دفاع نتنياهو الخبيث عن الإغتصاب الإسرائيلي للمساجين الفلسطينيّين؛ أو ، مرّة أخرى ، حول مفخرة إسرائيل المدهشة


شادي الشماوي
2026 / 5 / 24 - 16:17     

ليني وولف ، جريدة " الثورة " عدد 957 ، 18 ماي 2026
www.revcom.us

( ليني وولف ثوريّ من أنصار بوب أفاكيان و الشيوعيّة الجديدة . و قد أمضى عدّة أشهر يعمل في كيبوتس و يسافر عبر إسرائيل في أواخر ستّينات القرن الماضي ، و غذّت هذه التجارب قراره في ما بعد بالقطيعة مع الصهيونيّة .)
------------------------------------
في الأسابيع الأولى إثر إجتياح إسرائيل لغزّة، مع بداية المذابح الإسرائيليّة في حقّ المدنيّين الفلسطينيّين ، كتب القائد الثوري، بوب أفاكيان ، أنّ " إسرائيل قامت بشيء مدهش حقّا - لقد تمكّنت إسرائيل من تحويل اليهود إلى نازيّين ! "
و قد مسّت هذه الملاحظة عصب و راجت حول الأوساط الصهيونيّة على الأنترنت ، ما جعل منها شيئا بارزا . و في يوم من الأيّام ، بينما كنت أقوم بالتحريض السياسي بخصوص الإبادة الجماعيّة التي تقترفها إسرائيل في غزّة في كلّية نخبة تابعة للدولة ، رفضت طالبة يهوديّة شابة تسلّم منشور . و لمّا سألتها لماذا ، صرخت في وجهي شيء مفاده " أنا أعرفك – أنت واحد من أولئك الذين يقولون " اليهود نازيّون " و مضت في حال سبيلها .
هذا المقتطف جال بفكري – و لم يغادره – و أنا أقرأ مقالا لنيكولا كريستوف نشر في جريدة " النيويورك تايمز " ، " الصمت الذى يواجه به إغتصاب الفلسطينيّين و الفلسطينيّات " . إنتهت إلى سمع كريستوف قصصا من 14 شخصا مختلفا عن تعصيب عيونهم و إغتصابهم/هنّ من مخارجهم أو من فروجهنّ ( و في حالات بصفة متكرّرة ) ، مع بعض الناس الآن لم تعد أمعاؤهم تتحرّك بصفة عاديّة و هم مجبرون على إستخدام أكياس خارجيّة للتغوّط . و قد جرى إعتصار قضائب الرجال و عادة ما تمّ ربطها لساعات ، ما أفرز ضررا دائما في بعض الحالات . و على الناس أن يقرأوا هذا ، و أن يواجهوا ما يجرى القيام به بإسمنا .
صحيح أنّه على مرّ السنين ، تبنّت كريستوف معيار السائد عامة تقريبا من الإعتقاد أنّ شكاوي الإغتصاب والهرسلة الجنسيّة، كمنهج ، تدمّر الحاجة إلى سيرورة لازمة و إلى حمك القانون . لكن في ما يتعلّق بإغتصاب إسرائيل للمساجين ، توجد جبال من الأدلّة إلى جانب شكاوي مشابهة تتقدّم بها منظّمات فلسطينيّة ، و منظّمات الأمم المتّحدة ، و منظّمات حقوق إنسان إسرائيليّة محترمة مثل بيتسلام B ‘Tselem ، و كذلك الجرائد الإسرائيليّة و الجرائد على الأنترنت مثل" هآرتس " و +972.
جويلية 2024 : الجنود الإسرائيليّون في مركز إعتقال SDe Teiman بإسرائيل به ستائر تخفي عمليّات إغتصاب المساجين الفلسطينيّين عن الكاميرا . و نُقل الرجل المغتصب لاحقا إلى المستشفى بجراح في المؤخّرة و في البطن . صورة من شريط فيديو وقع تسريبه عن طريق محامي .
و في حادث شهير ، في أوت 2024 ، جرى تسريب فيديو إلى وسائل الإعلام عن مجموعة من جنود إسرائيليّين يغتصبون سجينا . إنتهاك الحرمة كان شديدا بحيث إضطرّوا إلى نقل السجين إلى المستشفى و صار غير قادر على المشي بعد ذلك . و وقع إعتقال العديد من الجنود ، و يواجه خمسة منهم تهما .
