرادور، سيبقى يدور في حلقة المطالبة بالإصلاح.
إلى الأمام، وثيقة حول التحالفات الطبقية "العمال والفلاحون الفقراء هم قوة الثورة الأساسية. مهمة الحزب هي توحيدهم في جبهة وطنية ديمقراطية ضد تحالف الكومبرادور والبيروقراطية والإقطاع، بقيادة سياسية للبروليتاريا"
لا يمكن بناء جبهة 20 فبراير أو جبهة جيل زد بدون تحديد من يقود. تجربة التحالفات المفتوحة أثبتت أن القيادة تذهب تلقائياً لأكثر القوى تنظيماً وتمويلاً، أي البرجوازية الصغيرة والإصلاحيين. القيادة البروليتارية ليست شعاراً، بل شرط لوضع الحركة في خدمة التحرر الوطني الاجتماعي، لا في خدمة التسوية.
"جيل زد يمتلك طاقة التعبئة التي حلم بها لينين في 1902، لكنه يفتقد الحزب الطليعي الذي شدّد عليه. و20 فبراير امتلكت الشارع الذي راهن عليه ماو تسي توغ ، لكنها افتقدت القاعدة الجماهيرية المنظمة والسلاح الشعبي. المهمة الآن هي تحويل هذه العناصر إلى وحدة واحدة: حزب طليعي + قاعدة جماهيرية + خط سياسي واضح = حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد"
منظمة "إلى الأمام" علمتنا أن التغيير الجذري لا يأتي بالإصلاح الترقيعي. قالتها بوضوح:
"الطريق إلى الثورة طويل، صعب وعنيف، والمقاومة والمثابرة هما حليفا الانتصار"
دفعت ثمن هذا الموقف دماً وسجوناً وتعذيباً. عزيز منبهي وسعيدة منبهي وغيرهم دفعوا حياتهم ثمناً لرفضهم المساومة على مطلب الشعب في الحرية والكرامة.
حركة 20 فبراير 2011 كسرت جدار الخوف وأثبتت أن الشعب قادر على النزول للشارع. لكنها افتقدت للأداة التنظيمية الصلبة التي تحول الغضب إلى قوة تغيير دائمة، فتم احتواء الحركة وتفريغ مطالبها.
خرج جيل زد 212 بغضب مشروع ضد البطالة والقهر والفساد. نعترف بشرعية صرخته ونحترم شجاعته. لكن العفوية الرقمية وحدها لا تكفي. العدو ليس أضعف مما كان. كما قال عزيز منبهي: العدو نمر من ورق، العدو مهزوم أصلاً... حتى لو كانت نضالاتنا وانتظارنا أكبر من البحار والمحيطات، سنواصل القتال... وسنتصر"
النصر يحتاج لثلاثة أشياء:
برنامج سياسي واضح: يربط المطالب المعيشية بمساءلة من يملك الثروة والسلطة.
أداة تنظيمية صلبة: قادرة على الصمود، التراكم، وحماية الحركة من الاحتواء والقمع.
صمود طويل النفس: الثورة ليست نزهة، بل معركة طويلة ضد الإمبريالية والتبعية والاستبداد.
ندعو شباب جيل زد 212 وكل القوى المناضلة إلى تجاوز القطيعة مع التراكم النضالي، وإلى بناء جبهة شعبية موحدة ببرنامج تحرري وأداة تنظيمية ميدانية.
المطالب الاجتماعية لا تُنتزع إلا بقلب موازين القوى.
والتغيير لا يأتي بالهاشتاغ وحده، بل بالتنظيم والنضال والصمود.
المجد للشهداء، والحرية للمعتقلين، والنصر للشعب.