لكن لم يوجد سخط إجتماعي ضد الفساد الملتوي لهؤلاء الجنود . و بدلا من ذلك ، حدثت ضجّة كبيرة ضد متابعتهم قضائيّا و صدرت صرخة للعثور على من سرّب الخبر . و نظّم مئات الإسرائيليّين مسيرات للعثور على الجنود و تحريرهم من سجن و قاعدة عسكريّة .و دعا وزير الماليّة بيزلال سموترتش هؤلاء المجرمين ب " المحاربين الأبطال " . و تبيّن أنّ من سرّب الصور محامي عسكريّ إسرائيلي من الصفوف العليا إضطرّ لاحقا إلى الإستقالة . و بعد كلّ هذا ، إعتُبر تسجيل الإغتصاب الخبيث ضارا بقضيّة المتّهم . و في مارس من هذه السنة ، سحبت إسرائيل متابعتها القضائيّة كلّيا و أُطلق سراح الجنود .
و فضلا عن ذلك ، وثّقت جريدة " التايمز " ذاتها بدقّة تقرير كريستوفر – و لا مجال للشكّ في أيّ من هذه القضايا الخاصة الذى قد يضرّ بسمعة الجريدة و يجعلهم عرضة للتشهير بهم . ( و شيء منتظر ، بسرعة ، هدّدهم نتنياهو بتتبّعهم قضائيّا ) (7).
تشهير دمّ :
خطّ هجوم نتنياهو الأساسي كان إتّهام كريستوفر و جريدة " التايمز " ب " تشهير دمّ " . إذن على ماذا يحيل ذلك المصطلح؟
عمليّا ، يعود إلى تاريخ بعيد ، إلى قبل أكثر من 900 سنة ، عندما زعم قسّ في أنجلترا أنّ طفلا صغيرا إختفى قد وقع إختطافه و قتله من طرف يهود محلّيين لإستخدام دمه في إحتفالات عيد الفصح . فقام سكّان المدينة المحلّيين بشنق يهودي كردّ فعل . و هذا الصنف من الأشياء – الذى لا أساس له في الواقع – إنتشر عبر أنجلترا و تاليا عبر أوروبا ، مفرزا أحيانا أعمال قتل بوقا متنوّعة . كان طريقة " سهلة " لإبقاء السكّان اليهود في ذعر و خوف – بما يخدم دورا مشابها لقتل السود بوقا في الولايات المتّحدة في العقود التالية للحرب الأهليّة بتهم مشابهة مفبركة ، و عادة ما تتّخذ طابعا جنسيّا .
و ردّ نتنياهو لا يخدم فقط إستبعاد أيّ بحث أو حتّى تحقيق قانوني قد يخرج عن النطاق ، لو تحوّل المتّهم هو الأمم المتّحدة. و الآن ، الشخص الذى سلّط الضوء على فظائع موثّقة جيّدا يكرّر ، وفق إعلان رئيس الدولة ، عمليّا تشويهات ساحقة القدم ضد اليهود ، تشويهات هي في آن معا عبثيّة بوضوح و في منتهى الخطورة تاريخيّا . الإضطهاد التاريخي يتمّ التذكير به ... ليس في قضيّة عدالة لكافة الناس المضطهَدين ، و إنّما لتبرير الإضطهاد الرهيب الحالي المقترف من طرف مضطهَدين سابقا .
إذن ، النواة الصلبة الفاشيّة لقاعدة نتنياهو تستخدم ساعة الضحيّة و تتجاسر بموجب ضمان أنّه مهما فعلوا ، فإنّ قائدهم سيدافع عنهم . و الثأر يصبح أكثر إلتواء و يدافع عنه أكثر . و الفلسطينيّون و الفلسطينيّات المفجوعين من العدالة أو الدفاع و الواقعين تحت التهديد إن تجرّأوا على تقديم شهادة ، يتمّ مزيد إسكاتهم و تيئيسهم و تخويفهم و إرهابهم . و أعلى سلطات المكان تؤكّد مرّة أخرى أنّ هؤلاء اليهود المتّهمين بهكذا جرائم لن يقع فقط الدفاع عنهم ، بل إنّ التهم ذاتها ستصبح مادة لفظائع و أهوال أسوأ . و اليهود الإسرائيليّون الذين يثابرون على المطالبة بالعدالة الأساسيّة للفلسطينيّين و الفلسطينيّات – و هناك البعض منهم – يمسون أهدافا لللغضب و العزلة .
لكن الضحيّة الأولى ، لإعادة مقولة قديمة ، هي الحقيقة .
لا يجب أن يتكرّر هذا مرّة أخرى
بوب أفاكيان و معنيان ل " لا يجب أن يتكرّر هذا مرّة أخرى " – مقتبس من " الثورة و الدين : حوار بين كورنال واست و بوب أفاكيان " :
و هناك بُعدٌ آخر لهذا . غداة الجريمة المريعة حقّا في حقّ ستّة ملايين ( ! ) يهودي خلال الحرب العالميّة الثانية ، بات " )منتشرا على نطاق واسع في صفوف اليهود . و قد كان Never Again" شعار " لا يجب أن يتكرّر هذا مرّة أخرى " (
يعني بالنسبة للبعض " لا يجب أن تتكرّر معاناة اليهود من هذا المصير " – مع فرضيّة غير مصرّح بها أنّ أيّ شيء يخدم هذا الهدف ، مهما كان وحشيّا أو خبيثا ، مبرّر .
و نظر آخرون نظرة مغايرة : " لا يجب أن يتكرّر هذا مرّة أخرى " يجب أن يعني " لا يجب أن يعاني أيّ شعب من هذا المصير – و ينبغي أن نجعل هدفا لنا منع هذا . "
كان هذا إعتقاد نشأت عليه وهو سبب لماذا أشعر بمسؤوليّة خاصة في رفع مطلب : ليس بإسمي !
لكن الأمر لا يتعلّق بي أنا فقط . أذكر جيّدا الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982 و الإسرائيليّين الناجين من محرقة الهولوكست النازيّة و هم يستخدون ذات النعوت التي تمّ نعتهم بها " جرذان على قدمين " – ضد الفلسطينيّين الآن في لبنان ... و هذه المرّة من طرف اليهود . و أذكر على الأقلّ أحدا تظاهر في لباس نوم / بيجاما يحمل خطوطا إضطرّ للباسه في معسكر إعتقال نازي وقع سجنه فيه ، و قد تمّ إنقاذه و إطلاق سراحه عند نهاية الحرب العالميّة الثانية . و مقال حديث في +972 يبيّن غوغاء من الإسرائيليّين يتجوّلون عبر القدس العربيّة ، باثين الرعب في صفوف الفلسطينيّين و الفلسطينيّات في الشوارع ... و مجموعة متكوّنة من عدد أكبر من اليهود الباحثين عن العدالة شكّلوا حاجزا حاميا للفلسطينيّين و الفلسطينيّات ضد الأشقياء و المجرمين الحقراء .
تشهير دمّ يعني شيئا – ليس حيلة يلجأ إليها نتنياهو :
قُتل أناس حقّا ، تمّ ترويع أناس حقّا بإستعمال " تشهير دمّ " في أوروبا ... طوال قرون . و إنّها لصحيح و عادل أن نتذكّر هذا الدرس – درس كيف أنّ الجهل بعادات و تقاليد أناس مختلفين و لغات مختلفة أو ألوان بشرة مختلفة يمكن أن يستخدمه المضطهِدون للحثّ على جرائم مريعة .
لكن من الخطأ و أسوأ من الخطأ بالنسبة لنتنياهو أن يحوّل هذه التجربة إلى صناعة الجهل و الهستيريا و الإغتصاب و القتل ... بشكل مغاير . إنّ ما تفعله إسرائيل ضد الفلسطينيّين و الفلسطينيّات جريمة ضد الإنسانيّة . و إستعمال نتنياهو لتشهير دمّ جريمة ضد الحقيقة . الجريمتان تمضيان معا .
و هذه ليست تهمة جديدة لنتنياهو . و الملحق المصاحب لهذا المقال يسجّل ما لا يقلّ عن ستّ مناسبات أخرى قفز فيها على هذه التهمة . و الحقيقة هي أنّه بوسع المضطهِدين أن يلبسوا جلباب الضحيّة لتبرير الفظاعات باسم الكفّ عن أن يكونوا مجدّدا ضحايا .
و في هذا المضمار ، تعلّم نتنياهو من معلّميه السابقين زعم موقف الضحيّة وهم يخطّطون و ينفّذون الفظائع . في 7 نوفمبر 1938 ، سفير ألمانيا بفرنسا قُتل بطلقات رصاص على يد هرشل غرنسزبن ، طفل يهودي عمره 17 سنة إحتجاجا على نقل عائلته فجأة من ألمانيا إلى بولونيا . و إغتنم هتلر فرصة الإغتيال ليزعم ن دون أيّ دليل مهما كان ، أنّ هذا جزء من مؤامرة يهوديّة عالميّة . و أمر الحزب النازي بتنظيم مظاهرات منسّقة عبر البلاد ضد متاجر اليهود و معابدهم و ضد اليهود العاديّين المارين بالشوارع . و بات هذا معروفا بليلة الكريستال ؛ يومان من المظاهرات الكبيرة تسبّبت في مقتل زهاء 91 يهوديّا ( حسب الإحصائيّات الرسميّة ) و يقدّر بعض المؤرّخين المعاصرين أنّ الأمر يتعلّق ب عدّة آلاف .
و رأينا لاحقا أنّ هؤلاء الأمان الذين سايروا ، و حتّى إحتفلوا بالإرهاب الإبادي الجماعي النازي الذى نكّل باليهود ، صاروا هم أيضا ضحايا ذلك . و سفك الدماء الإبادي الجماعي ذاته نشاهد الإسرائيليّين ينفّذونه ضد الفلسطينيّين و الفلسطينيّات .
حالئذ ، أجل ، بوب أفاكيان على حقّ و النقطة التي أثارها لا تزال تصرخ كحقيقة وجب نشرها ، أكثر من أيّ وقت مضى: " إسرائيل قامت بشيء مدهش حقّا - لقد تمكّنت إسرائيل من تحويل اليهود إلى نازيّين ! "
و المسألة التي لا تزال تحتاج إلى إجابة هي ما إذا كان أولئك في هذه البلاد – الولايات المتّحدة التي دعّمت و أرشدت و موّلت الإبادة الجماعيّة الإسرائيليّة المقترفة في حقّ الشعب الفلسطيني – سيُحوّلون بدورهم إلى " ألمان جيّدين " .
كيف يجعل نتنياهو تهمة " تشهير دمّ " تافهة و يحرّف مغزاها :
يحبّ نتنياهو أن يتّهم الناس ب " تشهير دمّ " . مثلما نشرح في المقال المصاحب لهذا المقال ، " تشهير دمّ " يحيل على ممارسة في أوروبا القروسطيّة تزعم أن اليهود يضحّون بأطفال مسيحيّين و يستخدمون دمهم لتبرير قتل اليهود بوقا و ترويعهم . و إليكم بضعة أمثلة :
1. محكمة العدل الدوليّة و خطاب المجلس العام للأمم المتّحدة ( سبتمبر 2024/2025 ) :
ردّا على التهم العالميّة بالإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة ، أكّد نتنياهو أمام المجلس العام للأمم المتّحدة أنّ الذين يروّجون ل " تشهير دمّ و إبادة جماعيّة ضد إسرائيل " يتساوون مع المعادين للساميّة في القرون الوسطى .
2. تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة ( مارس 2025 ) :
حينما إتّهم تقرير لجنة الأمم المتّحدة إسرائيل بالفظائع الممنهجة و العنف الجنسي ضد المعتقلين ، أنكر نتنياهو ذلك على أنّه " تشهير دمّ " صادر عن ما سمّاه " مجلس حقوق الدمّ " .
3. إدانة المعارضة السياسيّة المحلّية ( ماي 2025 ):
وجّه نتنياهو صفعة للوجه الإسرائيلي المعارض يائير غولان لتصريحه علنا أنّ الجيش كان يقتل الأطفال في غزّة " كهواية " ، ناعتا رسميّا خطاب غولان ب " تشهير دمّ " .
4. فضح جريدة " هآرتز " لما يجرى في غزّة ( جوان 2025 ) :
عندما نشرت جريدة " هآرتز " شهادات من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي مؤكّدة أنّهم تلقّوا أوامرا بإستعمال الرصاص الحيّ ضد مدنيّين غير مسلّحين في مراكز المساعدات ، أنكر نتنياهو و وزير دفاعه ذلك التقرير ، ناعتين ذلك مباشرة ب " تشهير دمّ " .
5. إعلان الIPC المجاعة في غزّة ( أوت 2025 ) :
لمّا صرّح المسؤولون الدوليّون و المنظّمات الإنسانيّة رسميّا بحالة مجاعة منتشرة في غزّة بفعل محاصرة المساعدات ، نشر مكتب نتنياهو بيانا رسميّا ناعتا التصريح بأنّه " تشهير دمّ معاصر " .
6. سجن Sde تايمان العسكري ( مارس 2026 ) :
في مارس 2026 ، إحتفل نتنياهو بغلق تحقيق بشأن جنود إسرائيليّين متّهمين بتزاوزات شديدة في حقوق المساجين في سجن Sde تايمان ، ناعتين المزاعم العامة ( إعتمادا على شريط فيديو مسرّب من مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي) " تشهير دمّ ضد المقاتلين ".
هامش المقال :
" هدّد الوزير الأوّل الإسرائيلي بتكوين ملفّ دعوى قانونيّة ضد جريدة " النيويورك تايمز " بخصوص نيكولاس كريستوف الرأي المعبّر عنه بعمق في مقال عن التجاوزات الجنسيّة لحرّاس السجون و الجنود و المستوطنين و المحقّقين الإسرائيليّين. و هذا التهديد ، شبيها بتهديد صدر في السنة الفارطة ، جزء من سلوكات سياسيّة شائعة تهدف إلى تقويض التقارير المستقلّة و خنق الصحافة التي لا تتماشي مع سرديّة معيّنة . و أيّ دعوة قانونيّة كهذه ستكون دون إستحقاق ".